ماذا يريد جبران باسيل؟
ي المشهد السياسي اللبناني المأزوم، تتشابك الخيوط وتتلاقى المصالح على حافة الهاوية. إن ما تشهده الساحة اليوم ليس مجرد تباين تقليدي في وجهات النظر، بل هو إعادة إنتاج محبوكة لسيناريو «تبادل الأدوار» بين «حزب الله» و«التيار الوطني الحر». وبينما يلوح الحزب بغضب بيئته جراء الحرب، مستمراً في إبقاء الدولة تحت ضغط الابتزاز المبطن، يرتدي جبران باسيل عباءة “المصلح الدستوري” متسلحاً بما سماه “مرصد الحكومة”، لتصويب سهامه نحو السلطة التنفيذية ورئيسها نواف سلام. إنها هندسة سياسية تهدف إلى محاصرة الحكومة وتجريدها من أوراق قوتها.
تكامل الأدوار: حين يلتقي الشارع مع المؤسسات
لا يمكن قراءة خطاب الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم بمعزل عن التصعيد الذي يقوده رئيس التيار الوطني الحر؛ فالطرفان يعزفان على وتر واحد وإن اختلفت الوسائل. الحزب يوفر الضغط الشعبي والتلويح بورقة الانفجار المؤجل لثني الدولة عن اتخاذ قرارات حاسمة، بينما يتولى باسيل تأطير هذا الضغط في قالب قانوني ودستوري عبر التلويح بالمستندات والوثائق. إنه تكامل بين الشارع المشتعل والمواجهة البرلمانية، حيث يؤدي هذا الضغط المزدوج إلى شلل متعمد في عمل الحكومة ودفعها نحو موقع الدفاع الدائم.
ملف العفو العام: باسيل رأس حربة
يتجلى التناغم الأكثر وضوحاً بين الطرفين في اتخاذهما ملف “قانون العفو العام” ساحة هجوم مشتركة ضد رئيس الحكومة. وفي حين يلتزم الحزب موقفه المتحفظ ظاهرياً، يتقدم جبران باسيل ليكون رأس الحربة والمهاجم الأشرس ضد هذا القانون. يتولى باسيل قيادة معركة الرفض تحت شعار “رفض التنازل عن دماء العسكريين”، مستخدماً لغة عاطفية وسقفاً سياسياً مرتفعاً لشحن الشارع المسيحي وتثبيت موقعه فيه. هذا التوزيع المحسوب للأدوار هو في الحقيقة استثمار ومتاجرة بملف حساس يمس الجيش، للضغط على رئيس الحكومة وإظهاره بمظهر المفرط بالعدالة.
حزب الله.. التلويح بالشارع للهروب من تبعات الحرب
في بيئة جنوبية تعاني وطأة الدمار والنزوح، يأتي خطاب قيادة الحزب ليبرر حالة الغضب ويحمل الدولة مسؤولية تداعيات حرب لم تكن شريكاً في قرارها. تحذيرات الحزب من “انفجار الغضب” ليست سوى رسالة ردع سياسية واضحة: إن محاولة تحميل “المقاومة” مسؤولية الخسائر ستواجه بفوضى شعبية. يدرك الحزب أن الشارع هو ورقة الضغط الأقوى في توقيت ترتفع فيه أصوات المطالبة بحصر السلاح بيد الدولة، ومن هنا يصبح التلويح بالتحرك الشعبي وسيلة لإعادة فرض المعادلات وكسر أي محاولة لعزله سياسياً.
باسيل.. معركة الصلاحيات والبحث عن طوق النجاة
على الضفة المقابلة، يجدد جبران باسيل اشتباكه المفتوح مع الحكومة ورئيسها، مستغلاً السجالات الدستورية مثل التلويح بالمادة 67 على خلفية أزمة وزير الدفاع، والتضخيم المتعمد لما حصل بينه وبين رئيس الحكومة. إن حسابات باسيل لا تبتعد عن البوصلة الشعبية؛ فهو يسعى لترميم حضوره، وإثبات أنه المعارض المسيحي الأقوى في مواجهة السلطة. إن إعلانه ما يسمى بـ “مرصد الحكومة” وتضخيم ملفاته ليس سوى محاولة لسحب البساط من الخصوم، وتصوير التيار كحارس أمين على المال العام، متجاهلاً أن تياره كان شريكاً أساسياً في الحكومات المتعاقبة التي أدارت الأزمة وأدت إلى الانهيار.
تناغم المصالح.. بين ابتزاز الشارع والمنازلة الدستورية
إن التقاء أجندة الحزب مع أجندة التيار يشي بما هو أكثر من مجرد تقاطع مصالح مؤقت تفرضه الحاجة اللحظية للطرفين، بل يشير إلى مدى تناغمهما المشترك، ويكشف أن التنسيق السياسي القديم الجديد بينهما لا يزال مستمراً وإن نأى أحدهما عن الآخر في بعض الملفات. فالحزب يريد تشتيت الانتباه عن أزمته الكبرى وقطع الطريق أمام أي محاولة لتكريس سيادة الدولة الكاملة، بينما يريد باسيل انتزاع مكاسب جديدة وحجز مقعد متقدم في المرحلة المقبلة. في النهاية، يبقى المواطن اللبناني رهينة هذا التناغم المصلحي، بينما تستمر الحكومة في مواجهة المجهول؛ فهي تسير على صفيح ساخن، محاصرةً بين تهديد بالشارع من الحزب، ووعيد بمنازلة دستورية وإعلامية من شريكه العوني.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|