"أسرع من الجيش الإسرائيلي"... تقرير يكشف تحوّل حزب الله الميداني
كشف تقرير جديد لمعهد دولي متخصص في رصد النزاعات أن حزب الله يعيد بناء قدراته العسكرية في لبنان وفق تكتيكات مختلفة تقوم على حرب الاستنزاف، والخلايا الصغيرة، والهجمات من مسافات بعيدة، مع توسع لافت في استخدام المسيّرات، ولا سيما طائرات "FPV" الموصولة بالألياف البصرية، في تحول يقول التقرير إنه قد يحوّل المنطقة الأمنية التي يحاول الجيش الإسرائيلي تثبيتها في جنوب لبنان إلى نقطة ضعف بدلاً من أن تكون عنصر حماية.
وبحسب تقرير للصحافي شاي ليفي، نشره موقع "ماكو" الإسرائيلي، استناداً إلى دراسة جديدة صادرة عن معهد "ACLED" الدولي، فإن حزب الله، بعد الضربات القاسية التي تعرض لها خلال المواجهات، أعاد تكييف نفسه عسكرياً وبات يعتمد وسائل أقل كلفة وأكثر مرونة وقدرة على إلحاق الخسائر.
ونقل ليفي عن مسؤول في الجيش الإسرائيلي، رداً على استفسار بشأن التقرير، قوله إن حزب الله أعاد التكيّف "كقوة هجينة وقابلة للتكيّف"، مضيفاً أن الحزب يقوم بذلك بوتيرة أسرع من الجيش الإسرائيلي.
ويشير التقرير إلى أن الاستخدام المتزايد للمسيّرات الموصولة بالألياف البصرية والمجهزة برؤوس حربية مضادة للدروع قد يؤدي إلى تقليص الأفضلية التي تمنحها المنطقة الأمنية للجيش الإسرائيلي، كما قد يشكل خطراً فعلياً على استقرار وقف إطلاق النار.
ووفق المعطيات الواردة في التقرير، تبنى حزب الله خلال الأشهر الأخيرة استراتيجية عسكرية جديدة تقوم بصورة أساسية على حرب الاستنزاف وتكتيكات حرب العصابات، فيما تجري عملية التحول بسرعة وبمتابعة إيرانية وثيقة، من بينها ضباط في الحرس الثوري الإيراني موجودون في لبنان.
ويضيف التقرير أن حزب الله لم يعد يعتمد حصراً على تشكيلات كبيرة بحجم الألوية أو على الإطلاق الكثيف للصواريخ، رغم احتفاظه بهذه القدرة، بل بات يشغل خلايا صغيرة، وقاذفات صاروخية موزعة، وفرقاً للصواريخ المضادة للدروع، إلى جانب مشغلي المسيّرات والطائرات من دون طيار من مواقع بعيدة، بهدف تنفيذ هجمات محددة ودقيقة.
وبحسب التقرير، يعيد هذا التحول تعريف طريقة عمل حزب الله كتنظيم أكثر قدرة على التكيف والمناورة، بما يسمح له بمواصلة ممارسة ضغط عسكري وسياسي على إسرائيل والولايات المتحدة بما يخدم مصالح طهران.
ويصدر التقرير عن معهد "ACLED"، أي "مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة"، الذي يُعد من المصادر الدولية المعروفة في مجال رسم خرائط النزاعات النشطة وتحليلها، وتُستخدم بياناته من جانب وسائل إعلام وجهات سياسية في دول مختلفة.
وفي مراجعته لأول عامين من المواجهة، يستعيد التقرير الضربات التي وجّهها الجيش الإسرائيلي إلى حزب الله خلال عام 2024، بما في ذلك استهداف القيادة السياسية والعسكرية العليا، وتعطيل منظومات القيادة والسيطرة، وإلحاق أضرار كبيرة بمخزونات الصواريخ والطائرات من دون طيار، وهي ضربات يقول التقرير إنها أدت إلى تآكل ملموس في قوة الردع التي كان يمتلكها الحزب.
لكن، وعلى الرغم من ذلك، خلص التقرير إلى أن حزب الله حافظ على قيمته العملياتية بالنسبة إلى إيران بوصفه قوة قادرة على خوض حرب استنزاف و"مواصلة رفع كلفة الحرب بالنسبة إلى إسرائيل".
ويستند التقرير في ذلك إلى حجم الهجمات التي ينفذها الحزب ضد قوات الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان، إذ بلغ متوسطها أكثر من 199 هجوماً شهرياً منذ آذار 2026، مقارنة بنحو 160 هجوماً في الشهر خلال العملية البرية الإسرائيلية في تشرين الأول وتشرين الثاني 2024.
ويبرز التحول الأهم، وفق التقرير، في الانتقال الحاد من المواجهات المباشرة إلى الهجمات عن بُعد. فقد انخفضت نسبة الحوادث التي شملت تبادلاً مباشراً لإطلاق النار داخل لبنان من 34% خلال العملية البرية عام 2024 إلى 11% فقط بين آذار وتموز 2026.
وفي المقابل، سجل التقرير ارتفاعاً كبيراً في استخدام الطائرات من دون طيار الانتحارية، من 6% من مجمل الهجمات في عام 2024 إلى 24% خلال عام 2026، بالتوازي مع زيادة كبيرة في استخدام مسيّرات الألياف البصرية التي باتت تمثل 21% من إجمالي الهجمات داخل لبنان.
ويشرح التقرير أن مسيّرات "FPV" تتميز بصغر حجمها وسهولة نقلها وقدرتها على الطيران على ارتفاع منخفض، كما أنها لا تحتاج إلى دعم لوجستي كبير.
ويلفت أيضاً إلى أن حزب الله يدرك أن استخدام الألياف البصرية يحول دون تعطيل هذه المسيّرات عبر وسائل التشويش الإلكتروني الإسرائيلية، فيما تتيح أنظمة الرؤية الليلية والحرارية تشغيلها حتى في ظروف الرؤية الصعبة.
وبحسب التقرير، فإن هذا التكتيك يهدد بتقليص الأفضلية العملياتية التي يحاول الجيش الإسرائيلي تحقيقها من خلال المنطقة الأمنية في جنوب لبنان. ففي حين تُعد الصواريخ المضادة للدروع فعالة إلى مدى يبلغ نحو 6 كيلومترات، تستطيع مسيّرات "FPV" ضرب أهداف عسكرية، بينها الجنود والآليات المدرعة والمعدات الهندسية، من مسافات تصل إلى 20 كيلومتراً.
ويذكر التقرير أن ما لا يقل عن 33 هجوماً من هذا النوع منذ آذار أدت إلى وقوع إصابات إسرائيلية داخل لبنان، وأن مسيّرات "FPV" استُخدمت في أكثر من نصف هذه الحالات.
ويضيف أن خطورة هذه الوسائل لا تقتصر على استهداف القوات الإسرائيلية داخل لبنان، إذ يمكنها أيضاً عبور المنطقة الأمنية والوصول إلى بلدات داخل إسرائيل، فيما يصعب اكتشافها مقارنة بالصواريخ.
وفي قراءة للوضع الميداني، يعتبر التقرير أن الهدوء النسبي الذي يطبع وقف إطلاق النار يبقى هشاً للغاية. فعلى الرغم من أن حزب الله يمتنع حالياً عن شن هجمات واسعة، فإن مستوى الاحتكاك في منطقة الحزام الأمني لا يزال مرتفعاً.
ويستشهد التقرير بحوادث من بينها تبادل إطلاق النار في مرتفعات علي الطاهر في 1 آب، والهجومين في منطقتي مجدل زون، حيث جرى استخدام عبوة ناسفة يُرجح أنها زُرعت قبل وقف إطلاق النار، والمنصوري.
ويصنف التقرير هذه الحوادث على أنها خروقات مباشرة، معتبراً أنها تبرز أن "استمرار انتشار قوات الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان لا يزال مصدراً دائماً للاحتكاك"، كما يمنح حزب الله مبرراً يتمسك من خلاله بموقفه الرافض لنزع سلاحه ما دامت قوات إسرائيلية تعمل داخل الأراضي اللبنانية.
ويخصص التقرير جزءاً أساسياً لما يعتبره المرحلة المقبلة في مسار حزب الله، مشيراً إلى أن الحزب يتجه نحو عملية إعادة بناء هادئة لقدراته، في ظل القيود السياسية والدبلوماسية المرتبطة بالترتيب الثلاثي بين إسرائيل ولبنان والولايات المتحدة.
ويقول التقرير إن "حزب الله يُتوقع أن يحد من عملياته العسكرية الفورية، وأن يركز على إعادة بناء قدراته باستخدام وسائل قتالية أرخص وأسهل في الحصول عليها".
وتحظى هذه الجهود، وفق التقرير، بدعم إيراني كامل، وتركز بصورة خاصة على التصنيع الذاتي وتهريب المسيّرات والصواريخ الدقيقة.
لكن حزب الله، بحسب المعطيات نفسها، يواجه صعوبات كبيرة في عمليات تهريب الأسلحة عبر سوريا، إضافة إلى صعوبة الوصول إلى تقنيات يمكن استخدامها لأغراض مدنية وعسكرية في آن واحد.
ويربط التقرير بصورة مباشرة بين استقرار وقف إطلاق النار وسرعة عملية إعادة بناء هذه القدرات، محذراً من أن خطر الانزلاق إلى مواجهة أوسع سيرتفع إذا زاد حزب الله جهوده لاستعادة قدرة عسكرية كافية.
ويخلص التقرير إلى أن الاتجاه الذي يسلكه الحزب لا يقوم على استعادة النموذج العسكري السابق كما كان، بل على بناء قوة أقل كلفة، أكثر انتشاراً وأصعب في الرصد والتعطيل، بما يجعل اختبار وقف إطلاق النار مرتبطاً ليس فقط بحجم السلاح الذي يملكه حزب الله، بل أيضاً بالطريقة الجديدة التي اختار استخدامها في الميدان.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|