رسالة غضب من وسائل إعلام تركيّة إلى إسرائيل: لا نتردّد في خوض الحرب
لبنان يتمسّك باتفاق الإطار ويعوّل على واشنطن لتحقيق اختراق في الملفات العالقة
يدخل لبنان مرحلة شديدة الخطورة والتعقيد، تتداخل فيها الملفات الأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية بصورة تجعل أي تطور في أحدها مؤثراً بصورة مباشرة في المسارات الأخرى. وفي قلب هذه المرحلة يقف الجنوب باعتباره الاختبار الأبرز لقدرة الدولة على تثبيت الاستقرار واستعادة حضورها، بالتوازي مع محاولة استثمار المسار الدبلوماسي لمنع الانزلاق مجدداً إلى الحرب وفتح الطريق أمام معالجة الملفات العالقة. وفي موازاة ذلك، يبرز التحدي الداخلي المتمثل في استكمال الإصلاحات المالية والإدارية والقضائية، وإعادة إعمار المناطق المتضررة، وبناء علاقات خارجية أكثر توازناً وقدرة على خدمة المصالح اللبنانية. وبين هذه العناوين، يبدو أن لبنان أمام فرصة دقيقة لإعادة ترتيب أولوياته على قاعدة الانتقال من إدارة الأزمات إلى محاولة بناء مسار مستدام للاستقرار.
وقال مصدر سياسي رفيع لـ"وكالة أخبار اليوم" إن "المقاربة اللبنانية للمرحلة الحالية تقوم على التمسك باتفاق الإطار والعمل على تنفيذه بصورة كاملة، رغم الصعوبات التي تعترض هذا المسار، مشيراً إلى أن الهدف هو تعزيز الاتفاق وتحقيق اختراقات في عدد من الملفات الأساسية، وفي مقدمها ملف الأسرى والحدود والمنطقة التجريبية ووقف إطلاق النار".
ولفت المصدر إلى أن "لبنان يعوّل في هذا المجال على الدور الأميركي باعتبار الولايات المتحدة راعية للاتفاق، وباعتبار أن انخراطها الجدي يساعد في دفع المفاوضات نحو نتائج عملية، خصوصاً أن طبيعة الملفات المطروحة تحتاج إلى طرف قادر على ممارسة تأثير سياسي لدى مختلف الأطراف".
وأوضح المصدر أن "لبنان ينتظر جولة جديدة من المفاوضات بهدف معرفة كيفية إحراز تقدم فعلي إلى الأمام، لأن الاستمرار في هذا المسار يعكس قراراً لبنانياً واضحاً بعدم التخلي عن الخيار الدبلوماسي، والظروف الراهنة تجعل لبنان أمام مسارين لا ثالث لهما، إما استمرار دائرة الحرب والتصعيد بما تحمله من أثمان، وإما الذهاب نحو الدبلوماسية باعتبارها الطريق الأكثر قدرة على إنتاج معالجة سياسية للمشكلة، والتجربة أثبتت أن القوة العسكرية، مهما بلغ حجمها، لا تستطيع وحدها معالجة الملفات السياسية والأمنية المعقدة، وأن الوصول إلى نتائج مستدامة يحتاج في نهاية المطاف إلى تفاوض وتفاهمات وترتيبات واضحة".
وأشار المصدر إلى أن "أهمية المسار الدبلوماسي لا ترتبط فقط بمحاولة وقف إطلاق النار، بل تتصل بإعادة بناء إطار كامل للاستقرار في الجنوب. فالملفات المرتبطة بالحدود والأسرى والمنطقة التجريبية والوجود الأمني وآليات وقف النار مترابطة بصورة تجعل معالجة أحدها منفرداً أمراً صعباً، ولذلك فإن المطلوب هو مقاربة متدرجة تسمح بتحقيق تقدم في أكثر من مسار بالتوازي، وأي اختراق، حتى لو كان محدوداً، يمكن أن يشكل قاعدة للانتقال إلى مرحلة أكثر استقراراً، فيما يبقى انهيار المسار التفاوضي عاملاً يهدد بإعادة إنتاج دائرة التصعيد.
ولفت المصدر إلى أن "لبنان لا ينظر إلى قضية الجنوب من زاوية عسكرية فقط، بل يعتبر أن معالجة تداعيات المرحلة تحتاج إلى مقاربة حكومية شاملة تشمل الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والخدماتية، ومؤسسات الدولة ووزاراتها المعنية، وفي مقدمتها قطاعات الطاقة والأشغال العامة والاتصالات، مطالبة بمواصلة العمل على تأمين الخدمات للسكان في الجنوب، لأن تثبيت الاستقرار لا يمكن أن يتحقق من خلال الإجراءات الأمنية وحدها. فالدولة التي تستعيد حضورها في منطقة متضررة من الحرب تحتاج إلى أن تكون حاضرة أيضاً في حياة المواطنين اليومية، من خلال الكهرباء والطرقات والاتصالات والبنى التحتية وسائر الخدمات الأساسية".
وأضاف المصدر أن "هذا الحضور الحكومي يكتسب أهمية مضاعفة في مرحلة إعادة الإعمار، لأن المطلوب لا يقتصر على إزالة آثار الدمار، بل يتصل بإعادة إطلاق الحياة الاقتصادية والاجتماعية في المناطق المتضررة، وإعادة بناء الجنوب ينبغي أن تكون جزءاً من مشروع متكامل يهدف إلى استعادة النشاط الاقتصادي وتعزيز قدرة السكان على العودة والاستقرار، وأي معالجة لا تترافق مع خطة إنمائية واضحة ستبقي الجنوب عرضة للتحديات نفسها التي أدت إلى هشاشة الاستقرار في مراحل سابقة".
