عربي ودولي

"قسد".. عقدة الدولة السورية الجديدة

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

أفاد مصدر خاص لـِ "المدن"، بأنَّ الحكومة السورية دمجت 70 ألف موظف وعنصر من مؤسسات الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) في مؤسسات الدولة السورية، مع وجود توجه لرفع العدد إلى نحو 100 ألف قبل نهاية العام 2026. قد يبدو الأمر للوهلة الأولى عملية إدارية كبيرة: موظفون ينتقلون إلى وزارات، عناصر أمن يلتحقون بمؤسسات جديدة ومقاتلون يدخلون في هيكل الجيش، لكن ما يجري في شمال شرقي سوريا أكبر من ذلك.

فدمشق لا تتعامل فقط مع موظفين يبحثون عن مكانهم في الدولة الجديدة، بل مع تجربة كاملة نشأت خارج مؤسساتها، واستطاعت خلال سنوات الحرب أن تبني أجهزة إدارية وأمنية وعسكرية، وأن تدير حياة ملايين السكان في واحدة من أكثر مناطق سوريا تعقيداً.

وتكشف طبيعة الأرقام عن حجم العملية. فهناك نحو 22 ألف موظف في قطاع التربية، وعشرات الآلاف في الأمن الداخلي والدفاع والزراعة وقطاعات النفط والغاز. 

خشية الحكومة من قسد 

واحتفظت الحكومة السورية الجديدة بأعداد كبيرة من الموظفين الذين عملوا في مؤسسات الدولة خلال عهد النظام السابق. وكان ذلك أمراً يصعب تجنبه. فلا يمكن إسقاط سلطة ثم فصل كل من عمل في مؤسساتها، لأن الدولة ستتوقف ببساطة عن العمل.

لكن التعامل مع موظفي النظام السابق يختلف عن التعامل مع كوادر الإدارة الذاتية. ففي الحالة الأولى، بقي الموظفون بعد سقوط المركز السياسي الذي كان يجمعهم. سقط النظام، وتغيرت السلطة، وأصبح كثير من هؤلاء مجرد موظفين في دولة استمرت مؤسساتها رغم تغير من يحكمها.

أما في حالة قسد، فالصورة أكثر تعقيداً. فالمؤسسات التي نشأت في شمال شرقي سوريا لم تكن مجرد دوائر حكومية عادية. كانت جزءاً من تجربة سياسية وإدارية وعسكرية لها قياداتها وعلاقاتها وطريقتها الخاصة في إدارة المنطقة. لهذا، ربما لا تخشى دمشق الموظف نفسه بقدر ما تتحفظ على بقاء الروابط التي جمعته بالمؤسسة السابقة.

وربما يكون الخطأ الأكبر في الحديث عن مستقبل قسد هو التعامل معها بوصفها مجموعة مقاتلين فقط. فالسلاح جزء من القصة، لكنه ليس كل القصة.

خلال سنوات الحرب، تشكلت حول قسد والإدارة الذاتية شبكة واسعة من المؤسسات: مدارس وبلديات ومجالس محلية وأجهزة أمنية ومؤسسات اقتصادية. ويمكن انتقاد هذه التجربة في كثير من جوانبها، لكن من الصعب إنكار أنها أنتجت كوادر تعرف كيف تدير منطقة.

ولهذا فإن دمشق تجد نفسها أمام مفارقة واضحة: هي تحتاج إلى هؤلاء، لكنها لا تريد أن تنتقل مؤسساتهم معها إلى داخل الدولة كما هي. تحتاج إلى المعلمين، لكنها تريد أن يكون التعليم جزءاً من سياسة وطنية واحدة. تحتاج إلى عناصر الأمن، لكنها تريد أن تكون مرجعيتهم وزارة الداخلية. وتحتاج إلى العسكريين، لكنها لا تريد تشكيلات تحتفظ بولائها أو تنظيمها السابق داخل الجيش، فدمشق تريد الاستفادة من الأشخاص، لكن ليس من السهل عليها أن تستوعب المؤسسة التي كانوا جزءاً منها.

من يعرّف شكل الدولة؟

يوجد خلاف كبير يتعلق بشكل سوريا المقبلة. فسنوات الحرب أظهرت أن الدولة المركزية عندما تضعف، لا يختفي المجتمع معها. تظهر سلطات محلية ومجالس وقوىً تحاول ملء الفراغ. والإدارة الذاتية كانت واحدة من أبرز هذه التجارب.

لذلكَ، فإن عودة دمشق إلى شمال شرق سوريا تطرح سؤالاً لا يتعلق فقط باستعادة السيطرة: هل ستعود الدولة كما كانت، أم أنها ستتعلم شيئاً من السنوات التي غابت فيها؟

كما أنَّ الوصول إلى دمج 100 ألف شخص سيكون رقماً كبيراً، لكنه لن يكون وحده دليلاً على نجاح العملية، إذ تستطيع أي دولة أن تعيد رسم الخرائط الإدارية وأن تغير أسماء المؤسسات. لكن الأصعب هو بناء الثقة.

ربما تستطيع دمشق إنهاء قسد بوصفها مؤسسة عسكرية وإدارية مستقلة، لكن التحدي الحقيقي ليس في إنهاء المؤسسة، بل في إنهاء الحاجة إليها. فإذا نجحت الدولة الجديدة في تقديم الأمن والخدمات والعدالة والمشاركة، ستصبح التجارب السابقة جزءاً من ذاكرة الحرب. أما إذا عادت الدولة إلى المناطق من دون أن تقدم شيئاً مختلفاً، فستبقى تلك التجارب حاضرة، ليس لأنها بالضرورة أفضل، بل لأن الناس سيقارنون دائماً بين ما كان وما هو موجود.

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا