محليات

هل تصلح تجارب القوقاز لإنقاذ بعلبك؟

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

هل يمكن لبعلبك، ذات الإرث التاريخي الهائل والتي عانت من العزلة الجغرافية والاضطراب الأمني، أن تتحول إلى "عاصمة اقتصادية بديلة" من خلال السياحة الثقافية، والزراعة الذكية، واستعادة مكانتها كمحورٍ حيوي للتجارة الإقليمية؟
تبدو المقارنة مع تجارب بعض دول القوقاز مثل جورجيا وأرمينيا بمثابة طوق نجاة عملي. إذ لدى أرياف هذه الدول وقائع شبيهة جداً بواقع قضاء بعلبك: إرث ثقافي، موقع جغرافي جاذب لممرات التجارة، أراضٍ زراعية شاسعة وصناعات غذائية تقليدية.
في المقابل وكما في بعلبك، واجهت أرياف القوقاز حروباً واضطرابات أمنية وسياسية متراكمة تلت انهيار الإتحاد السوفياتي، ولكنها حوّلت "التحديات" الى نقاط قوة عبر رؤية استراتيجية ارتكزت على ثنائية حاسمة: "الأمن المطلق والصحوة الاقتصادية".
خلال جولة لنا شملت عدداً من فعاليات بعلبك للاستيضاح ومتابعة بعض الملفات، تبيّن منذ اللحظة الأولى غيابُ الحد الأدنى من المسؤولية الجماعية الكفيلة بالحدّ من التفلت البنيوي السائد على مختلف الصعد.

نداءات تنموية وتوضيح عن الانفاق العسكرية!

انطلقنا من دير الأحمر بلقاءٍ مع راعي أبرشية بعلبك-دير الأحمر المارونية المطران حنا رحمة، الذي حذّر من التردي الحاصل في قضاء بعلبك مركزاً على نقطتين رئيسيتين:
- الأمن والوجود: التأكيد على أن الاستقرار الأمني شرط جذري لصمود المواطنين من كل الطوائف والاتجاهات وعلى رأسهم المسيحيون في قضاء بعلبك، مع إشارته إلى انهيار المعنويات جراء المراوحة الأمنية.
- الإهمال التنموي: وبالتالي غياب الدولة عن حاجات المنطقة، وتعطيل المقدرات الهائلة لمحافظة بعلبك الهرمل، وعدم الاستفادة من أراضيها الزراعية التي تشكل ٢٥% من أراضي لبنان الزراعية، وكذلك من مياه نهر العاصي الغزيرة التي وبرأيه تستفيد منها دول أخرى كسوريا وتركيا أكثر مما يستفيد لبنان. كما استغرب المطران رحمة التشدد في إعطاء تراخيص الآبار للمزارعين لاستثمار أراضيهم. وقال: إذا أخذنا واقع الجفاف وحده في الحسبان، بعيداً عن بقية العوائق، فإن الاستثمار في القطاع الزراعي يصبح شبه مستحيل، وهو ما ينعكس سلباً على مقومات قطاع الصناعات الغذائية ويكبح آفاق نموه.

استكملنا الجولة في بعلبك حيث التقينا نائب المنطقة السيد ينال صلح الذي رأى أن التحدي لا يقتصر على الجانب الأمني فحسب، رغم أهميته الكبرى، بل يمتد إلى ملف "الضم والفرز" لإثبات الملكيات والحدود والذي يعطّل التنظيم العمراني والحضري على صعيد شق الطرق، وتقديم الخدمات الأساسية من ماء وكهرباء وصرف صحي، ويفرمل الاستثمار العقاري والزراعي حيث لا يستطيع المستثمر بناء مشروع عقاري أو استصلاح الأراضي الزراعية بشكل رسمي ومستقر. حتى وإن أصبح قضاء بعلبك والمدينة في أعلى درجات الاستقرار الأمني فهذا ملف يعيق أي تقدّم.
وعلى الصعيد "الأمني الداخلي"، أشاد صلح بالتقدم الملموس الذي حققته الأجهزة الأمنية؛ حيث تراجعت معدلات السرقات بشكل كبير، وتم ضبط الاشتباكات في الأحياء الداخلية.
وبالنسبة للأخطار المحدقة بالمعابد والآثار، نفى بشكل جازم وجود أي شبكات أنفاق عسكرية أسفل هياكل بعلبك الأثرية أو في محيطها، واصفاً هذه الأنباء بالأكاذيب المضللة لضرب سمعة المدينة.
من جانبه، شدد رئيس بلدية بعلبك، المحامي أحمد الطفيلي، على وجود تحسن ملموس في ملف "الأمن الداخلي"، مؤكداً أن الأنباء المتداولة بشأن شبكات الأنفاق العسكرية هي رواية مفبركة بالكامل. وأوضح الطفيلي أن مختلف فعاليات المدينة، ومن ضمنهم نوابها والمحافظ بشير خضر والمجلس البلدي ، دعوا مرارا الحكومة اللبنانية للكشف على محيط الآثار. وتساءل الطفيلي عن أسباب عدم إتمام هذه الزيارة التي كان من شأنها دحض مزاعم الأنفاق العسكرية وحماية محيط الآثار من أي اعتداء محتمل.
يضيف: ينسحب التلكؤ الرسمي أيضاً على الملفات الحياتية والبيئية، فالتقصير في صرف المخصصات البلديّة، فاقم أزمة النفايات وجعل المدينة تعجز عن جمعها ونقلها بالسرعة المطلوبة، لتبدأ المخلفات بالتراكم بالأطنان في ظل الاكتظاظ السكاني الراهن.

المجتمع الأهلي والنشاطات الثقافية:

وسط هذه المراوحة، لا بد من الإشادة بجهود المجتمع الأهلي البعلبكي لكسر حلقة الركود عبر تنظيم نشاطات ثقافية وفنية تبرز طابع المدينة.
الدكتور علي حسن عضو بلدية بعلبك ورئيس اللجنة الثقافية فيها، يشجع ويشارك شخصيا في تنظيم "ليالي بعلبكية" الجمعة والسبت والأحد؛ للإضاءة على الثقافة البعلبكية في المطبخ والتراث والدبكة. يقول حسن: نحن في امس الحاجة الى تعميم أجواء الفرح والانفتاح. وهذه الليالي تعكس فعلا حب البعلبكيين للحياة والفرح وتمسكهم بإبراز الوجه الحقيقي للمدينة وأهلها. ودعا اللبنانيين عموما والمسيحيين خصوصا لزيارة بعلبك مدينة التعايش والمستقبل.
وعن غياب المهرجانات الدولية هذا العام، أوضح لنا عضو لجنة مهرجانات بعلبك حماد ياغي أن الظروف الراهنة وحالة الغموض التي تلف البلاد جعلت تنظيم حدث بهذا الحجم أمراً بالغ الصعوبة.
ورغم ذلك، ووسط تحديات الأعوام الأخيرة، برزت مبادرات فردية تحدّت الجمود والواقع المعطّل؛ حيث استعرض عضو اتحاد المؤسسات السياحية ايهاب رعد تجربته في قطاع بيوت الضيافة والمطبخ البعلبكي وتحدياتهما، وكيف أصرّ على مواجهة الظروف وإعادة إطلاق مطعم «بِـ لبعلبكي» المُطلّ على المعابد الأثرية والحارة المسيحية، كرسالة صريحة للتمسك بالبقاء وخيار الاستمرار في بعلبك.

تجربة مستقبلية ممكنة:
تكشف هذه اللقاءات مع المسؤولين والمجتمع الاهلي عن حلقة مفرغة. بعلبك تنتظر المناسبات الموسمية في ظل إهمال رسمي وفرص اقتصادية ضائعة وسمعة أمنية طاردة للإستثمار وإعلام شبه غائب. ومع ذلك، إذا توافرت الإرادة الجماعية، تثبت تجارب قوقازية، أن كسر هذه الحلقة ممكن.
فقد تجاوزت جورجيا أزمات أريافها تدريجياً بفرض سيادة القانون وتطبيق حزمة إصلاحات وتشريعات لجذب المستثمرين الأجانب الى الأرياف، شملت تسهيلات ضريبية، وتحديث البنية التحتية واستغلال الثروة المائية الغزيرة، وتطوير الطرق وحركة القطارات والمطارات الداخلية التي ربطت الأقاليم بالمدن. وأثمرت هذه الخطة المتكاملة بين المدن والأرياف بالتماشي مع اعتماد رؤية متقدمة للتحول والتسويق الرقمي، عن جذب نحو 8 ملايين شخص بين سائح ومستثمر في العام ٢٠٢٥ وتحقيق نمو اقتصادي بنسبة ٧.٥% مقارنة بالعام ٢٠٢٤.
أرمينيا ورغم التحديات الحدودية والأزمات السياسية بين الحين والآخر، فرضت خطة الأمان المطلق في المدن والريف. واستثمرت بذكاء في تعزيز أنظمة المراقبة الداخلية. واستكملت ذلك بتبني اللامركزية السياحية عبر الترويج لمواقعها الريفية والتاريخية (كمعبد غارني وبحيرة سيفان)، واستقطاب الطيران منخفض التكلفة، إلى جانب تطوير ممرات الترانزيت والتجارة الإقليمية.
أذربيجان بدورها فرضت سلطة القانون وحققت أمان أقاليمها، وشجعت على جذب الشركات الزراعية العصرية، وفرضت قيوداً صارمة على شبكات المياه لحماية الاستثمارات الزراعية من الجفاف. وأنشأت مناطق اقتصادية خاصة لدعم الصادرات وحركة الترانزيت.

معادلة التعافي:
في المحصلة، يظل إنقاذ بعلبك ممكناً، لا بل ضرورياً، عبر إقرار خطة طارئة تتكامل فيها مختلف الجهود؛ تبدأ بتطبيق معادلة «الأمن التنموي» وفرض مربع أمني، وربطه بخطط استثمارية واقتصادية متوسطة الأجل تُستغل فيها مقومات المنطقة. كما يتطلب الأمر حضوراً أكثر فاعلية من الدولة والمبادرات المدنية والإعلام، إلى جانب إيلاء المناهج التعليمية اهتماماً خاصاً لتعزيز الوعي بثروات بعلبك. فالجميع قصّر بحق القضاء والمدينة، غير أن جزءاً كبيراً من الظلم ألحقته بها الخطابات الشعبوية والتركيز على الإعلامي السلبي والاتهامات المتبادلة التي تسيء لسمعة المدينة وتجْهِز على اقتصادها من دون تقديم أي جدوى أو حل لمشاكلها المزمنة .

فكتوريا موسى- وكالة أخبار اليوم

 

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا