الصحافة

برّي – "الحزب": الافتراق المضبوط؟

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

لعلاقة الرئيس نبيه برّي بـ”الحزب” خصوصيّة متعدّدة الأوجه: تقاطع وتعاون وتحالف لم يصل بهما إلى حدّ الالتصاق بسبب تمايزات كثيرة جعلت كلّاً منهما يسير في طريق مختلف في أكثر من محطّة واستحقاق واختبار… وما يحصل منذ 2 آذار الماضي حتّى الآن ليس سوى نسخة متجدّدة عن هذا التمايز الذي بلغ حدود الافتراق الواضح، لكنّه يبقى مضبوطاً تحت سقف الحؤول دون “اقتتال الأخوة”، متّكئاً على عامل الوقت بانتظار ما سيحصل في الإقليم أوّلاً وفي لبنان ثانياً.

برّي “أستاذ” في إدارة العلاقة مع “الحزب” منذ قرّرا تجاوز الماضي الأليم بينهما ووضع مصلحة الطائفة وأبنائها فوق كلّ اعتبار. وصار “الحزب” خبيراً في التعاطي مع متطلّبات “حركة أمل” واعتباراتها الداخليّة التي تعلو دوماً على الأجندة الإقليميّة. يعرف برّي كيف يدوّر الزوايا، ومتى يخرج من عباءة التحالف، والحدّ الذي يصل إليه في الاختلاف بحيث لا يتحوّل إلى خلاف قاتل. لم يكن المطلوب إلغاء الفوارق بين الفريقين، بل تحويلها إلى تمايز قابل للإدارة، بحيث تبقى وحدة البيئة الشيعيّة أولويّة تتقدّم على الخلافات في الملفّات الكبرى.

في الرسم البيانيّ لعلاقة الثنائيّ، كان الثاني من آذار الماضي، ليلة إطلاق “الحزب” حرب الإسناد الثانية، تاريخاً مفصليّاً. انكسرت حالة المواءمة بين الحليفين، وصار لكلّ منهما “دليل سياسيّ” يسيّر خطواته. فبرّي، الذي كان طوال عقود شريكاً في تثبيت معادلة السلاح والمقاومة، وجد نفسه أمام واقع جديد فرض عليه إعادة النظر في هذه المعادلة، بعدما تحوّلت الحرب إلى عبء ثقيل على البيئة التي يمثّلها، ولا سيما في الجنوب.

شريك الخصوم وغطاؤهم

اختار برّي الضفّة النقيضة لـ”الحزب” في كلّ ما يتعلّق بالسلاح، ليكون شريكاً صريحاً مع حكومة نوّاف سلام في كلّ قراراتها المتّصلة بحصريّة السلاح بكلّ ما تحمله من تداعيات وإجراءات تنفيذيّة، لا يزال “الحزب” مصرّاً على عدم الاعتراف بمشروعيّتها، أو بالآليّات المطروحة لتنفيذها.

يقول المطّلعون على العلاقة الثنائيّة إنّ الافتراق بين “الحزب” والحركة صار جليّاً، ولم يعد بالإمكان إخفاؤه أو تجميله ببعض المساحيق: برّي لم يقتنع بكلّ المبرّرات التي ساقها “الحزب” لتبرير الحرب التي أشعلها من جديد وأدّت إلى تدمير الجنوب وتهجير أبنائه واحتلال أكثر من 60 قرية، فيما تتواصل الاعتداءات الإسرائيليّة من دون رادع. من هنا كان لا بدّ من تمايز حادّ ومؤلم بين طرفَي الثنائيّ دفع برّي إلى التصويب على سلاح “الحزب” بشكل علنيّ ورسميّ، بعدما أصبح استمرار الوضع السابق يهدّد، في نظره، ما بقي من قدرة الدولة والبيئة الحاضنة على تحمّل نتائج الحرب.

يضيف هؤلاء أنّ برّي لا يريد أن ينهي حياته السياسيّة شاهداً على مأساة طائفته. فالرجل الذي بنى جزءاً أساسيّاً من إرثه السياسيّ على حماية موقع الطائفة الشيعيّة داخل الدولة، يجد نفسه اليوم أمام معادلة مختلفة: استمرار الحرب لا يعني فقط مواجهة عسكريّة مع إسرائيل، بل يحمل كلفة اجتماعيّة واقتصاديّة وسياسيّة هائلة على أبناء الجنوب والبيئة الشيعيّة عموماً. وهذا ما اضطرّه إلى وضع خطّ فاصل بينه وبين “الحزب” في قضيّة كانت طوال عقود موضع تفاهم حديديّ بينهما، وهي قضيّة السلاح. لكنّ رياح التطوّرات فرضت عليه أن يتعامل معها باعتبارها ملفّاً سياسيّاً لبنانيّاً يهدّد الكيان برمّته لا امتداداً للمواجهة الإقليميّة وحسب.

مع ذلك، لا يزال الخلاف مكتوماً. يرفض كلّ من برّي و”الحزب” إخراج ما بينهما إلى العلن أو كشف ما يدور في كواليسهما من نقاشات مكتومة، لكنّ سلوكهما يفضح ما لا يُعلن: رئيس المجلس “تمرّد” على قرار خوض حرب عبثيّة لا تخدم إلّا مصالح إيران، فيما “الحزب” عاتب على برّي تغطيته الفريق المناوىء له وحمايته الحكومة التي يتصدّر السلاح جدول اهتماماتها وقراراتها.

