هل يستطيع لبنان تحمّل حرب بلا نهاية؟
لم يعد السؤال في لبنان كم ستطول الحرب، بل كم يستطيع البلد أن يتحمّل.
فلبنان دخل هذه المواجهة فيما لم يكن قد تعافى بعد من تداعيات الانهيار المالي والاقتصادي الذي بدأ عام 2019.
ورغم أن مؤشرات أولية كانت قد بدأت تلوح بإمكانية التعافي، شرط المضي في الإصلاحات وتحقيق الاستقرار السياسي وتدفّق أموال إعادة الإعمار، فإن اندلاع الحرب مجددآ واستمرارها بدّدا هذه الفرصة وأعادَا البلاد إلى دائرة جديدة من الأزمات، ما أفسد كل مسار التعافي الذي كان قد بدأ يتشكل.
وهنا تكمن المفارقة اللبنانية: البلد يحتاج إلى الاستقرار كي يصلح اقتصاده، لكنه لا يستطيع إصلاح اقتصاده فيما يبقى الاستقرار نفسه مهددًا.
الحرب لا تكلّف لبنان فقط ما تدمره من منازل وطرق ومؤسسات. كلفتها الحقيقية أكبر بكثير.
إنها تعني استثمارات تتأجل، وسياحة تتراجع، ومؤسسات تتردد في التوسع، وشركات تنقل أعمالها إلى الخارج، وشبابًا إضافيين يفكرون في الهجرة.
وكلما طال أمد الحرب، أصبحت العودة إلى النمو أكثر صعوبة، واتسعت الفجوة بين ما يحتاجه لبنان للخروج من أزمته وما يستطيع فعليًا أن يفعله.
وهنا تظهر كلفة أخرى لا تقل خطورة عن كلفة الدمار المباشر: كلفة الوقت الضائع والفرص الضائعة.
فالوقت بالنسبة إلى لبنان لم يعد مجرد عنصر في عملية التعافي، بل أصبح موردًا نادرًا بحد ذاته.
كل سنة إضافية من عدم الاستقرار لا تعني فقط مزيدًا من الوقت الضائع، بل تعني خسائر تتراكم على لبنان في الاقتصاد والاستثمار والإصلاح وبناء مؤسسات الدولة.
ففي الوقت الذي تتقدم فيه دول المنطقة وتستقطب الاستثمارات والفرص، يخسر لبنان سنة أخرى من قدرته على المنافسة، وتهاجر طاقاته، وتُستنزف مؤسساته، وتتراجع الثقة بمستقبله.
والأخطر أن كلفة عدم الاستقرار لا تُقاس فقط بما يُدمَّر اليوم، بل أيضًا بما يُحرم لبنان من بنائه غدًا.
فكل سنة تمر من دون استقرار هي سنة كان يمكن أن تكون فرصة للاستثمار والنمو والإصلاح واستعادة الثقة.
وما يخسره لبنان، بالتالي، ليس حاضرَه فقط، بل جزءًا من مستقبله أيضًا.
فالدولة التي تحتاج إلى سنوات لإعادة بناء اقتصادها لا تستطيع أن تستهلك هذه السنوات في إدارة الأزمات المتتالية.
وقد تكون هذه هي الكلفة التي لا تظهر في أرقام الخسائر وإعادة الإعمار: أن يخسر لبنان الوقت الذي يحتاجه أصلًا لإنقاذ اقتصاده، وأن يخسر معه فرصًا قد لا تتكرر.
والأخطر أن لبنان لا يملك اليوم احتياطًا اقتصاديًا كبيرًا يسمح له بامتصاص صدمة جديدة.
الدولة تعاني من ضعف قدرتها المالية، والقطاع المصرفي لم يتعافَ من انهياره، والمودعون لم يحصلوا بعد على حل نهائي لأزمة ودائعهم، فيما يعمل القطاع الخاص في بيئة يطغى عليها عدم اليقين.
ومن السهل سياسيًا اختزال الأزمة المالية اللبنانية في مسؤولية جهة أو شخص واحد، لكن هذه قراءة لا تعكس حقيقة ما جرى.
فالانهيار المالي لم يكن نتيجة قرار واحد أو سياسة منفردة، بل كان حصيلة سنوات طويلة من السياسات والقرارات المالية والاقتصادية التي اعتمدتها الحكومات المتعاقبة، وأدت إلى تراكم العجز والدين والهدر، من دون معالجة جذرية للاختلالات التي كانت تتسع عامًا بعد عام.
فقد استمر الإنفاق العام من دون إصلاح حقيقي، وتراكم الهدر في قطاعات أساسية، وكان ملف الكهرباء أحد أبرز الأمثلة على استنزاف المال العام، إلى جانب مشاريع وإنفاقات عامة أثارت تساؤلات جدية حول كلفتها وجدواها، ومنها ما ارتبط بملفات السدود والبنية التحتية.
كما ساهمت سياسات الدعم وضعف الرقابة على الحدود في استنزاف الموارد والعملات الأجنبية، ولا سيما من خلال تهريب الدولار والوقود والمواد الغذائية المدعومة إلى سوريا، في وقت كان فيه الاقتصاد اللبناني يواجه أصلًا ضغوطًا مالية ونقدية متزايدة.
ولم يصل لبنان إلى هذه المرحلة بين ليلة وضحاها، بل نتيجة مسار طويل تراكمت خلاله الاختلالات، وتأجلت معالجة الخسائر، واستمر الإنفاق من دون إصلاحات بنيوية، إلى أن انهار النموذج المالي والاقتصادي وانكشفت حقيقة الأزمة.
لذلك، فإن المطلوب اليوم ليس البحث عن كبش فداء أو اختزال الانهيار في شخص أو مؤسسة، بل وضع السياسات والقرارات التي اتخذتها الحكومات المتعاقبة في سياقها، وتحديد المسؤوليات على أساس الوقائع، ومعرفة كيف تراكمت الخسائر ومن يتحمل كلفتها في النهاية.
فالهدف من المحاسبة ليس الانتقام السياسي، بل منع تكرار الأخطاء نفسها وبناء نموذج اقتصادي ومالي أكثر استدامة.
بعد سنوات من الانهيار، لا يزال لبنان يحاول الإجابة عن أسئلة أساسية: ما حجم الخسائر؟ كيف تراكمت؟ من استفاد من بعض السياسات؟ ومن يتحمل في النهاية كلفة ما حدث؟
هذه ليست مشكلة محاسبية فقط. إنها مشكلة ثقة.
فالاقتصاد لا يمكن أن يبدأ صفحة جديدة قبل أن يعرف ماذا حدث في الصفحة السابقة.
والمودع لا يمكن أن يستعيد ثقته بالنظام المالي إذا لم يعرف مصير أمواله.
والمجتمع الدولي لا يمكن أن يمول دولة من دون أن يرى إصلاحات حقيقية وآليات واضحة للمساءلة.
لكن الحرب تجعل هذه المهمة أكثر صعوبة.
فلبنان كان يحتاج أصلًا إلى سنوات من الاستقرار لإعادة هيكلة قطاعه المصرفي، وإصلاح ماليته العامة، واستعادة النمو، والاستفادة من طاقات الاغتراب والسياحة والاستثمار.
الحرب تستهلك هذا الوقت، وتعيد توجيه الموارد من الإصلاح إلى إدارة الأزمة، ومن بناء المستقبل إلى احتواء الخسائر.
وهنا تظهر المشكلة الأخطر: الحرب لا تسمح للبنان بأن يتعافى، وعدم التعافي يجعل لبنان أكثر هشاشة أمام الحرب.
إنها دائرة مفرغة: كلما طال أمد الحرب، تراجعت قدرة الدولة والاقتصاد على الصمود؛ وكلما تراجعت هذه القدرة، أصبح البلد أكثر عرضة لتداعيات أي صدمة جديدة.
ولهذا فإن الحديث عن إعادة الإعمار يجب ألا يبدأ فقط بسؤال: من سيدفع؟
بل بسؤال أكثر أهمية: كيف نضمن ألا نعيد بناء ما تهدّم لكي يُدمّر مرة أخرى؟
فلبنان سبق أن أعاد إعمار نفسه مرات عديدة، لكنه لم ينجح في كل مرة في إعادة بناء الدولة القادرة على منع تكرار المأساة.
أُعيد بناء الحجر، بينما بقيت الخلافات حول القرار والسيادة والسلاح والعلاقة مع الخارج من دون تسوية نهائية.
واليوم، قد تكون الفرصة مختلفة، وربما تكون الأخيرة.
لبنان لا يحتاج فقط إلى أموال لإعادة بناء المناطق المتضررة، بل يحتاج إلى تسوية سياسية وأمنية تسمح لهذه الأموال بأن تتحول إلى استثمار طويل الأمد، لا إلى جولة جديدة من إعادة الإعمار.
وهذا يعني أن الاقتصاد لا يمكن أن يبقى منفصلًا عن سؤال الدولة.
من يملك قرار الحرب والسلم؟ من يقرر متى تبدأ المواجهة ومتى تنتهي؟ ومن يتحمل كلفتها؟ ومن يضمن أن الدولة وحدها تملك القدرة على حماية الاستقرار الذي يحتاجه الاقتصاد؟
هذه الأسئلة قد تكون أكثر أهمية من حجم المساعدات التي سيحصل عليها لبنان.
فالمساعدات تستطيع أن تعيد بناء منزل، لكنها لا تستطيع وحدها أن تبني دولة.
والقروض تستطيع تمويل مشروع، لكنها لا تستطيع أن تخلق ثقة في بلد يمكن أن تندلع فيه الحرب في أي لحظة.
والإصلاحات تستطيع تغيير القوانين، لكنها لن تنجح إذا بقيت البيئة السياسية والأمنية عاجزة عن حماية نتائجها.
لذلك، فإن وقف الحرب ليس فقط مطلبًا إنسانيًا أو أمنيًا، بل هو أيضًا شرط اقتصادي أساسي.
وليس المقصود بذلك تحميل طرف واحد مسؤولية كل ما يحدث.
لبنان يواجه تهديدًا إسرائيليًا حقيقيًا، وفي الوقت نفسه يواجه مشكلة داخلية تتعلق بتعدد مراكز القرار العسكري والسياسي. وتجاهل أي من هذين الواقعين يقود إلى قراءة ناقصة للأزمة.
ما يحتاجه لبنان هو الخروج من هذه المعادلة نفسها: دولة تدفع كلفة حرب لا تتحكم بكل قراراتها، ثم تطلب من الخارج مساعدتها على إصلاح اقتصادها.
وإذا كان المطلوب فعلًا إنقاذ لبنان، فلا يكفي أن نبحث عن ممول جديد لإعادة الإعمار.
فإذا استمرت الحرب، لن تكون المشكلة أن لبنان سيدفع ثمنًا اقتصاديًا جديدًا فقط.
المشكلة أن الاقتصاد اللبناني قد يصل إلى مرحلة يصبح فيها التعافي نفسه أصعب من إعادة الإعمار.
وهذا هو الخطر الحقيقي.
لبنان لا يحتاج اليوم إلى معجزة اقتصادية.
يحتاج إلى وقت بلا حرب، ودولة تملك قرارها، وإصلاحات لا تتوقف عند حدود القوانين، ومحاسبة لا تختزل الانهيار في شخص أو مؤسسة واحدة.
لأن البلد الذي أمضى سنوات يحاول الخروج من الانهيار لا يستطيع أن يتحمل أن يصبح الاستنزاف هو الوضع الطبيعي.
وفي النهاية، ربما لم يعد السؤال: هل يستطيع لبنان تحمّل حرب بلا نهاية؟
السؤال الأكثر واقعية والأكثر إلحاحًا هو:
هل يستطيع لبنان أن يخوض حربًا أخرى من دون أن يخسر الفرصة الأخيرة لإنقاذ اقتصاده ودولته معًا؟
دافيد عيسى - أخبار اليوم
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|