عربي ودولي

المفتاح في طهران.. من يعرف أسرار ترسانة الفصائل العراقية؟

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

كشف مصدر أمني عراقي أن الأجهزة الحكومية "لا تمتلك قاعدة بيانات دقيقة ومتكاملة تحدد حجم ونوعية الأسلحة الموجودة لدى الفصائل"، مؤكدًا أن هذه الفجوة تجعل من الصعب التحقق بصورة مستقلة من أي حديث رسمي عن إحراز تقدم في الملف.

وتزداد المفارقة مع إعلان المتحدث باسم القائد العام للقوات المسلحة صباح النعمان، في 28 أغسطس/آب، أن الفصائل سلمت نحو نصف أسلحتها، في وقت تشير فيه تقديرات بحثية إلى صعوبة التحقق من هذه النسبة بسبب الطبيعة السرية للترسانات واختلاف ما تمتلكه الفصائل رسمياً عما تحتفظ به داخل شبكاتها الخاصة. 

يقول المصدر الأمني إن الدولة تسلمت بالفعل أسلحة من بعض الفصائل، بينها عصائب أهل الحق وحركة الإمام علي، لكن ما جرى تسليمه كان "محدودًا ولا يعكس القدرات العسكرية الحقيقية لهذه الجماعات".

وتحدثت تقارير حديثة عن تسليم عصائب أهل الحق عدداً محدوداً من الطائرات المسيّرة غير المسلحة وأسلحة أخرى، من دون أن يشمل ذلك ترسانتها الصاروخية.

وبحسب المصدر، لا تزال كتائب حزب الله وحركة النجباء وكتائب سيد الشهداء تمثل الفصائل الثلاثة الرئيسية الرافضة حتى لتقديم تسليم رمزي للأسلحة.

ويقدر المصدر أن التشكيلات الثلاثة تضم مجتمعة نحو 30 ألف مقاتل مسجلين ضمن هيئة الحشد الشعبي، لكن وجود هؤلاء على قوائم مؤسسة رسمية لا يعني أن هياكلهم العسكرية أصبحت خاضعة بالكامل للدولة، إذ حافظت الفصائل على تسلسلها القيادي وشبكاتها الداخلية ومخازنها وارتباطاتها السابقة.

ولا تعود مشكلة غياب قاعدة البيانات إلى خلل إداري فقط. فبحسب المصدر الأمني، لا تستطيع الأجهزة الحكومية إجراء جرد شامل داخل مقار ومستودعات الفصائل، في ظل توافق سياسي وأمني على تجنب اقتحام المعسكرات بالقوة، خشية تحول عملية تفتيش محدودة إلى اشتباك ثم إلى مواجهة شيعية داخلية أوسع.

وظهرت هذه المعضلة بوضوح في 24 يوليو/تموز، عندما تحركت قوة تضم جهات أمنية عراقية لتفتيش مقر تابع لحركة النجباء في جرف النداف بحثاً عن صواريخ ومسيّرات، لكن مسلحي الفصيل منعوا القوة من الدخول وانتهت العملية بانسحابها.

وتصبح المشكلة أكبر في جرف الصخر، أحد أبرز معاقل كتائب حزب الله، حيث ظلت المنطقة مغلقة بدرجات متفاوتة حتى أمام مسؤولين حكوميين وعسكريين، وسط تقارير متراكمة عن وجود معسكرات ومستودعات أسلحة ومنشآت مرتبطة بالصواريخ والمسيّرات داخلها. وفي أغسطس/آب، دخلت لجنة حكومية المنطقة في زيارة وُصفت بالنادرة، وهو ما يعكس استثنائية وصول الدولة إليها أصلاً.

وبذلك تدخل بغداد في حلقة مغلقة، فهي لا تستطيع تحديد حجم الترسانة دون تفتيش المخازن، ولا تستطيع تفتيش المخازن بالقوة دون المخاطرة بمواجهة عسكرية.

وتزداد عملية الجرد تعقيداً لأن سلاح الفصائل ليس مخزوناً ثابتاً في مستودعات معروفة. فخلال السنوات الماضية، بنت الجماعات المسلحة شبكات للحصول على الصواريخ والمسيّرات ومكوناتها، بالتوازي مع تطوير قدرات محلية للتجميع والتصنيع ونقل الأسلحة بين المحافظات والمواقع العسكرية.

كما كشفت تقارير عن اختيار إيران مئات العناصر الموثوقين من الفصائل وتدريبهم على حرب المسيّرات والمراقبة، ضمن مجموعات أصغر ترتبط مباشرة بضباط في فيلق القدس، ما أوجد طبقة أخرى من القدرات العسكرية لا تمر بالضرورة عبر التسلسل التقليدي للمؤسسات العراقية.

ولهذا قد تعرف الدولة عدد المقاتلين الذين تدفع لهم الرواتب أو أرقام الألوية المسجلة داخل الحشد، لكنها لا تمتلك بالضرورة الصورة نفسها عن الصواريخ والمسيّرات الموجودة في مخازن التنظيمات الأصلية.

لكن المفارقة الأكثر حساسية في هذا الملف تظهر في مكان آخر؛ ففي الوقت الذي تعجز فيه أجهزة الدولة عن دخول بعض المواقع ومعرفة محتوياتها، حافظ الحرس الثوري الإيراني على قنوات مباشرة مع القيادات العسكرية للفصائل وعلى معرفة بحجم سلاحها النوعي.

ومنذ توليه قيادة فيلق القدس، قام إسماعيل قاآني بزيارات متكررة وغير معلنة إلى العراق، بينها زيارة سرية إلى بغداد في مارس/آذار 2020 وتموز/ يوليو 2021، التقى خلالها مسؤولين وقادة فصائل وزار مقرات لهذه الفصائل. وتكررت زياراته لاحقاً، فيما ظل جزء كبير من تحركاته واتصالاته بعيداً عن الإعلان الرسمي.

وتشير المعطيات الأحدث إلى استمرار هذا المستوى من الوصول. ففي تحركاته الأخيرة في العراق، انتقل قاآني بين مواقع واجتماعات غير معلنة مع قيادات الفصائل، فيما ارتبط جانب أساسي من زيارته بملف جرف الصخر ومخازن ومعسكرات الفصائل الموجودة هناك، بعدما وصلت إلى طهران معلومات عن استعداد حكومي للتحرك باتجاه المنطقة.

وتشير الوقائع الموثقة إلى أن فيلق القدس يمتلك مستوى من المعرفة المباشرة بالتسليح والتوزيع والقيادات العسكرية يصعب القول إن أجهزة الدولة العراقية تمتلك مثله.

يرى الخبير العسكري والاستراتيجي محمد يوسف النور أن غياب قاعدة بيانات حكومية شاملة "ليس مشكلة إدارية وإنما ثغرة سيادية وأمنية"، لأن نزع السلاح يبدأ بمعرفة حجمه ومواقعه وأنواعه.

ويقول النور: "إذا لم تعرف الدولة عدد الصواريخ والمسيّرات ومواقع التخزين، فلن تستطيع تحديد ما إذا كان الفصيل قد سلم عشرة في المئة أو خمسين في المئة من قدراته.

لكن الأخطر، بحسب النور، أن الجهة التي زودت هذه الجماعات بالسلاح ودربتها قد تكون أقدر على معرفة بنيتها العسكرية من مؤسسات الدولة الموجودة على الأرض. 

ويشير إلى أن تسليم دفعات محدودة أو أسلحة قديمة لا يعني تفكيك القدرة العسكرية للفصائل العراقية، لأن الاختبار الحقيقي يبدأ عندما تستطيع الدولة دخول كل مستودع ومعسكر، وإجراء جرد مستقل، ومطابقة الموجود مع ما تم تسليمه، وقطع خطوط الإمداد والقيادة الخارجية، مؤكدا، أنه "من دون ذلك يمكن نقل الصواريخ من مخزن إلى آخر، بينما تعلن بغداد أن عملية حصر السلاح تتقدم".

وهكذا لا تواجه بغداد اليوم مشكلة إقناع الفصائل بتسليم ترسانتها فحسب، وإنما مفارقة أكثر إحراجاً للدولة؛ فالأجهزة العراقية لا تستطيع دخول بعض المخازن لمعرفة ما بداخلها، في مقابل حرس ثوري يمتلك حق الدخول ويعرف حجم الترسانة ويسهم في زيادتها، ويتدخل حتى اليوم في النقاش حول متى وكيف يمكن للفصائل التخلي عن سلاحها.
 

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا