سليمان فرنجيه يستقبل السفير الصيني وبحث مطوّل في مختلف الأوضاع
"مكانك راوح": واشنطن تفهمت لبنان.. ولم تضغط على إسرائيل
لم يحمل اليوم الأول من مفاوضات روما 2 الاختراق الذي كان يأمله لبنان. وعلى الرغم من الملفات السياسية والعسكرية والتقنية التي وُضعت على الطاولة، اختصرت مصادر المجتمعين في روما لـِ "المدن" حصيلة الساعات الأولى بعبارة واضحة: "راوح مكانك".
المفاوضات لم تكن سهلة، بل اتسمت في بعض مراحلها بالتوتر، خصوصاً عند الانتقال من المبادئ العامة إلى ما جرى فعلياً على الأرض، ومن بينها تجربة زوطر الغربية، ووقف عمليات التفجير، وآلية التحقق من الانسحاب الإسرائيلي. ولا يعني ذلك، بحسب المصادر نفسها، إمكان إصدار حكم نهائي على جولة تمتد ثلاثة أيام. لكن اليوم الأول لم يكن مثمراً بالمعنى التفاوضي، إذ لم يُسجل تقدم حاسم في الملفات الأساسية، فيما بدا واضحاً للجانب اللبناني أن إسرائيل لا تزال تمارس سياسة المماطلة.
مماطلة ترافقت، بالتزامن مع اجتماعات روما، مع استمرار الاعتداءات والتوغلات والحرائق في الجنوب، فضلاً عن تحليق الطيران الحربي والمسيّرات الإسرائيلية طوال النهار، وهو الأمر الذي عمّق التناقض بين ما يناقش داخل قاعات التفاوض وما يجري على الأرض.
ومن هنا، أعاد الوفد اللبناني منذ بداية الاجتماعات وضع وقف إطلاق النار في صدارة الأولويات، باعتبار أن الانتقال إلى مناطق نموذجية جديدة يصبح بلا معنى إذا بقيت العمليات الإسرائيلية مستمرة بالتوازي معها.
وقف التفجير وبدائل للأنفاق
في روما 2، طالب الوفد اللبناني بإعادة البحث في التزام إسرائيل بوقف النار وفق صيغة الإطار المتفق عليها في 26 حزيران الماضي، بما يشمل وقف عمليات نسف المنازل والتجريف والتفجير والتدمير. ولم يقتصر النقاش على الاعتراض على التفجيرات. فقد طرح الجانب اللبناني خلال المفاوضات بدائل عملية للتعامل مع الأنفاق أو المنشآت التي يتم العثور عليها، بدلاً من لجوء إسرائيل إلى تفجيرها.
ومن بين الخيارات التي طرحها الوفد اللبناني أن يتولى الجيش اللبناني استلام الأنفاق أو المواقع المعنية ومعالجتها بنفسه، أو أن يتم تعطيلها عبر ردمها بالاسمنت وإقفالها بصورة تمنع إستخدامها، بدلاً من عمليات التفجير التي تحدث أضراراً واسعة في القرى والممتلكات والأراضي المحيطة. ويريد لبنان من خلال هذا الطرح تثبيت مبدأ أساسي: إذا كانت المنطقة قد أصبحت تحت مسؤولية الجيش اللبناني، فلا مبرر لاستمرار إسرائيل في تنفيذ عمليات هدم وتفجير داخلها أو بالقرب منها بذريعة معالجة أهداف عسكرية.
وطلب الوفد رفع المطلب المتعلق بوقف التفجير والاعتداءات إلى المستوى السياسي القيادي في تل أبيب، للحصول على جواب واضح، كما يصر لبنان على تحديد مهلة زمنية لوقف أشكال الاعتداء الإسرائيلي وصولاً إلى معالجة ملف تحليق المسيّرات.
الجانب الأميركي أظهر تفهماً للمطلب اللبناني، لكن هذا التفهم لم يتحول، حتى انتهاء اجتماعات اليوم الأول، إلى ضغط حاسم على الجانب الإسرائيلي أو إلى جواب من القيادة السياسية الاسرائيلية.
اعتراض عسكري على زوطر الغربية
وكان ملف زوطر الغربية أحد أسباب التوتر في المسار العسكري للمفاوضات. فالوفد العسكري اعترض خلال الاجتماعات على أن الانسحاب الإسرائيلي من زوطر الغربية لم يكن كاملاً، خلافاً للصورة التي يفترض أن تقوم عليها تجربة المنطقة النموذجية الأولى. كما اعترض على استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على الجيش اللبناني. وهذا الاعتراض يتجاوز زوطر الغربية نفسها، لأنه يمس جوهر الآلية التي تريد الأطراف البناء عليها للانتقال إلى مناطق أخرى.
فالمنطق اللبناني يقوم على معادلة واضحة: تنسحب إسرائيل بصورة كاملة من منطقة محددة، يجري التحقق من الانسحاب، ثم يدخل الجيش اللبناني وينتشر ويتولى مسؤولياته. أما إذا بقي الانسحاب جزئياً أو خاضعاً لتفسيرات مختلفة، فلا يمكن اعتبار النموذج الأول ناجحاً والبناء عليه. وقدّم الوفد العسكري خرائط ومستندات توثق انتشار الجيش اللبناني في زوطر الغربية، وتمسك بالحاجة إلى جهة محايدة؛ أي تلك التي تسمى "الطرف الثالث" الذي يتحقق مما نفذه الطرفان فعلياً.
لكن حتى الاتفاق أو بلورة صيغة للاتفاق على آلية التحقق لم تتبلور في اجتماع اليوم الأول. وهو ما أعاد إلى الواجهة السؤال نفسه: من يقرر أن الانسحاب تم فعلاً؟ ومن يحسم الخلاف إذا قال لبنان إن إسرائيل لا تزال موجودة في نقطة معينة، فيما اعتبرت إسرائيل أنها نفذت المطلوب منها؟
مبادرة فرنسية إيطالية للتحقق؟
الإجابة يفترض أن تأتي من آلية "الطرف الثالث" المنصوص عليها في صيغة الإطار. وفي هذا السياق، ترددت معلومات عن العمل على مبادرة فرنسية إيطالية يمكن بموجبها أن تتولى فرنسا وإيطاليا، بمشاركة عدد من الدول الأوروبية، مهمة التحقق الميداني من تنفيذ الالتزامات.
وتقوم الفكرة على إيجاد جهة لا تكون طرفاً مباشراً في النزاع، تستطيع التثبت على الأرض من الانسحاب الإسرائيلي، وإنتشار الجيش اللبناني، وتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه في المناطق النموذجية. لكن، حتى انتهاء اليوم الأول، لم يسجل تقدم في هذا الاتجاه. فالولايات المتحدة لا تريد تولي عملية التحقق الميداني بنفسها، ولا ترغب في نشر عسكريين أميركيين على الأرض وتعريضهم للمخاطر، مفضلة الحفاظ على موقع المنسق والضامن السياسي.
في المقابل، يبدي لبنان انفتاحاً على المبادرة الفرنسية الإيطالية، وعلى مشاركة دول أوروبية أخرى، أو أي صيغة أخرى تؤدي إلى الاتفاق على جهة ثالثة تتحقق من نجاح المناطق التجريبية وما أنجزه الجيش اللبناني وما يواجه في الوقت نفسه من معوقات سببها الاحتلال الإسرائيلي واستمرار اعتداءاته. لكن الاعتراض الإسرائيلي على صيغ التحقق المطروحة لا يزال يمثل إحدى العقد الأساسية، بعد رفض أفكار سابقة تتصل بالأمم المتحدة واليونيفيل أو بجهات أوروبية منفردة.
وهنا تزداد الشكوك اللبنانية حيال المماطلة الإسرائيلية. فإذا كان الإسرائيلي يرفض أن تكون اليونيفيل، هي الجهة التي تتحقق، ويتحفظ على الأوروبيين، فمن هي الجهة التي يمكنها تنفيذ النص الواضح في صيغة الإطار حول وجود طرف ثالث؟
الحدود للمرة الأولى على طاولة البحث
في مقابل اللا تقدم في المسار العسكري، برز تطور سياسي مهم في ملف الحدود. فبحسب مصادر بعبدا التي تابعت دوائرها المعنية على رأسها رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون مسار جولة التفاوض كالعادة، تراجعت إسرائيل للمرة الأولى منذ انطلاق المفاوضات في الناقورة عن رفضها السابق البحث في ملف الحدود البرية، ووافقت على إدخاله في نقاشات روما. أمر وضع ضمن بنود البحث التي زود رئيس الجمهورية فيها الوفد اللبناني التي يعتبرها الرئيس جوهرية في مسار التفاوض للتوصل إلى تحقيق الاهداف التي يصبو إليها لبنان من خلال مسار المفاوضات هذا.
ومن هنا جاء وجود خبير أعمال المسح نجيب مسيحي في عداد الوفد اللبناني، إلى جانب السفير سيمون كرم، السفيرة ندى معوض، رئيس الوفد العسكري العميد جورج رزق الله والمستشار القانوني أنطوان صفير. وقدّم لبنان عرضه حول الحدود البرية وتثبيتها، على أن يستكمل البحث في اليوم الثاني. لكن قبول فتح الملف لا يعني حتى الآن التوصل إلى إتفاق.
هناك أولاً 13 نقطة تحفظ لبنانية، تبلغ مساحتها الإجمالية نحو 487 ألفاً و485 متراً مربعاً. وهي نقاط معروفة وموثقة بالخرائط. فإذا إنتقلت إسرائيل من مجرد قبول البحث فيها إلى الموافقة على معالجة التحفظات اللبنانية والتراجع عنها، سيكون لبنان أمام إنجاز سياسي وسيادي مهم. لكن الإشكالية الحدودية لا تنتهي عند هذه النقاط. فهناك أيضاً السياج التقني والجدار الإسمنتي الإسرائيلي، إضافة إلى نحو 17 خرقاً دائماً يعتبر لبنان أن إسرائيل تجاوزت فيها الخط الأزرق باتجاه الأراضي اللبنانية بين الناقورة والوزاني، بمساحة إجمالية تقارب 17 ألف متر مربع. وهذا يفرض عملية تحقق ميدانية دقيقة، لا مجرد مقارنة خرائط في روما.
أين أصبحت علامات الخط الأزرق؟
قبل الحرب، كانت اليونيفيل والجيش اللبناني يعملان على إظهار الخط الأزرق بواسطة البراميل والعلامات الزرقاء، ووصل عدد العلامات المثبتة حتى عام 2018 إلى نحو 268. لكن أجزاء بقيت من دون علامات، خصوصاً عند مواقع التحفظات. وبعد الحرب ودخول القوات الإسرائيلية إلى الأراضي اللبنانية، بات هناك سؤال إضافي حول وضع هذه العلامات نفسها: ما الذي بقي منها؟ وهل لا تزال جميعها في المواقع التي ثبتت فيها؟ لذلكَ، فإن أي انتقال جدي من مناقشة الخرائط إلى تثبيت الحدود يحتاج إلى وصول الجيش اللبناني والجهات التقنية إلى الأرض، وإجراء عملية كشف ومقارنة وتثبيت للعلامات.
أما إذا اتفق على معالجة نقاط التحفظ والخروق، فقد يتطلب الأمر أيضاً تصحيحاً طوبوغرافياً في بعض المواقع وإعادة إظهار الخط بصورة واضحة ميدانياً. وهنا تكمن أهمية فتح الملف. فإذا تمكن لبنان من إلزام إسرائيل بمعالجة نقاط التحفظ والخروق وتثبيت الحدود، فسيكون قد نقل المفاوضات من إدارة وقف النار إلى معالجة مسألة سيادية مزمنة.
بنت جبيل والخيام... ولكن ليس قبل حل العقدة
أما المرحلة التالية من المناطق النموذجية، فيطرح لبنان فيها بنت جبيل والخيام كخيارين أساسيين. خيار لم يأتِ من فراغ. فرئيس الجمهورية يدرك أهمية هذا الخيار وأبعاده على المستوى السياسي والميداني، نظرا لحجم المدينتين وأهميتهما الجغرافية والسكانية، فضلاً عن رمزيتهما التاريخية والسياسية والعسكرية في الجنوب ومحطات الصراع المتعددة التي مرت بهما.
لكن الانتقال إليهما لا يزال سابقاً لأوانه ما دام الخلاف قائماً على النموذج الأول نفسه. فإذا كان الجيش اللبناني يعتبر أن الانسحاب من زوطر الغربية لم يكتمل، وإذا لم تتحدد بعد جهة التحقق، يصبح من الصعب الانتقال إلى منطقة نموذجية أكبر وأكثر تعقيداً. وفي حال رفضت إسرائيل بنت جبيل أو الخيام، هناك بدائل لبنانية أخرى في حوزة الوفد داخل ما يعرف بـِ "المنطقة الصفراء". إلا أن الموقف اللبناني، وفق المعطيات المتوافرة، يميل إلى رفض الانتقال من نموذج إلى آخر قبل وضع قواعد واضحة: انسحاب كامل، تحقق مستقل، انتشار للجيش، ووقف للتفجيرات والاعتداءات.
يوم أول متوتر والاختبار في اليوم الثاني
وهكذا خرج اليوم الأول من روما 2 بلا اختراق. المفاوضات كانت صعبة ومتوترة. لا جواب نهائياً من تل أبيب بشأن وقف التفجير. ولا تقدم بعد في أي صيغة خاصة بآلية التحقق. أما التقدم السياسي الوحيد القابل للتسجيل، فهو قبول إسرائيل البحث في ملف الحدود البرية، لكن من دون نتائج عملية بعد.
لذلك تلخص مصادر المجتمعين الصورة بـِ "راوح مكانك"، مع التشديد في الوقت نفسه على أن الحكم النهائي يحتاج إلى انتظار اليومين المتبقيين وما إذا كان الوفد الإسرائيلي سيحصل على قرارات سياسية من تل أبيب تسمح له بتقديم أجوبة لا مجرد الاستمرار في النقاش.
ويستأنف اليوم الثاني عند العاشرة من قبل ظهر الأربعاء بتوقيت بيروت، مع مسارين متوازيين: استكمال البحث السياسي في الحدود، ومواصلة النقاش العسكري في آلية التحقق والطرف الثالث. لكن بعد اليوم الأول، لم تعد المشكلة في نقص الأفكار أو البدائل. لبنان عرض خيارات للتعامل مع الأنفاق، وقدم خرائطه، وانفتح على آلية تحقق أوروبية. العقدة تبقى في مكان آخر: هل تقبل إسرائيل تحويل ما هو مكتوب في صيغة الإطار إلى التزامات قابلة للقياس على الأرض؟ لأن روما، بعد يومها الأول، لا تعاني نقصاً في الخرائط بقدر ما تعاني نقصاً في القرارات.
المدن - ندى اندراوس
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|