للقدس سلام آتٍ.. وللبنان سلام آتٍ
كان الأخوان عاصي ومنصور الرحباني رؤيويين عندما كتبا قصيدة “القدس” وغنّتها السيدة فيروز، كانا يريان ما لم يره الآخرون، خصوصًا في مقطع القصيدة الذي يقول: “للقدس سلام… آتٍ”، لم يكونا يصفان واقعًا قائمًا، بل كانا يستشرفان مستقبلًا اعتقد كثيرون بأنه مستحيل. فالتاريخ لا يصنعه الذين يستسلمون للوقائع الجامدة، بل الذين يقرأون اتجاهاته العميقة. واليوم، وبعد عقود من الحروب والانهيارات والتبدلات الكبرى في الشرق الأوسط، يبدو أنّ عبارة الأخوين رحباني تصلح أكثر من أي وقت مضى لوصف العلاقة بين لبنان وإسرائيل، السلام آتٍ، ليس لأنه مرغوب من الجميع، بل لأنه أصبح الخيار الوحيد المتبقي.
قد يرفض البعض سماع هذه الحقيقة. وقد يهاجمها آخرون باعتبارها خروجًا على المسلمات السياسية التي حكمت لبنان لعقود. لكن السياسة لا تُبنى على الأمنيات، بل على الوقائع. والواقع يقول إنّ الشرق الأوسط الذي عرفناه قبل خمسين عامًا لم يعد موجودًا. والواقع يقول أيضًا إنّ معظم الدول العربية انتقلت من مرحلة الصراع المفتوح إلى مرحلة إدارة المصالح، بينما لا يزال لبنان يدفع أثمان حروب لم يعد أحد في المنطقة مستعدًا لخوضها.
من المفارقات أنّ الدول العربية التي لا تربطها بإسرائيل أي حدود مباشرة سبقت لبنان إلى السلام. مصر فعلتها عام 1979 واستعادت كامل أراضيها المحتلة. الأردن فعلها عام 1994 وحوّل حدوده إلى منطقة استقرار. الإمارات والبحرين والمغرب اختارت إقامة علاقات طبيعية مع إسرائيل رغم عدم وجود نزاع حدودي بينها وبينها. بل إنّ دولًا عربية أخرى باتت تتحدث مع إسرائيل بصورة مباشرة أو غير مباشرة انطلاقًا من حسابات المصلحة الوطنية.
أما لبنان، الدولة التي تملك حدودًا مباشرة مع إسرائيل، فما زال يتصرف وكأنّ الزمن توقف عند سبعينيات القرن الماضي. والسؤال البديهي الذي يفرض نفسه هو: لماذا يجب أن يكون لبنان استثناءً؟ ما هو المنطق الذي يجعل دولة صغيرة منهكة اقتصاديًا وماليًا وديموغرافيًا تتمسك بحالة حرب دائمة، بينما اختارت دول أكبر وأقوى وأكثر تأثيرًا في العالم العربي طريق التسويات؟
هل أنتجت الحرب ازدهارًا للبنان؟
هل أعادت بناء اقتصاده؟
هل منعت الانهيار المالي؟
هل أوقفت هجرة شبابه؟
هل حمت سيادته؟
الجواب يعرفه كل لبناني.
لقد خسر لبنان في العقود الأخيرة ما لم يخسره أي بلد آخر في المنطقة. خسر اقتصاده ومؤسساته وموقعه المالي ودوره الإقليمي وجزءًا كبيرًا من نخبه. وبينما كانت دول المنطقة تتنافس على جذب الاستثمارات والتكنولوجيا والسياحة، كان اللبنانيون يعدّون خسائر الحروب المتتالية ويعيدون إعمار ما دُمّر في كل جولة جديدة من الصراع.
والأهم من ذلك أنّ لبنان ليس غريبًا عن فكرة التفاهم مع إسرائيل كما يحاول البعض تصوير الأمر.
في عام 1949 وقّعت الدولة اللبنانية اتفاقية الهدنة مع إسرائيل. لم يكن ذلك استسلامًا ولا خيانة، بل قرارًا سياديًا اتخذته الدولة لتنظيم العلاقة على الحدود الجنوبية وإنهاء الأعمال العسكرية. وظلت تلك الاتفاقية لعقود المرجعية القانونية الأساسية بين الطرفين.
