جنوب لبنان أمام معادلة جديدة: إسرائيل توسّع النار وتختبر حدود الردع
لا يبدو التصعيد الإسرائيلي الأخير في جنوب لبنان جولة إضافية من جولات تبادل الضربات التي اعتادت المنطقة تسجيلها منذ اتساع المواجهة، بل يحمل في طياته مؤشرات على محاولة إعادة صياغة البيئة الميدانية والسياسية التي تحكم الصراع جنوباً، عبر رفع مستوى العمليات وتوسيع أدواتها ونطاقها الجغرافي في آن واحد. فالمشهد الذي تشكل خلال الساعات الأخيرة لم يقتصر على غارات جوية متفرقة، بل جمع بين القصف الجوي والمدفعي، والتحركات البرية، وعمليات التفجير والتجريف، والتمشيط بالنيران، بما يوحي بأن إسرائيل تسعى إلى اختبار حدود جديدة للحركة العسكرية، بالتوازي مع توجيه رسائل ردع تتجاوز الهدف المباشر لكل ضربة.
وتكمن أهمية هذا التصعيد في أن العمليات لم تبقَ محصورة في نطاق جغرافي واحد أو في محور تقليدي من محاور المواجهة. فمن مرتفعات علي الطاهر والنبطية الفوقا وعربصاليم في إقليم التفاح، وصولاً إلى ميس الجبل وحاريص والمنصوري ومجدل زون وكفرشوبا، ظهرت خريطة عمليات واسعة نسبياً، توحي بأن القرار العسكري الإسرائيلي بات يتعامل مع الجنوب باعتباره مساحة عمليات مترابطة، وليس مجموعة من البؤر المنفصلة التي يمكن احتواء التوتر داخلها. وهذا التحول في طريقة توزيع الضربات قد يكون أكثر أهمية من حجم النيران المستخدمة، لأنه يعكس اتجاهاً نحو توسيع المجال الذي تريد إسرائيل أن تفرض داخله معادلة الردع الخاصة بها.
ويكتسب الانتقال من استهداف منطقة علي الطاهر إلى ضرب عربصاليم وإقليم التفاح دلالة خاصة، لأن المسألة هنا لا تتعلق فقط بالرد على نشاط عسكري مفترض، بل بتثبيت فكرة أن موقع الفعل العسكري لا يحدد بالضرورة موقع الرد. وهذه المعادلة، إذا تحولت إلى قاعدة مستقرة، تعني أن إسرائيل تريد نقل المواجهة من منطق الضربة مقابل الضربة في المكان نفسه إلى منطق أوسع يسمح لها باختيار ساحات الرد وفقاً لحساباتها العملياتية والسياسية. وبذلك يصبح أي نشاط عسكري في نقطة محددة قابلاً لاستدعاء رد في منطقة أخرى، وهو ما يرفع منسوب عدم اليقين لدى جميع الأطراف ويجعل هامش الاحتكاك أكثر اتساعاً.
غير أن المسألة لا تتوقف عند مفهوم الردع. فاختيار مناطق مثل إقليم التفاح يكتسب وزناً إضافياً بسبب موقعها في الجغرافيا العسكرية للجنوب، الأمر الذي يجعل استهدافها قابلاً لقراءتين متوازيتين. القراءة الأولى ترى أن إسرائيل تحاول فرض قواعد اشتباك أكثر صرامة، من خلال إفهام خصمها بأن أي محاولة لتحريك الجبهة ستقابل بكلفة تتجاوز مكان النشاط نفسه. أما القراءة الثانية فتتعامل مع اتساع دائرة الاستهداف باعتباره مؤشراً إلى أن إسرائيل تختبر عملياً إمكانية الانتقال من عمليات محدودة ومركزة إلى نمط أوسع من النشاط العسكري. وبين القراءتين، يبقى العامل الحاسم هو ما إذا كان هذا التوسع سيبقى ضمن سقف محسوب أم سيتحول إلى مسار تصاعدي يصعب ضبطه.
وتشير طبيعة العمليات البرية إلى أن التصعيد لا ينحصر في الرغبة في إحداث أثر ناري سريع، بل يتضمن محاولة لتغيير الواقع الميداني في بعض النقاط. فالتوغل في أطراف ميس الجبل بمرافقة الدبابات والجرافات، وإحراق منازل وتجريف منشآت زراعية، وتنفيذ عمليات تفجير، ثم التحرك في محاور أخرى وإجراء عمليات تمشيط، كلها أفعال تختلف في طبيعتها وأهدافها عن الغارات الجوية. فالضربة الجوية يمكن أن تكون رسالة محدودة زمنياً، بينما التوغل والتفجير والتجريف يتركان أثراً مادياً وميدانياً أكثر دواماً، ويعكسان استعداداً لتحمل كلفة عملياتية أكبر بهدف تحقيق تأثير يتجاوز اللحظة التي تنفذ فيها الضربة.
كما أن الجمع بين القوة الجوية والقوة البرية والتمشيط المدفعي يحمل قيمة عملياتية بحد ذاته. إنه يخلق بيئة ضغط متعددة المستويات، تبدأ من الاستطلاع والمراقبة الجوية، وتمتد إلى القصف، ثم إلى الحركة البرية المباشرة، بما يسمح بإعادة اختبار طبيعة الانتشار والتحصينات ومسارات الحركة على الأرض. وعندما تتكرر هذه الأنماط في أكثر من قطاع، يصبح من الصعب النظر إليها باعتبارها حوادث منفصلة، إذ تبدو أقرب إلى نشاط عسكري متكامل يراد من خلاله إبقاء الجبهة الجنوبية تحت ضغط مستمر.
وتزداد حساسية المشهد عندما تنتقل العمليات إلى مناطق مأهولة، كما حدث في عربصاليم، حيث أدى استهداف منزل إلى مقتل شابة وإصابة آخرين، فدخول الأهداف المدنية إلى دائرة النار يضاعف التداعيات الإنسانية والسياسية للتصعيد، ويجعل أي جولة عسكرية أكثر قابلية لإنتاج ردود فعل تتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة. كما أن سقوط ضحايا مدنيين يرفع منسوب الضغط الداخلي، ويضع الأطراف أمام معادلة أكثر تعقيداً، لأن استمرار الضربات يصبح مرتبطاً ليس فقط بموازين الردع، بل أيضاً بقدرة كل طرف على إدارة كلفة المواجهة أمام بيئته المحلية.
ومن هذه الزاوية، يمكن فهم رفع إسرائيل وتيرة عملياتها باعتباره محاولة لتحقيق أكثر من هدف في الوقت نفسه. فهي تريد تقليص قدرة خصمها على المبادرة، وإظهار أن مناطق جنوب لبنان ليست متساوية في مستوى الحصانة أمام الاستهداف، وإعادة ترسيخ التفوق الجوي والاستخباري، وفي الوقت نفسه اختبار قدرة الطرف الآخر على تحمل التصعيد من دون الانتقال إلى مواجهة أوسع. وهذه الأهداف لا تتطلب بالضرورة قراراً إسرائيلياً بشن حرب شاملة، لكنها تتطلب إبقاء الضغط عند مستوى مرتفع يسمح بتعديل قواعد اللعبة تدريجياً.
وتكشف خريطة الضربات عن عنصر آخر لا يقل أهمية، يتمثل في محاولة خلق حالة من الضغط الجغرافي المتعدد. فعندما تتوزع العمليات بين القطاع الغربي والاوسط والشرقي، وبين مناطق قريبة من النبطية وأخرى على تخوم الحدود، يصبح المجال الجنوبي كله عرضة لحالة من الاستنفار. وهذه الطريقة في توزيع النشاط العسكري يمكن أن تستهدف إرباك حركة الخصم ورفع كلفة إعادة التموضع، فضلاً عن إظهار قدرة إسرائيل على الانتقال بين المحاور بسرعة، بحيث لا يبقى الضغط مرتبطاً بموقع واحد يمكن احتواؤه أو الاستعداد له مسبقاً.
لكن التوسع الجغرافي لا يعني بالضرورة أن قرار الحرب الشاملة قد اتخذ. فالتصعيد العسكري يمكن أن يؤدي وظيفة تفاوضية وردعية من دون أن يكون مقدمة حتمية لاجتياح واسع أو عملية مفتوحة زمنياً. وفي حالات الصراع الممتد، غالباً ما تستخدم القوة العسكرية لتعديل قواعد السلوك قبل الوصول إلى الحرب، عبر رفع كلفة أفعال معينة وإيصال إشارات إلى الطرف المقابل حول الحدود التي لا تريد إسرائيل السماح بتجاوزها. ولذلك فإن المؤشر الأكثر أهمية في المرحلة المقبلة لن يكون عدد الغارات أو شدتها، بل طبيعة ما سيحدث بعد انتهاء هذه الجولة: هل ستتراجع العمليات إلى مستوى أدنى بعد إيصال الرسالة، أم ستستمر وتدخل مناطق جديدة، أم ستترافق مع خطوات برية أوسع وأكثر ثباتاً؟
وهنا تحديداً تكمن خطورة المسار الحالي. فالتصعيد التدريجي يحمل ميزة بالنسبة إلى الطرف الذي يديره، لأنه يسمح له بزيادة الضغط خطوة بعد أخرى من دون اتخاذ قرار واضح بالانتقال إلى حرب شاملة. لكنه في الوقت نفسه ينطوي على خطر فقدان السيطرة، إذ يمكن لضربة توقع عدداً كبيراً من الضحايا أو لعملية برية تسفر عن خسائر عسكرية أن تدفع الطرف المقابل إلى رد أقوى مما كان مخططاً له، فتبدأ سلسلة من الأفعال وردود الأفعال يصعب وقفها عند السقف الذي أراده الطرفان.
ويبدو أن جنوب لبنان يدخل بذلك مرحلة تتسم بتداخل الردع مع اختبار الحدود. إسرائيل تختبر مدى قدرتها على توسيع نطاق عملياتها من دون مواجهة رد نوعي، والطرف المقابل يختبر بدوره قدرة إسرائيل على تحمل استمرار الاستنزاف والاحتكاك. وفي مثل هذه البيئة، لا يعود التصعيد وسيلة لتنفيذ أهداف عسكرية مباشرة، بل يتحول إلى لغة تفاوض غير معلنة، تستخدم فيها الغارات والتوغلات والتفجيرات كأدوات لإعادة تعريف الخطوط الحمراء.
والأهم أن تعدد أشكال العمليات الإسرائيلية يشير إلى أن المسألة تتجاوز الرغبة في توجيه ضربة عقابية محدودة. فحين تتزامن الغارات مع القصف المدفعي والتوغلات والتفجير والتمشيط، يصبح الهدف المحتمل هو إنتاج تأثير تراكمي، أي استنزاف القدرة على الحركة، الضغط على البنية العسكرية، فرض حالة من عدم الاستقرار، وإعادة صياغة الحسابات المتعلقة بأي نشاط مستقبلي على الجبهة. وكلما طال هذا النمط، تحولت الضربات من أحداث منفردة إلى واقع ميداني جديد، يصبح التراجع عنه أكثر صعوبة.
وعليه، فإن التصعيد الإسرائيلي الأخير يمكن قراءته باعتباره مرحلة متقدمة في مسار إعادة ضبط قواعد المواجهة جنوب لبنان. فهو لا يقدم دليلاً قاطعاً بمفرده على قرار بالذهاب إلى حرب شاملة، لكنه يكشف بوضوح عن استعداد إسرائيلي لاستخدام مساحة أوسع من القوة، وفي مناطق أكثر تنوعاً، وبأدوات تتجاوز القصف التقليدي. كما أن الانتقال بين المحاور وتعدد أنماط العمليات يرفع من احتمال أن يكون الهدف هو فرض معادلة جديدة تجعل كلفة أي نشاط عسكري أعلى وأكثر اتساعاً من السابق.
إن خطورة المرحلة الراهنة تكمن في أنها لا تشبه انفجاراً عسكرياً مفاجئاً بقدر ما تشبه عملية انزلاق بطيئة نحو سقف أعلى من العنف. وهذا النوع من التصعيد قد يكون أكثر تعقيداً، لأن كل خطوة تبدو منفردة قابلة للاحتواء، لكن تراكم الخطوات يغير المشهد بأكمله. وبينما تحاول إسرائيل فرض معادلة تجعل المبادرة العسكرية المقابلة أكثر كلفة، يبقى الجنوب أمام اختبار صعب؛ هل يمكن أن يبقى هذا التصعيد ضمن حدود الرسائل والردع، أم أن اتساع الخريطة وتعدد أدوات القوة سيحوّلان قواعد الاشتباك تدريجياً إلى مقدمة لمواجهة أكبر؟ الإجابة لن تحددها الضربة الحالية وحدها، بل سلسلة القرارات التي ستتخذها الأطراف في الساعات والأيام التالية، وهي التي ستكشف ما إذا كان ما يجري رفع لسقف الضغط أم بداية مرحلة جديدة من الصراع.
داود رمال – "اخبار اليوم"
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|