محليات

لبنان أمام اقتصاد الحرب: انكماش حاد يعيد رسم المشهد المالي

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

يدخل الاقتصاد اللبناني مرحلة جديدة من الضغوط المتراكمة، بعدما انتقلت تداعيات التوترات الأمنية والعسكرية في الجنوب من نطاق الخسائر الموضعية إلى تأثيرات أوسع تطاول مسار النمو والاستثمار والمالية العامة والثقة بالاقتصاد. وفي وقت لا يزال فيه المشهد الإقليمي مفتوحاً على احتمالات التصعيد، تتراجع قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات المتتالية، فيما تتسع مساحة عدم اليقين التي باتت تشكل عاملاً ضاغطاً بحد ذاته على قرارات المستثمرين والمستهلكين والقطاع الخاص.

وفي هذا السياق، يأتي التحديث الأخير لتقديرات وكالة ستاندرد آند بورز ليعكس تحولاً جوهرياً في النظرة إلى الاقتصاد اللبناني، بعدما انتقلت التوقعات من نمو متواضع إلى انكماش حاد يتراوح بين 8 و9 في المائة خلال العام الحالي. ويكشف هذا التحول حجم الأثر الذي أحدثته المواجهات الأخيرة في الاقتصاد، بعدما أصابت قطاعات أساسية مثل السياحة والبناء والاستثمار، وأضعفت الرهان على قدرة الموسم السياحي على توفير دفعة كافية لتعويض جانب من الخسائر.

وكان الاقتصاد اللبناني قد دخل المرحلة الحالية وهو يحمل أصلاً إرثاً ثقيلاً من الانكماش المالي والنقدي، وتراجع القدرة الإنتاجية، وتآكل الثقة، وتعثر إعادة هيكلة الدين العام. لذلك، فإن الصدمة الأمنية الجديدة لا تعمل في بيئة اقتصادية مستقرة يمكنها امتصاصها، بل تضيف طبقة جديدة من الخسائر إلى اقتصاد يعاني منذ سنوات من اختلالات بنيوية عميقة. ومن هنا تكتسب التقديرات الجديدة أهميتها، لأنها لا تعكس فقط أثر الحرب المباشر، وإنما تقيس أيضاً هشاشة الاقتصاد أمام استمرار الاضطرابات.

وتبدو السياحة، التي شكلت خلال السنوات الأخيرة أحد أبرز مصادر النشاط والعملة الأجنبية، من أكثر القطاعات حساسية لهذه التطورات. فتراجع حركة المطار والوافدين خلال شهر تموز يعكس تبدلاً في سلوك السياح والمغتربين والزوار، ويحد من قدرة القطاع على لعب الدور التعويضي الذي كان مأمولاً منه خلال الصيف. كما أن انعكاس التوترات الأمنية على قرارات السفر لا يقتصر على الإيرادات السياحية المباشرة، بل يمتد إلى الفنادق والمطاعم والتجارة والنقل والخدمات، بما يضاعف أثر الصدمة على الدورة الاقتصادية بأكملها.

أما قطاع البناء، فيواجه معادلة أكثر تعقيداً. فمن جهة، أدت الأضرار الناجمة عن العمليات العسكرية إلى توقف أو تأجيل مشاريع قائمة، ومن جهة أخرى، نشأت حاجة ضخمة إلى إعادة إعمار المساكن والبنى التحتية. وتقدير الحكومة لحجم الاحتياجات السريعة والمباشرة بنحو خمسة مليارات دولار، أي ما يعادل قرابة 13 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي التقديري، يوضح أن ملف إعادة الإعمار لا يمثل بند إنفاق استثنائي فقط، بل اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة والاقتصاد على تعبئة الموارد خلال السنوات المقبلة.

المفارقة الأساسية أن الحرب تضغط على الاقتصاد في المدى القصير، لكنها قد تخلق في حال استقرار الوضع الأمني قناة نمو في المدى المتوسط من خلال إعادة الإعمار. وتشير تقديرات ستاندرد آند بورز إلى إمكانية مساهمة أعمال إعادة البناء في دعم النمو الحقيقي بنحو 2 إلى 3 في المائة سنوياً خلال السنوات الثلاث التالية، إذا تراجعت حدة الأعمال العدائية. غير أن تحقق هذا السيناريو يبقى مشروطاً بتوافر التمويل، واستقرار البيئة الأمنية، وقدرة الدولة على تنظيم عملية الإعمار، وعدم تحولها إلى مسار جديد لتراكم الدين والعجز.

وتتجاوز أهمية إعادة الإعمار مسألة إصلاح الأبنية والطرق والمنشآت المتضررة. فالإنفاق على البناء يمكن أن يعيد تحريك قطاعات واسعة من الاقتصاد، من مواد البناء والنقل إلى الخدمات والتجارة، كما يمكن أن يدعم الاستهلاك ويزيد السيولة ويوفر فرص عمل ويحفز تدفقات الأموال من الخارج. وبذلك يصبح الاستقرار الأمني شرطاً اقتصادياً بقدر ما هو شرط سياسي واجتماعي، لأن أي موجة تصعيد جديدة قادرة على تعطيل الدورة الاقتصادية قبل أن تبدأ عملية التعافي فعلياً.

وفي المقابل، يحمل انخفاض التضخم المتوقع إلى 14 في المائة العام المقبل ثم إلى 10 في المائة في 2028 جانباً أكثر إيجابية في المشهد. فارتفاع مستوى الدولرة واستقرار سعر الصرف، وفق التقديرات، يمكن أن يخففا من أحد أبرز مصادر عدم الاستقرار النقدي التي طبعت السنوات الماضية. لكن تراجع التضخم لا يعني تلقائياً تعافي الاقتصاد، إذ إن انخفاض وتيرة ارتفاع الأسعار يختلف جذرياً عن استعادة القدرة الشرائية والنمو الحقيقي وتحسن الإنتاجية والاستثمار.

في موازاة الصدمة الأمنية، يبرز المسار الإصلاحي باعتباره العامل الأكثر حسماً في تحديد ما إذا كان لبنان سيتمكن من تحويل مرحلة ما بعد الحرب إلى بداية تعافٍ مستدام، أم سيبقى عالقاً في دائرة إدارة الأزمات. وقد سجلت الحكومة تقدماً في عدد من الإصلاحات المرتبطة بشروط صندوق النقد الدولي، إلا أن التعثر في إنجاز مشروع قانون الاستقرار المالي، المعروف بقانون معالجة الفجوة المالية، يعكس استمرار واحدة من أكثر العقد حساسية في عملية إعادة بناء النظام المالي.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة لأن معالجة الدين العام والخسائر المالية لا يمكن فصلها عن إصلاح القطاع المصرفي وإعادة توزيع الخسائر واستعادة الثقة بالنظام المالي. وكل تأخير في تحديد الإطار القانوني لمعالجة الفجوة يمدد حالة الغموض أمام المودعين والمصارف والدائنين والمستثمرين، ويؤخر الانتقال من مرحلة الخسائر غير المحسومة إلى مرحلة إعادة الهيكلة الفعلية.

كما أن الوضع المالي للدولة لا يبدو محصناً أمام تداعيات الحرب. صحيح أن التقديرات تشير إلى تحقيق فائض في الموازنة بنحو 3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي خلال العام الحالي، مقابل 1 في المائة في العام المقبل، بعد فائض بلغ نحو 5 في المائة في العام السابق، إلا أن هذه الأرقام لا تعني أن المالية العامة أصبحت في موقع مريح. فالضغط على الإنفاق يتزايد بفعل ارتفاع فاتورة الأجور في القطاع العام، التي تستحوذ على أكثر من نصف الإنفاق الحكومي، بالتوازي مع ارتفاع النفقات الأمنية والحاجات المرتبطة بالسكان والمناطق المتضررة.

ومن هنا، تبدو الفوائض الحالية أقرب إلى نتيجة ظرفية منها إلى تحول بنيوي في المالية العامة. فالتوقعات بعودة الأرصدة إلى العجز بنسبة تتراوح بين 1 و2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في 2028 و2029 تؤكد أن مشكلة المالية العامة لم تُحل، وإنما جرى احتواؤها مؤقتاً ضمن هوامش ضيقة. ومع استمرار القيود على التمويل الخارجي، تصبح قدرة الدولة على تمويل إعادة الإعمار والاستثمار العام محدودة، ما يرفع أهمية أي دعم دولي محتمل مرتبط بإصلاحات واضحة وقابلة للتنفيذ.

وتكشف أرقام الحساب الجاري بدورها عن استمرار الاختلال الخارجي، رغم توقع تراجع متوسط العجز إلى نحو 17 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي خلال الفترة بين 2026 و2029، مقارنة بنحو 22 في المائة في الفترة السابقة. ويظل هذا المستوى مرتفعاً جداً، لكنه يعكس في الوقت نفسه قدرة الاقتصاد اللبناني على الاستفادة من تدفقات تحويلات المغتربين ومدخرات القطاع الخاص بالعملات الأجنبية. وتبقى هذه التدفقات إحدى ركائز الاستقرار الاقتصادي، لكنها لا تستطيع وحدها أن تحل محل الاستثمار والإنتاج والصادرات أو أن تؤسس لنمو مستدام.

أما الدين العام، فيبقى العقدة الأكثر ثقلاً في المشهد. فقد بلغ الدين نحو 152 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بنهاية 2024، بما يقارب 46.3 مليار دولار، في حين تمثل سندات اليوروبوندز والفوائد المتأخرة والمستحقة الجزء الأكبر منه. وتُظهر الأسعار السوقية المنخفضة لهذه السندات، رغم تحسنها عن المستويات شديدة الانخفاض التي بلغتها بعد اندلاع حرب غزة، أن الأسواق لا تزال تسعر درجة مرتفعة من المخاطر وعدم اليقين بشأن آلية التسوية النهائية.

وفي هذا الإطار، يمثل إبقاء التصنيف السيادي للبنان عند مستويات متدنية، مع استمرار وضع الديون بالعملات الأجنبية ضمن حالة التخلف الانتقائي عن السداد، انعكاساً مباشراً لغياب التسوية الشاملة لأزمة الدين. فالعودة إلى الأسواق المالية الدولية لن تكون ممكنة بمجرد تحسن بعض المؤشرات الاقتصادية، بل تحتاج إلى إعادة بناء الثقة عبر إصلاحات مالية ومصرفية ونقدية، وتسوية واضحة للدين، وإطار مستدام للعلاقات مع الدائنين والمؤسسات الدولية.

وتحمل تحذيرات وكالة التصنيف من احتمال خفض تصنيف الدين بالعملة المحلية في حال إدراجه ضمن عملية إعادة الهيكلة دلالة إضافية، لأنها تؤكد أن أي معالجة للديون ستكون لها كلفة ائتمانية وسياسية واقتصادية. وفي المقابل، فإن إحراز تقدم فعلي في الإصلاحات يمكن أن يفتح الطريق أمام تحسن التصنيف تدريجياً، ولا سيما إذا انعكس على المالية العامة والنمو وأتاح الحصول على تمويل خارجي بشروط أكثر ملاءمة.

المشهد اللبناني، بذلك، يقف عند تقاطع مسارين متناقضين. المسار الأول يفرضه الأمن والحرب، ويقود إلى انكماش اقتصادي وخسائر إضافية وضغوط على المالية العامة وتراجع في الاستثمار والسياحة. أما المسار الثاني فيرتبط بقدرة الدولة على استثمار أي انفراج أمني في إطلاق عملية إعادة إعمار وإصلاح مالي واقتصادي واسعة. وبين المسارين، لا تبدو المشكلة في غياب الإمكانات وحدها، بل في ضيق الوقت المتاح قبل أن تتحول الخسائر المؤقتة إلى أضرار أكثر ديمومة.

فالاقتصاد يستطيع التعافي من صدمة أمنية إذا توافرت له بيئة مستقرة ومؤسسات قادرة على إدارة الموارد، لكنه يصبح أكثر هشاشة عندما تتكرر الصدمات في ظل غياب تسوية مالية ومصرفية نهائية. لذلك، فإن الرهان الحقيقي للبنان لا يقتصر على وقف الأعمال العسكرية أو تأمين أموال إعادة الإعمار، بل يتصل بإعادة بناء الثقة في الدولة والاقتصاد والنظام المالي معاً.

وفي حال تحقق الاستقرار، يمكن أن تشكل إعادة الإعمار نافذة لإعادة تشغيل قطاعات واسعة وتحريك الطلب والسيولة، بالتزامن مع تراجع التضخم واستقرار سعر الصرف. أما إذا استمر التصعيد أو بقيت الإصلاحات رهينة التجاذبات والتأجيل، فإن أموال الإعمار نفسها قد تتحول إلى معالجة مؤقتة للأضرار من دون أن تغير النموذج الاقتصادي الذي قاد إلى الأزمة.

استنادا الى كل المعطيات السابقة، تعكس توقعات ستاندرد آند بورز انتقال لبنان من مرحلة كان فيها التعافي الهش ممكناً إلى مرحلة بات فيها التعافي مشروطاً بسلسلة مترابطة من الاستحقاقات. الأمن هو المدخل، والإصلاح هو الأداة، وإعادة هيكلة الدين هي العقدة المركزية، فيما تشكل إعادة الإعمار فرصة اقتصادية لا يمكن استثمارها من دون تمويل وثقة واستقرار. وما سيحدد اتجاه الاقتصاد خلال السنوات المقبلة لن يكون حجم الخسائر وحده، بل قدرة الدولة على تحويل هذه الخسائر إلى نقطة انطلاق لإعادة بناء اقتصاد أكثر توازناً وقدرة على النمو، بدلاً من أن تصبح محطة جديدة في مسار طويل من الأزمات المؤجلة.

داود رمال – "أخبار اليوم"

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا