السفارة الأميركية في بغداد تحذر مواطنيها في العراق من تصعيد محتمل وتدعوهم للجاهزية
مجلس مدّد لنفسه ثم تعطّل... هل تصبح الانتخابات المبكرة أكثر من شعار؟
لم ينتهِ الاشتباك السياسي الذي شهده مجلس النواب في جلسة 17 تموز عند سقوط النصاب وتأجيل البحث في قانون العفو العام، فانسحاب كتلة "الجمهورية القوية"، بعد رفض تقديم بند العفو على اقتراح إلغاء عقوبة الإعدام، أعاد إلى الواجهة سؤالًا يتجاوز ترتيب جدول الأعمال: هل لا يزال المجلس قادرًا على ممارسة وظيفته، أم أن الخلاف على القوانين بات يتحول إلى تعطيل للمؤسسة نفسها؟
اكتسب السؤال بعدًا إضافيًا عندما جدّد رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع دعوته إلى إجراء انتخابات مبكرة، موضحًا أن طرحه جاء أساسًا ردًا على الحملات التي تشكّك في شرعية رئيس الجمهورية والحكومة وبحقهما في إدارة المفاوضات والسير في "مسار واشنطن"، فيما منحته الجلسات النيابية الأخيرة، بحسب قوله، أسبابًا إضافية للتمسك بالدعوة.
هكذا انتقل السجال من مسؤولية تعطيل جلسة إلى التشكيك في قدرة التركيبة النيابية الحالية على الاستمرار في إدارة المرحلة. وإذا كانت المفارقة تزداد وضوحًا لا سيّما أن المجلس نفسه مدّد ولايته سنتين في 9 آذار، وأرجأ انتخابات كانت مقررة في أيار بذريعة ظروف الحرب، فإنّ الأكيد أنّ طرح الانتخابات المبكرة سياسيًا لا يكفي حتى تصبح قابلة للتنفيذ.
فبين سقوط نصاب جلسة وإنهاء ولاية مجلس النواب مسافة دستورية تبدأ بتحديد الطريق المقصود: هل يستطيع أصحاب الدعوة إقناع المجلس الذي مدّد لنفسه بأن يقصّر ولايته، أم يراهنون على تحقق الشروط الاستثنائية التي تجيز لرئيس الجمهورية طلب حلّه من مجلس الوزراء؟
أزمة الأداء
قُدّم تمديد ولاية المجلس باعتباره إجراءً استثنائيًا فرضته ظروف الحرب، وليس خيارًا سياسيًا هدفه حماية التوازنات القائمة. وقد استند المدافعون عنه إلى صعوبة إجراء الانتخابات في ظل النزوح والدمار والعمليات العسكرية، وإلى الحاجة إلى إبقاء السلطة التشريعية قائمة بدل إدخال البلاد في فراغ نيابي.
غير أن استمرار المؤسسة لا يُقاس ببقائها القانوني وحده. فالتمديد يكتسب مشروعيته السياسية من قدرة المجلس على الاجتماع والتشريع ومراقبة الحكومة وإقرار القوانين الضرورية، لا من مجرد احتفاظ النواب بمقاعدهم سنتين إضافيتين. وكلما تكررت حالات فقدان النصاب أو تعذر التوافق على جدول الأعمال، عاد السؤال عن الوظيفة التي حماها التمديد فعلًا.
تضع جلسة 17 تموز هذا المنطق تحت الاختبار: استطاع المجلس مناقشة بعض البنود وإقرارها، قبل أن ينتهي الاجتماع عند الخلاف على ترتيب بندين حسّاسين. لذلك لا يمكن وصف المؤسسة بأنها متوقفة بالكامل، لكن الواقعة تكشف هشاشة قدرتها على إدارة الملفات الخلافية، وهي الملفات التي يُفترض أن تظهر فيها قيمة البرلمان بوصفه مساحة للتفاوض والتسوية.
تعطيل النصاب
يتيح النظام البرلماني للكتل استخدام الانسحاب وإسقاط النصاب أداتين في الصراع السياسي. فالكتلة التي ترى أن ترتيب البنود يمنع إقرار قانون تُعدّه أولوية تستطيع الانسحاب، ولو حمّلتها القوى الأخرى مسؤولية تعطيل الجلسة. ولا تُعَدّ هذه الممارسة استثنائية في الحياة النيابية اللبنانية، إذ استُخدم الانسحاب وإسقاط النصاب مرارًا لمنع انتخاب رئيس أو تمرير قرارات كبرى.
لكن الانتقال من استخدام الانسحاب للضغط في ملف محدد إلى الدعوة لانتخابات مبكرة يغيّر طبيعة الحجة. في هذه الحالة، لا يعود الاعتراض موجّهًا إلى طريقة إدارة جلسة أو إلى موقع قانون العفو على جدول الأعمال، وإنما يصبح اتهامًا للمجلس بأنه لم يعد يعكس التوازن السياسي المطلوب أو ينتج قرارات تتناسب مع المرحلة.
هنا يظهر التباس في خطاب الانتخابات المبكرة. فإذا كان إسقاط النصاب وسيلة مشروعة لمنع مسار تشريعي معترض عليه، يصعب اعتبار النتيجة نفسها دليلًا على عجز المجلس كله. أما إذا كان الانسحاب تعبيرًا عن قناعة باستنفاد التركيبة النيابية قدرتها على العمل، فالدعوة إلى انتخابات مبكرة تحتاج مشروعًا سياسيًا أوسع من الخلاف على قانون واحد.
مَن يملك فتح باب الانتخابات المبكرة؟
لا يمنح الدستور أي كتلة نيابية صلاحية إنهاء ولاية مجلس النواب، كما أن استقالة عدد من النواب لا تؤدي تلقائيًا إلى حل المجلس، إذ تُملأ المقاعد الشاغرة، في الأصل، عبر انتخابات فرعية. لكن الوصول إلى انتخابات مبكرة يمكن أن يسلك طريقين مختلفين: أن يقر المجلس قانونًا يقصّر ولايته، أو أن يُحل قبل انتهائها وفق الآلية الاستثنائية التي تحددها المادة 55.
في المسار الأول، يعود القرار عمليًا إلى مجلس النواب نفسه، من خلال إقرار قانون يلغي جزءًا من مدة التمديد ويحدد موعدًا جديدًا للانتخابات. ويكتسب هذا الطريق أهمية إضافية بقرار المجلس الدستوري الذي ردّ الطعون بقانون التمديد، لكنه حمّل مجلس النواب واجبًا وطنيًا ودستوريًا بالمبادرة فورًا إلى تقصير ولايته الممدّدة وإجراء الانتخابات عند زوال الظروف الاستثنائية التي بررت التأجيل.
أما المسار الثاني، فيمر عبر المادة 55 التي تمنح رئيس الجمهورية حق الطلب إلى مجلس الوزراء حل مجلس النواب قبل انتهاء ولايته، ضمن الحالات المحددة في المادتين 65 و77. وتحدد المادة 65 الحالة الأقرب إلى النقاش الحالي، إذ تجيز لمجلس الوزراء حل المجلس، بطلب من رئيس الجمهورية، إذا امتنع لغير أسباب قاهرة عن الاجتماع طوال عقد عادي كامل، أو طوال عقدين استثنائيين متتاليين لا تقل مدة كل منهما عن شهر. أما المادة 77، فتفتح مسارًا موازيًا مرتبطًا بخلاف على تعديل الدستور لا صلة له بالنقاش الحالي.
دستوريًا، لا يرقى سقوط نصاب جلسة واحدة جراء انسحاب كتلة إلى امتناع المجلس عن الاجتماع طوال عقد كامل. حتى تعطيل جلسات متفرقة لا يكفي وحده ما دام المجلس يعقد اجتماعاته ويمارس جزءًا من وظائفه. لذلك قد تعكس دعوة جعجع أزمة سياسية في أداء المجلس وشرعيته، لكنها لا تعني أن السبب الدستوري الموجب للحل قد تحقق.
هكذا يبدو تقصير الولاية بقانون الطريق الأقرب إلى انتخابات مبكرة في الظروف الراهنة، فيما يبقى حل المجلس محكومًا بشروط دستورية مرتفعة لا يوفرها سقوط نصاب جلسة أو الخلاف على قانون واحد. غير أن توافر الطريق القانوني لا يعني توافر الإرادة السياسية لسلوكه، إذ يحتاج تقصير الولاية إلى غالبية نيابية تقبل التراجع عن التمديد الذي أقرّته قبل أشهر.
لماذا تُطرح الانتخابات الآن؟
لا يمكن فصل توقيت دعوة "القوات اللبنانية" عن التمديد الذي أُقر قبل أشهر. فالقبول بتأجيل الانتخابات خلال الحرب لا يعني بالضرورة منح المجلس حصانة سياسية طوال السنتين، وخصوصًا إذا رأت قوة نيابية أن الظروف التي بررت التأجيل تغيّرت، أو أن المجلس الممدّد له لم يعد قادرًا على إنتاج القرارات التي تتطلبها المرحلة.
تحمل الدعوة أيضًا رهانًا على تبدل المزاج السياسي بعد الحرب والتحولات الإقليمية. فالعودة إلى صناديق الاقتراع قد تُطرح وسيلة لترجمة موازين جديدة، بدل إبقاء التمثيل النيابي محكومًا بنتائج انتخابات 2022. إلا أن هذا الرهان يبقى غير مضمون، لأن القوى الداعية إلى الانتخابات لا تستطيع التأكد مسبقًا من أن الناخبين سيكافئونها أو يعيدون إنتاج الخريطة التي تتوقعها.
أما ربط جعجع الانتخابات المبكرة بقمة واشنطن، فلا يثبت وجود قرار خارجي بإعادة تشكيل السلطة اللبنانية. الأرجح أن استحضار القمة يمنح المطلب الداخلي سياقًا سياسيًا أوسع، ويقدمه باعتباره جزءًا من انتقال لبنان إلى مرحلة جديدة. لكن تحويل هذا الربط إلى معطى حاسم يحتاج إلى مواقف أميركية واضحة لا تزال غير متوافرة.
ما الذي يحوّل الشعار إلى مسار؟
تحتاج الانتخابات المبكرة، في المسار الأقرب إلى الوقائع الحالية، إلى أكثرية نيابية مستعدة لإقرار قانون يقصّر الولاية الممدّدة ويحدد موعدًا جديدًا للانتخابات. ولا يكفي في هذا المسار القول إن المجلس فقد فاعليته أو إن تركيبته لم تعد تعكس المزاج الشعبي، إذ ينبغي أن يقترن المطلب بإثبات زوال الظروف الاستثنائية التي بررت التمديد، وهي الحالة التي ربط بها المجلس الدستوري واجب المبادرة إلى تقصير الولاية وإجراء الانتخابات.
أما إذا اتجه أصحاب الدعوة إلى حل مجلس النواب وفق المادة 55، فيحتاج الأمر إلى تبنٍّ من رئيس الجمهورية، وقرار من مجلس الوزراء بموافقة ثلثي عدد أعضائه المحدد في مرسوم تشكيله، إلى جانب تحقق إحدى الحالات الدستورية المحصورة. وهذا يعني أن سقوط نصاب جلسة أو الخلاف على قانون واحد لا يكفيان لفتح هذا الطريق، مهما ارتفع مستوى الاعتراض السياسي على أداء المجلس.
يضاف إلى ذلك حسم ما إذا كانت الانتخابات ستُجرى وفق القانون النافذ أو بعد تعديله، وتأمين القدرة الإدارية والمالية والأمنية على تنظيمها، ومعالجة أوضاع الدوائر التي شهدت نزوحًا ودمارًا. فالأسباب التي استُخدمت لتبرير التمديد في آذار لا تسقط بمجرد إطلاق دعوة سياسية اليوم، وتحتاج القوى المطالبة بالاقتراع إلى إثبات أن العوائق التي منعته أصبحت قابلة للحل.
حتى الآن، نجحت دعوة الانتخابات المبكرة في نقل أزمة جلسة 17 تموز من خلاف على النصاب إلى نقاش حول شرعية المجلس الممدّد له. لكنها لم تتحول بعد إلى مسار مكتمل، فشروط حل المجلس لا تظهر متحققة في الوقائع الحالية، فيما يبقى مسار تقصير الولاية بقانون معلّقًا على موافقة المجلس نفسه. وهنا تكمن المفارقة الأساسية: الجهة التي يُراد إنهاء ولايتها هي نفسها التي تملك المسار الأسهل لتقديم موعد الانتخابات.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|