لكنّ الأهمّ أنّ برّي لم يتحوّل إلى خصم لـ”الحزب”. لا يزال يرى أنّ الحفاظ على وحدة الطائفة ومنع انتقال الخلاف السياسيّ إلى الشارع الشيعيّ يمثّلان خطّاً أحمر. لذلك لا يعني التمايز فكّ التحالف، ولا يعني الاختلاف على السلاح بالضرورة انهيار “الثنائيّ”. يدرك الطرفان أنّ أيّ مواجهة داخليّة ستكون مكلفة إلى حدّ يصعب احتواؤها، وأنّ تحويل الخلاف السياسيّ إلى صراع داخل البيئة الشيعيّة سيكون بمنزلة انتحار سياسيّ وأمنيّ.

تُظهر أحداث الأشهر الأخيرة أنّ برّي سجّل تمايزه عن “الحزب” في جملة استحقاقات:

– تغطية قرارات الحكومة المتعلّقة بحصريّة السلاح. فمنذ بدء المسار الحكوميّ الذي يقوده رئيس الحكومة نوّاف سلام، اختار برّي منح الغطاء السياسيّ للقرارات التي تكرّس حصريّة السلاح بيد الدولة، انطلاقاً من قناعته بأنّ الدولة لا تستطيع الاستمرار في ظلّ ازدواجيّة القرار العسكري، فيما يرى “الحزب” أنّ هذه القرارات تستهدف سلاحه مباشرة ويفتقر بعضها إلى الشرعيّة السياسيّة.

– منع إسقاط الحكومة. في أكثر من محطّة، رفض برّي الذهاب إلى خيار الاستقالات الجماعية أو تعطيل مجلس الوزراء، معتبراً أن إسقاط الحكومة سيقود إلى فراغ يضرّ بالطائفة الشيعيّة قبل غيرها. في المقابل، فضّل “الحزب” إبقاء ورقة الضغط على الحكومة حاضرة كلّما ارتبطت قراراتها بملفّ السلاح.

لعلاقة الرئيس نبيه برّي بـ”الحزب” خصوصيّة متعدّدة الأوجه: تقاطع وتعاون وتحالف لم يصل بهما إلى حدّ الالتصاق

– المفاوضات المباشرة مع إسرائيل. على الرغم من تمسّك برّي في العلن برفض أيّ تفاوض سياسيّ مباشر، إلّا أنّ خصوم “الحزب” يقرأون سلوكه بطريقة مختلفة، إذ يعتبرون أنّه يتعامل ببراغماتيّة تقوم على قاعدة: “هاتوا إنجازات وخذوا ما يدهشكم”، أي أنّه لا يمانع المسارات التفاوضيّة إذا كانت تؤدّي إلى استعادة الأرض أو تثبيت الحقوق اللبنانيّة، حتّى لو بقي الخطاب السياسيّ رافضاً للتفاوض.

– العلاقة مع المملكة السعوديّة. تبنّى برّي مقاربة أكثر انفتاحاً تجاه إعادة وصل لبنان بمحيطه العربيّ، ورأى في تحسين العلاقات مع الرياض مدخلاً ضروريّاً لاستعادة التوازن الدبلوماسيّ، بينما بقي “الحزب” أكثر تحفّظاً، انطلاقاً من حساباته الإقليميّة وتحالفه الاستراتيجيّ مع إيران.

سقف مضبوط

لهذا السبب، يبقى التباعد محكوماً بسقف متحرّك ومزدوج الضوابط:

1- الرغبة المشتركة في عدم قطع الخطوط بينهما وعدم إحداث صدام داخليّ يمكن أن يتحوّل إلى “اقتتال أخوة”. إذ إنّ برّي يحرص على عدم كشف ظهره شيعيّاً حيث لا يزال “الحزب” الحالة الوازنة في بيئة الطائفة، ويريد استعادة هامش الحركة الذي يسمح له بالتعاطي مع الدولة والعرب والغرب من دون أن يقطع الخيط مع شريكه الشيعيّ. أمّا “الحزب” فيحرص على الحفاظ على حليف يترك له أبواب الحوار مع الخارج مفتوحة، ويحرص على توفير أرضيّة مستقرّة للمكوّن الشيعيّ.

2- ترقّب التطوّرات الإقليميّة، وتحديداً مصير العلاقة الأميركيّة ـ الإيرانيّة، التي ستحدّد إلى حدّ بعيد وجهة المنطقة عموماً، وموقع لبنان فيها، ومستقبل التوازنات داخل البيت الشيعيّ خصوصاً.

من هنا، لا تبدو العلاقة بين برّي و”الحزب” أمام خيارين بسيطين: تحالف أو قطيعة. الأدقّ هو مساكنة تحكمها إدارة صامتة للخلاف. يمكن توصيف العلاقة على الشكل الآتي: الاختلاف مسموح، الافتراق ممكن، لكنّ القطيعة ممنوعة. أمّا ما بعد اتّضاح صورة الإقليم فقد يفرض على الطرفين اختباراً أكثر قسوة لا يكفي معه تدوير الزوايا.

كلير شكر- اساس ميديا

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا