ما يسعى إليه برّي لتمرير المرحلة سياسياً واقتصادياً
تكتسب الزيارات واللقاءات التي تشهدها عين التينة هذه الأيّام على المستويين المحلي والعربي أهمّية استثنائية، إذ لم تعد مجرد محطات بروتوكولية، بل تحوّلت إلى مؤشرات واضحة على حراك عربي متسارع يسعى إلى مواكبة الاستحقاقات اللبنانية وفتح صفحة جديدة من التعاون السياسي والدبلوماسي مع مختلف القوى الفاعلة.
وتأتي زيارة رئيس المجلس الوطني الاتحادي في دولة الإمارات العربية المتحدة صقر غباش أمس إلى رئيس مجلس النواب نبيه برّي، بالتزامن مع ترقّب استقبال رئيس المجلس في وقت قريب لموفدين من المملكة العربية السعودية ودولة قطر، لتؤكد أن لبنان عاد إلى دائرة الاهتمام العربي، وأن العواصم الخليجية تنظر إلى المرحلة الراهنة باعتبارها فرصة ينبغي استثمارها لترسيخ الاستقرار وإعادة إطلاق مسار التعافي السياسي والاقتصادي.
ولا يمكن قراءة هذا الحراك بمعزل عن التحوّلات التي تشهدها المنطقة، حيث تتجه غالبية الدول العربية إلى تكريس مناخات الحوار وتخفيف حدة التوترات الإقليمية، انطلاقاً من قناعة بأن استقرار لبنان يشكّل جزءاً من الاستقرار العربي، وأن أي اهتزازا داخليا فيه ستكون له انعكاسات تتجاوز حدوده الجغرافية.
وفي هذا المشهد، يبرز برّي بوصفه أحد أبرز العناوين السياسية القادرة على إدارة الحوار مع مختلف الأطراف، داخلياً وخارجياً، مستنداً إلى تجربة سياسية طويلة وعلاقات عربية متينة نسجها على امتداد عقود. فالرجل الذي حافظ على خطوط تواصل مفتوحة مع معظم العواصم العربية ولا سيما مع المملكة العربية السعودية ، نجح في تكريس صورة السياسي الذي يفضّل التسويات على المواجهات، والحوار على القطيعة، وهو ما جعله يحظى باحترام واسع لدى العديد من القيادات العربية، وجعل الرئيس الأميركي دونالد ترامب يأتي على ذكره إيجابا لدى لقائه الرئيس جوزاف عون في البيت الابيض الأسبوع الفائت.
وتكتسب العلاقة مع المملكة العربية السعودية أهمية خاصة في هذه المرحلة، بعدما شهدت خلال الأشهر الأخيرة مؤشرات إيجابية متزايدة تعكس رغبة متبادلة في إبقاء قنوات التواصل مفتوحة وتعزيز مناخ الثقة. وقد عكس الخطاب الإيجابي الذي اعتمده الرئيس بري تجاه المسؤولين السعوديين، ولا سيما الأمير يزيد بن فرحان، مناخاً مختلفاً يقوم على الاحترام المتبادل والإدراك المشترك لأهمية الدور العربي في حماية لبنان ومساعدته على تجاوز أزماته.
ولا ينطلق هذا التقارب من اعتبارات ظرفية، بل من قناعة راسخة بأن المملكة العربية السعودية تمثل ركيزة أساسية في النظام العربي، وأن دورها في دعم لبنان كان دائماً محورياً في مختلف المراحل. وفي المقابل، تدرك الرياض أن نجاح أي مشروع لإنقاذ لبنان يتطلب تواصلاً مع جميع القوى المؤثرة في الحياة السياسية، بما يسمح ببناء تفاهمات داخلية تساعد على تنفيذ الإصلاحات المطلوبة وتعزيز مؤسسات الدولة.