وفي عام 1983 وقّعت الدولة اللبنانية اتفاق 17 أيار. قد يختلف اللبنانيون حول ظروفه وملابساته، لكن الحقيقة الثابتة هي أنّ الدولة اللبنانية قبلت مبدأ إنهاء حالة الحرب والتفاوض المباشر مع إسرائيل. لم يسقط الاتفاق لأنّ اللبنانيين رفضوا السلام، بل لأنه اصطدم بالوصاية السورية التي كانت تتحكم بمفاصل القرار اللبناني آنذاك.
ثم جاء اتفاق ترسيم الحدود البحرية عام 2022 ليؤكد مرة أخرى أنّ التفاوض ليس محرّمًا، وأنّ المصالح الوطنية قادرة على فرض نفسها عندما تتوفر الإرادة السياسية. يومها جلس لبنان وإسرائيل، ولو بصورة غير مباشرة، وتوصلا إلى اتفاق تاريخي سمح لكليهما باستثمار مواردهما البحرية وتجنب مواجهة كان يمكن أن تتحول إلى حرب جديدة.
إذا كانت الدولة اللبنانية قد وقّعت هدنة، ووقّعت اتفاقًا سياسيًا وأمنيًا، ووقّعت اتفاقًا لترسيم الحدود البحرية، فما الذي يمنعها غدًا من الانتقال إلى اتفاق سلام كامل؟
في الحقيقة، لا شيء يمنع ذلك سوى عقل سياسي يعيش في الماضي.
إنّ الذين يرفضون مجرد مناقشة فكرة السلام يتصرفون وكأنّ الحروب حققت انتصارات كبرى للبنان. والحقيقة أنّ لبنان كان غالبًا ساحة لحروب الآخرين أكثر مما كان طرفًا مستقلًا فيها. فالدولة لم تكن صاحبة قرار الحرب ولا قرار السلم، بل كانت تدفع الثمن في كل مرة يقرر فيها لاعب إقليمي استخدام الساحة اللبنانية لتصفية حساباته.
لقد أثبتت السنوات الأخيرة أنّ منطق “المقاومة الدائمة” لم يعد قادرًا على إنتاج دولة. وأنّ السلاح الموازي للدولة لم ينجح في بناء اقتصاد أو حماية عملة أو استعادة مؤسسات أو منع الانهيار. بل على العكس، تحول لبنان تدريجيًا إلى رهينة صراعات إقليمية لا علاقة لها بمصالح اللبنانيين المباشرة.
السلام ليس تنازلًا عن السيادة، بل استعادة لها، وليس هدية لإسرائيل، بل فرصة للبنان. وليس تخليًا عن القضية الفلسطينية، بل اعتراف بأنّ لكل دولة أولوياتها الوطنية ومسؤولياتها تجاه شعبها.
لقد دفعت أجيال لبنانية كاملة ثمن الحروب. ومن حق الجيل الجديد أن يسأل سؤالًا بسيطًا: إذا كان العرب الذين قاتلوا إسرائيل لعقود قد اختاروا السلام أو التهدئة أو التطبيع، فلماذا يُطلب من لبنان وحده أن يبقى في حالة حرب أبدية؟ التاريخ يتحرك في اتجاه واضح. والمنطقة تتحرك في اتجاه واضح. والمجتمع الدولي يتحرك في اتجاه واضح. وحتى الوقائع على الأرض تشير إلى أنّ منطق التسويات يتقدم على منطق المواجهات المفتوحة.
قد لا يأتي السلام غدًا. وقد لا يأتي بعد سنة أو سنتين. لكن المؤكد أنّ المستقبل يسير نحوه، وأنّ البديل عنه ليس النصر الموعود الذي يُروَّج له منذ عقود، بل المزيد من الاستنزاف والانهيار والعزلة.
ولهذا، فإنّ عبارة الأخوين رحباني تبدو اليوم أقرب إلى الوصف السياسي منها إلى الشعر:
َللقدس سلام… آتٍ، وللحدود الجنوبية سلام آتٍ ، وللبنان ككل سلام آتٍ قد يتأخر وصوله، لكن لا شيء في حركة التاريخ يوحي بأنه يمكن منعه إلى الأبد.
جان الفغالي -”هنا لبنان”
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|