وفي السياق نفسه، أكد المصدر "أن الجيش اللبناني يمثل ركناً أساسياً في أي ترتيبات مستقبلية تتصل بالجنوب والاستقرار الداخلي، والمؤسسة العسكرية تتمتع بمستوى عالٍ من التدريب والاحتراف والالتزام، لكن قدرتها على تنفيذ مهامها تحتاج إلى توفير الإمكانات والوسائل الضرورية، ودعم الجيش لا ينبغي التعامل معه باعتباره ملفاً عسكرياً منفصلاً، بل باعتباره جزءاً من عملية دعم الدولة وتعزيز قدرتها على بسط حضورها وحماية حدودها وتنفيذ المسؤوليات التي يمكن أن تترتب عليها في أي تسوية مقبلة".
ورأى المصدر أن "أهمية الدعم الدولي للجيش تزداد في ظل الحاجة إلى تثبيت دور الدولة في الجنوب، كما أن استمرار وجود القوات الدولية هناك يشكل عنصراً مهماً في البيئة التي يفترض أن تساعد على تثبيت الهدوء ومواكبة تنفيذ التفاهمات، وأي ترتيبات مستقبلية تحتاج إلى آليات رقابة ومتابعة تساهم في منع العودة إلى التصعيد، وتوفر إطاراً يساعد الأطراف على الالتزام بما يتم الاتفاق عليه".
وأكد المصدر أن "لبنان سيواصل المفاوضات، والتصعيد العسكري الواسع لا يمكن أن يؤدي إلى تحقيق أهداف استراتيجية مستدامة، وأن حجم الدمار وسقوط المدنيين لا يساهمان في معالجة جوهر المشكلة، والإفراط في استخدام القوة قد يحقق نتائج تكتيكية محدودة، لكنه لا ينتج حلاً سياسياً، بل يؤدي إلى تعميق الأزمة وزيادة حجم الأضرار وتوسيع دائرة عدم الاستقرار. ولذلك، فإن الرهان على القوة وحدها يبقى محدود الفاعلية عندما تكون القضايا المطروحة ذات طبيعة سياسية وجغرافية وأمنية معقدة".
وأشار المصدر إلى أن "لبنان يحتاج في المرحلة المقبلة إلى تحويل الهدوء الأمني، إذا تحقق، إلى فرصة لإعادة بناء الجنوب والدولة معاً. فإعادة الإعمار ليست إصلاح للأبنية والبنى التحتية التي تضررت فقط، وإنما عملية تستهدف استعادة دورة الحياة الطبيعية وتعزيز الاقتصاد المحلي وإعادة الثقة بالمؤسسات. ومن هنا، فإن أي دعم دولي للبنان سيكون أكثر فاعلية إذا ارتبط بخطة واضحة لإعادة الإعمار والتنمية، وبآليات شفافة تضمن توجيه الأموال نحو مشاريع قادرة على إنتاج نتائج ملموسة ومستدامة".
وشدد المصدر على أن "استقرار لبنان لا يمكن فصله عن استقرار المنطقة، وأن دعم الجيش اللبناني يمثل جزءاً أساسياً من أي مقاربة دولية تهدف إلى تحقيق هذا الاستقرار، كما ان لبنان مهم للمصالح الأميركية وللاستقرار الإقليمي، وأن أي رؤية طويلة الأمد للمنطقة لا يمكن أن تتجاهل الوضع اللبناني أو دور مؤسساته. ومن هنا، فإن دعم الدولة والجيش، إلى جانب دعم الاقتصاد وإعادة الإعمار، يمكن أن يشكل مدخلاً لتعزيز الاستقرار ومنع تكرار الأزمات".
وبحسب المصدر، فإن "جميع هذه الملفات تلتقي عند معادلة واحدة وهي وقف التصعيد يفتح الباب أمام الاستقرار، والاستقرار يسمح بإعادة الإعمار، وإعادة الإعمار تحتاج إلى دعم واستثمارات، والاستثمارات تحتاج إلى إصلاحات ومؤسسات فاعلة، وهذه المؤسسات تحتاج بدورها إلى بيئة سياسية وأمنية مستقرة. ولذلك، فإن نجاح لبنان في المرحلة المقبلة لن يقاس فقط بقدرته على تجنب الحرب، وإنما بقدرته على استثمار المسار الدبلوماسي في إعادة بناء الدولة وتعزيز مؤسساتها وتحسين اقتصادها وتثبيت حضورها في الجنوب".
وختم المصدر بالتأكيد على أن "لبنان أمام مرحلة لا تحتمل الفصل بين الملفات أو التعامل معها بمنطق الأولويات المنعزلة، لأن الأمن والاقتصاد والإصلاح وإعادة الإعمار والعلاقات الخارجية أصبحت عناصر مترابطة في معادلة واحدة. فالمطلوب ليس تجاوز تداعيات الحرب فقط، بل تحويل هذه اللحظة إلى فرصة لإعادة تثبيت دور الدولة، وتعزيز الجيش، واستعادة المسار الإصلاحي، وإطلاق إعادة إعمار الجنوب، وفتح المجال أمام شراكات اقتصادية وأمنية أوسع. وفي حال نجح لبنان في جمع هذه المسارات ضمن رؤية متكاملة، يمكن أن تتحول الدبلوماسية من وسيلة لمنع الحرب إلى مدخل لإعادة بناء الاستقرار، وأن تتحول مرحلة ما بعد الحرب من محطة جديدة في مسلسل الأزمات إلى بداية لمسار مختلف عنوانه الدولة والمؤسسات والتنمية والسيادة".
داود رمال – أخبار اليوم
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|