أما الإمارات العربية المتحدة، فقد أثبتت خلال السنوات الماضية أنها من بين الدول العربية الأكثر حرصاً على الوقوف إلى جانب لبنان، سواء عبر الدعم الإنساني أو المبادرات التنموية أو المواقف السياسية الداعمة لاستقراره. ومن هنا، فإن زيارة صقر غباش إلى عين التينة والسراي أمس تحمل رسائل تتجاوز إطار المجاملة السياسية، لتعكس استمرار الرهان الإماراتي على الحوار مع مختلف المكوّنات اللبنانية، وإيمان أبوظبي بأن المرحلة المقبلة تحتاج إلى تضافر الجهود العربية من أجل مساعدة لبنان على استعادة توازنه.
كما تعكس هذه الزيارة المكانة التي يتمتع بها الرئيس بري في العلاقات العربية، إذ استطاع على مدى سنوات طويلة أن يحافظ على شبكة واسعة من الاتصالات الخليجية والعربية، وأن يبقي خطوط التواصل مفتوحة حتى في أصعب الظروف، انطلاقاً من إيمانه بأن لبنان لا يستطيع أن ينهض بعيداً عن عمقه العربي، وأن استعادة الثقة العربية تمثل المدخل الأساسي لأي عملية إنقاذ اقتصادي واستثماري.
ولا يخفى أن لبنان يقف اليوم أمام تحدّيات معقّدة، تبدأ من ضرورة تثبيت الأمن والاستقرار، ولا تنتهي عند إطلاق ورشة الإصلاحات الاقتصادية والمالية وإعادة الإعمار، وعودة النازحين واستعادة ثقة المجتمعين العربي والدولي. وهذه الملفات جميعها تحتاج إلى مظلة سياسية عربية قادرة على توفير الدعم والمساندة، وهو ما يفسر تكثيف الاتصالات الخليجية مع المسؤولين اللبنانيين في هذه المرحلة.
كما أن هذا الانفتاح العربي ينسجم مع المناخ السياسي الداخلي الذي يقوم على تعزيز دور الدولة ومؤسساتها، وإعادة الاعتبار للدبلوماسية اللبنانية كوسيلة لبناء أفضل العلاقات مع الأشقاء العرب، بعيداً عن منطق المحاور والانقسامات. فكلما تعززت الثقة بين لبنان والدول العربية، ازدادت فرص جذب الاستثمارات، وتحريك عجلة الاقتصاد، وفتح أبواب الدعم والمساعدة أمام القطاعات الحيوية التي أنهكتها سنوات الأزمات.
ومن هنا، تبدو عين التينة اليوم واحدة من أبرز محطات هذا الحراك العربي، ليس فقط لأنها تستقبل مسؤولين وموفدين من دول شقيقة، بل لأنها تعكس اقتناعاً عربياً متزايداً بأنّ برّي لا يزال يشكّل ركناً أساسياً في إدارة التوازنات اللبنانية، وشريكاً يمكن التعويل عليه في تسهيل التفاهمات الوطنية وتهيئة المناخات اللازمة للاستقرار.
ولا يقتصر هذا الدور على الداخل اللبناني، بل يمتد إلى المساهمة في إعادة ترميم الجسور بين لبنان ومحيطه العربي، وهي مهمة تبدو أكثر إلحاحاً في ظل المتغيّرات الإقليمية المتسارعة. فلبنان يحتاج اليوم إلى سياسة انفتاح واسعة، وإلى خطاب جامع يعيد التأكيد أن مصلحته الوطنية تكمن في أفضل العلاقات مع أشقائه العرب، وأنّ أي مشروعا للنهوض لا يمكن أن ينجح من دون احتضان عربي حقيقي.
وعليه، فإنّ الحركة الدبلوماسية التي تشهدها عين التينة خلال الأيّام الحالية ليست مجرد سلسلة لقاءات متفرّقة، بل تشكّل جزءاً من مسار سياسي عربي أوسع يرمي إلى إعادة تثبيت لبنان في قلب محيطه العربي، وإلى توفير شبكة أمان سياسية واقتصادية تساعده على عبور المرحلة الدقيقة التي يمرّ بها.
حسين زلغوط -اللواء
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|