كليرفيلد يواصل وساطته بين بيروت وتل أبيب وسط خلاف على الانسحاب والمناطق التجريبية
الجيش اللبناني قلق... خطّ أصفر إسرائيلي بلا ضمانات!
يقطع الجيش اللبنانيّ بكثير من الوضوح بالقلق الذي ينتابه. يصف المرحلة بأنّها “أكثر من صعبة وتفتقر إلى الرؤية”، مع أنّه شريك الوفد الدبلوماسيّ في المفاوضات اللبنانيّة الإسرائيليّة ويجلس معه إلى طاولة جولاتها، بيد أنّه لا يقاسم ذاك تفاؤله وإصراره على المضيّ في الرهان عليها. ما لا يملك الجيش الجهر به هو أنّه وراء السلطة السياسيّة في القرارات التي تتّخذها والمنوط به تنفيذها.
عُهِدَ إلى الجيش في الاتّفاق اللبنانيّ الإسرائيليّ الانتشار في منطقة تجريبيّة أولى هي زوطر الغربيّة. ذاك ما فعله واعتبر مهمّته اكتملت في نطاق المسند إليه: دخل البلدة ونشر قوّات فيها، وضع حاجزاً عند مدخلها للتدقيق في الوافدين إليها، بحث عن الذخائر غير المنفجرة، ساعد الأهالي على العودة إليها من ضمن شروط السلامة، سواء بمنعهم من دخول أبنية مزعزعة أو تجنيبهم طرقاً قد تخفي ألغاماً، وحال دون أيّ مظاهر مسلّحة غير شرعيّة. ما لم يُقدم عليه بعد هو تفتيش البيوت. ذلك كلّه أنجزه في المنطقة التجريبيّة الأولى وعدّه ناجحاً.
إسرائيل تعرقل استكمال الاتّفاق مع لبنان
مع ذلك لم يُعلَن بعد، في لبنان وإسرائيل، استكمال المهمّة على أنّها نموذج يحتذى به لدفع القوّات الإسرائيليّة إلى الانسحاب من الأراضي اللبنانيّة المحتلّة، وهي في الأصل صاحبة اقتراح النموذج.
ما يشكو منه الجيش ليس ما أتمّه ميدانيّاً، بل الضغوط التي لا يزال يجبهها حياله:
1 ـ استمرار التصعيد العسكريّ الإسرائيليّ بالغارات وتفجير المنازل وجرفها وإحراق البساتين دونما توقّف الاعتداءات اليوميّة، على الرغم من مضيّ أكثر من شهر ونصف شهر على إعلان الاتّفاق اللبنانيّ الإسرائيليّ في 26 حزيران الفائت في واشنطن. يتحدّث الجيش عن ظاهرة جديدة بدأ يلمسها، وهي محاولات القضم التدريجيّ التي يقوم بها الإسرائيليّون في بلدات أبرزها أخيراً المنصوري، على نحو من شأنه توسيع المنطقة الصفراء المحتلّة من غير التمكّن في الوقت نفسه من فرض وقف نهائيّ للنار.
2 ـ على الرغم من استعجاله وضع آليّة اللجنة الثلاثيّة التي تضمّ ضبّاطاً أميركيّين ولبنانيّين وإسرائيليّين لمراقبة ما أُنجز في المنطقة التجريبيّة الأولى والتدقيق في تنفيذ الإجراءات المتّخذة، تستمرّ إسرائيل في عرقلتها. لم يُصَر بعد إلى تسمية الضبّاط أعضاء اللجنة ولا إلى وضع آليّتها، فيما يقتصر الدور على ما يقوم به الجنرال جوزف كليرفيلد رئيس مجموعة التنسيق العسكريّ الخاصة بلبنان المكلّف تنفيذ إجراءات الاتّفاق اللبنانيّ الإسرائيليّ. يجول على قائد الجيش العماد رودولف هيكل وينسّق معه، ويجتمع بالموازاة بالضبّاط الإسرائيليّين كما لو أنّه يتحرّك على نحو منفرد بمعزل عن اللجنة التي يرأس والمعنيّة بالتدقيق في التنفيذ. تعذُّر تأليفها ووضع آليّتها هو الذي يحول دون استكمال تجربة زوطر الغربيّة، ثمّ الانتقال إلى منطقة تجريبيّة ثانية لا تزال إسرائيل ترفض الخوض فيها على الرغم من ورودها في اتّفاق الإطار على أنّها ملازمة وحتميّة لما بعد المنطقة التجريبيّة الأولى.
ما يطرحه الجيش، وتعارضه إسرائيل، ضمّ ضبّاط أوروبيّين إلى اللجنة بغية إضفاء طابع الحياد على مهمّة التدقيق وبتّ الخلافات التي يمكن أن تنشأ بين الضبّاط اللبنانيّين والإسرائيليّين في مراحل التطبيق. على غرار الاتّفاق، لا يسع الجيش سوى وصف لجنة التحقّق بأنّها ليست سوى حبر على ورق. يُعوّل الجيش، على تفهّم واشنطن وجهة النظر اللبنانيّة واقتناعها بطابع عجلة تأليف لجنة التحقّق من أجل إنجاح الاتّفاق الذي رعته.
إسرائيل تعيد فرض واقع ما قبل الحرب
3 ـ ينجم القلق الذي ينتاب الجيش عن أنّ المرحلة الحاليّة التي يواجهها، كما تواجهها السلطات السياسيّة، فرضت أمراً واقعاً كان “الحزب” السبّاق إلى رفضه والتهديد بالحؤول دونه وعدم السماح به، وهو العودة إلى مرحلة ما قبل 2 آذار من العام الحاليّ. واقع الحال أنّ هذه العودة أضحت محقّقة وسائدة تماماً على نحو ما رافق المدّة الفاصلة بين إعلان وقف النار في 27 تشرين الثاني من سنة 2024 و2 آذار 2026 تاريخ انخراط “الحزب” في الحرب مجدّداً مع إسرائيل: وفيما يلتزم “الحزب” وقف النار، سواء على المنطقة الصفراء المحتلّة أو خارجها أو حتّى على الشمال الإسرائيليّ، ويمتنع عن أيّ تصعيد وأوقف إطلاق مسيّراته ولا يهوّل بصواريخه وفقد تماماً معادلة الردع مع قوّات العدوّ، تستعيد إسرائيل تجربة المرحلة السابقة بتفاصيلها كلّها عبر تواصل الغارات والاعتداءات وتفجير البيوت والمباني انتهاء بأحدث ما تقدم عليه، وهو قضم الأراضي. هكذا يسري وقف النار على “الحزب” وتستثني إسرائيل نفسها منه.
على أنّ الأدهى في ذلك أنّ تلك الاستعادة تجري تحت مظلّة الاتّفاق اللبنانيّ الإسرائيليّ كما لو أنّه بالنسبة إلى الدولة العبريّة بات يوفّر لها التبرير الشرعيّ لتواصل اعتداءاتها.
4 ـ المعلومات المتوافرة لدى الجيش أنّ مرتفع عليّ الطاهر عنوان المرحلة المقبلة للحرب الإسرائيليّة على “الحزب” ولبنان. لم يكن المرتفع في الأصل في نطاق مهمّة الجيش بين 27 تشرين الثاني 2024 و2 آذار 2026 لوقوعه شمال نهر الليطاني، فيما أضحى الآن هدفاً إسرائيليّاً حتميّاً عبر تمدّد الاحتلال إلى شمال نهر الليطاني. معركة عليّ الطاهر واردة في أيّ وقت قبل الانتخابات الإسرائيليّة في تشرين الأوّل المقبل، وفي تقدير الجيش أنّ إسرائيل قادرة على الوصول إلى داخل الأنفاق بعد السيطرة الجوّيّة التي تُحكم من خلالها الخناق عليه. منذ 26 حزيران الماضي، موعد إعلان الاتّفاق اللبنانيّ الإسرائيليّ، يقع هذا المرتفع تحت “خطّ أصفر” فرضه الأميركيّون على الإسرائيليّين. لا هو “خطّ أحمر” يمنع احتلاله، ولا “خطّ أخضر” يأذن به. بيد أنّه مرشّح في أيّ لحظة للخروج من حال الجمود.
على أنّ الخطّ الأصفر لا يقتصر على مرتفع عليّ الطاهر، بل أضحى يشمل الاتّفاق اللبنانيّ الإسرائيليّ برمّته. يكتفي بما هو عليه كوثيقة اتّفاق ليس إلّا من دون أيّ تبدّل في الواقع الميدانيّ على الأرض، ومن دون توقّع تنفيذ أيّ من بنود الاتّفاق في وقت قريب.
نقولا ناصيف - اساس ميديا
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|