محليات

جنوب لبنان: حين تؤدي البلديات عمل الدولة

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

في جنوب لبنان، قد تملك الدولة أحيانًا رقم هاتف: رقم رئيس البلدية.

طريق غير سالك، أو شبكة مياه متضررة، أو عائلة من دون مأوى، أو منزل مهدّد بالانهيار، أو عودة متعذّرة: على الطرف الآخر من الخط، غالبًا ما يرد المسؤول المحلي على الاتصال. يستمع، وينقل، ويتفاوض، ويرتجل الحلول. ثم ينتقل إلى المشكلة التالية.

منذ بداية النزاع، لم يعد “الرؤساء” مَن يديرون شؤون بلدياتهم فحسب. فقد تحوّلوا إلى أولى الجهات التي تلجأ إليها فئة من السكّان لم تعد تعرف إلى أي إدارة تتوجه.

يحاول الجنوب استعادة حياته. أمّا رؤساء البلديات فيه، فيحاولون قبل كل شيء إبقاء العجلة دائرة.

النافذة الأخيرة المتاحة

عندما اشتدّت المعارك، كانت البلديات من بين أولى المؤسسات التي حافظت على خط تواصل مع السكان.

إجلاء السكان، وإحصاء النّازحين، وتنظيم المساعدات، والحفاظ على الخدمات الأساسية: فرضت حالة الطوارئ على البلديات مهام تتجاوز صلاحياتها بأشواط. ولم يضع وقف إطلاق النار حدًّا لهذا الضغط، بل نقله إلى جبهة أخرى: جبهة العودة، والدمار، والحياة اليومية… وتتراكم الملفات.

“لقد تحوّلنا إلى مكتب شكاوى، وإغاثة، وحلول. أصبحتُ كل شيء في آن: مسؤولًا منتخبًا، واختصاصيًّا اجتماعيًّا، ومهندسًا، وطبيبًا نفسيًّا، وأحيانًا حارسًا ليليًّا”، يقول ساري غلمية، رئيس بلدية مرجعيون. “يطلب منّا السكان حل مشكلات تتجاوز بكثير صلاحيات البلدية”.

وفي القرى الحدودية، غالبًا ما يشكل “الريّس” المسؤول الأول الذي يستطيع السكان تحديد هويته ومساءلته.

ولا يهم عندها إذا كان القرار من اختصاص وزارة ما، أو الدولة، أو أي جهة أخرى: فالناس يأتون إلى البلدية للمساءلة. “يتعين علينا أن نستجيب للجميع”، يقول علي رمضان، رئيس بلدية بلاط. “غير أنّ إمكاناتنا لم تعرف أي زيادة”.

هنا تكمن المفارقة البلدية في الجنوب: تبلغ البلديات أقصى درجات قربها من السكان في اللحظة التي تكون فيها أدواتها، وقدرتها على التحرك في أضيق حدودها.

إدارة الندرة

أضعفت الحرب أيضًا مالية البلديات. فمع إغلاق المؤسّسات، وتراجع النشاط التجاري، وانخفاض الإيرادات المحلية، أصبحت موارد البلديات أقل في الوقت الذي تزايدت فيه الأعباء.

جمع النفايات، والإنارة العامة، وصيانة الطرقات، وإصلاح شبكات المياه، ودعم الأسر الأكثر هشاشة: تتحول كل نفقة إلى قرار. “يتمثّل كل قرار في اختيار أي حالة طارئة ينبغي التعامل معها أولًا”، يقول السيد طراف، رئيس بلدية دبين.

في الجنوب، لا تقتصر المشكلة على إعادة الإعمار، بل تتمثّل في تحديد نقطة البداية عندما يصبح كل شيء أولوية.

وتعطي ضخامة الأضرار مقياسًا لهذه المعادلة. فبحسب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، دُمّر 11,095 مبنى جنوب الليطاني بشكل كامل، ما ألحق أضرارًا بـ17,891 مسكنًا.

وتُقدّر الأضرار المباشرة التي لحقت بالمباني بـ1.38 مليار دولار. وفي قضاء مرجعيون، تضم ميس الجبل وحدها 969 مبنى مدمّرًا، فيما بلغ عدد المباني المدمّرة في الطيبة 824.

وفي مواجهة هذا الوضع، تلجأ البلديات إلى الدولة، والجمعيات، والجهات المانحة الدولية. أمّا بالنسبة إلى الأشغال الأثقل، فتبقى معتمدةً على تمويلات لا تتحكّم بها.

“يعتقد الناس أنّ البلدية تستطيع أن تقرر كل شيء”، يقول علي رمضان، رئيس بلدية بلاط. “يتعين علينا أن نختار بين حالات طارئة متعددة. ومهما كان قرارنا، يحتّم على البعض الانتظار”.

وهكذا، تتطلب إدارة شؤون الجنوب المفاضلة بين احتياجات أساسية، بإمكانات لا تواكب حجم الأضرار.

النبطية… المدينة التي تتلقّى الصدمة

تكشف حالة النبطية بُعدًا آخر من أبعاد الأزمة. فالمدينة، التي تُعتبر واحدةً من أبرز المراكز التجارية، والإدارية، والصحية، والتعليمية في الجنوب، تستوعب سكانًا يتجاوز عددهم حدودها الإدارية بكثير.

عندما تضعف القرى المحيطة بها، ينتقل جزء من احتياجات هذه الأخيرة إليها. فالمستشفيات، والمتاجر، والإدارات، والأسواق، والمؤسّسات التعليمية تتأثر بدورها، ما يؤدّي إلى امتداد تداعيات الدمار إلى المنطقة بأكملها، وإلى اضطراب النشاط فيها.

وفي قضاء النبطية وحده، تضرّر أكثر من 27% من المؤسسات التعليمية، إلى جانب 33% من البنى التحتية للمياه، و82% من منشآت الكهرباء العامة.

وفي المدينة عينها، دُمّر مركز الدفاع المدني، فيما لحقت أضرار بعدد من المؤسسات الاستشفائية في محافظتي النبطية والجنوب جراء الغارات في محيطها.

“نتلقى طلبات تتجاوز بكثير قدرات البلدية. ويتعيّن إعادة تأهيل البنى التحتية، والاستجابة للعائلات، وتسهيل العودة، مع الحفاظ في الوقت عينه على الخدمات الأساسية. لكنّنا لا نملك الوسائل اللازمة للاستجابة لكل ذلك”، يقول عباس فخر الدين، رئيس البلدية.

وعليه، يتعين أن تستعيد المدينة قدرتها على العمل كي تتمكن منطقة بأكملها من استعادة أنفاسها، في وقتٍ يتعين عليها هي أن تنهض من جديد. فالطرق، والمستشفيات، والمدارس، والأسواق، والشبكات، تشكّل منظومةً واحدةً. وعندما يبقى واحد من مكونّاتها معطّلًا، تتعطل سلسلة العودة بأكملها.

العودة لا تعني بعدُ استعادة الحياة

أمّا في القرى الحدودية، فتبدو المسألة أكثر إلحاحًا: هل يمكن فعلًا الحديث عن عودة، فيما لا يزال الوصول إلى الخدمات الأساسية صعبًا؟

ويبقى عبور بعض الطرق صعبًا، لا سيّما محور الخردلي – النبطية. ويضطرّ السكان إلى سلوك طرق طويلة وملتوية للوصول إلى مستشفى، أو مدرسة، أو مركز إداري. تقول سعاد، من سكان مرجعيون: “في السابق، كان الوصول إلى النبطية أو صيدا يستغرق القليل من الوقت. أمّا اليوم، فبعض التنقّلات تحتاج إلى ساعات”. وتضيف: “للذهاب إلى العمل، أو التسوق، أو زيارة الطبيب، أصبح كل شيء أكثر تعقيدًا”.

ويعني الطريق الالتفافي بالنسبة إلى عائلة تملك سيارة، وقتًا إضافيًّا وكمية أكبر من الوقود. أمّا بالنسبة إلى مسنّ، أو شخص مصاب بمرض مزمن، أو عائلة لا تملك سيارة، فقد يتحوّل إلى عائق أمام العلاج، أو العمل، أو التعليم.

في دبل، أو عين إبل، أو غيرهما من قرى قضاء مرجعيون، خفّف وقف إطلاق النار من حدة المعارك، لكنّه لم يبدّد القيود التي تمنع استئناف الحياة بصورة طبيعية.

قد تستعيد قرية سكّانها من دون أن تستعيد خدماتها. وقد يكون المنزل صالحًا للسكن، من دون أن يتمكن صاحبه من العمل. فالعودة بالجسد لا تكفي لاستعادة الحياة الطبيعية.

مَن يدير شؤون الجنوب؟

تستطيع البلديات الحفاظ على خدمة، أو إصلاح شبكة، أو تنظيم عودة، أو مساندة عائلة. لكنّها تعجز عن إعادة بناء منطقة بأكملها، بمفردها.

فقربها من السكان يمنحها شرعيةً بحكم الواقع، لكنّ إمكاناتها تبقى أقل بكثير من حجم المهمة الملقاة على عاتقها.

لذلك، لم تعد المسألة مالية فحسب، بل أصبحت مؤسساتية أيضًا: مَن يتحمل مسؤولية إعادة الحياة إلى طبيعتها؟ ومَن يضمن للبلديات الوسائل التي تمكّنها من العمل بدل الاكتفاء بإدارة الطوارئ؟

في جنوب لبنان، يواصل رؤساء البلديات حمل أعباء الحياة اليومية على عاتقهم. إنّما يتعذّر على البلدية أن تكون جهةً اجتماعيةً، وجهازًا فنيًا، ومنسّقًا للإغاثة، وأن تتحمّل وحدها عبء إعادة الإعمار.

إعادة بناء المنازل ممكنة. وإصلاح الطرق ممكن. وإعادة تأهيل الشبكات ممكنة. وفي الجنوب، أبقى هؤلاء المسؤولون المنتخبون أبوابهم مفتوحةً عندما غابت الدولة. فهل سوف تعرف الدولة كيفية عبور هذا الباب؟.

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا