محليات

حين يدفع الشعب كلفة القرار

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

من غزة إلى جنين، ومن رفح إلى نابلس، لا صوت يعلو فوق صوت القصف والموت والجوع. مشاهد الكارثة لم تعد أخباراً طارئة، بل تحولت إلى واقع يومي: عائلات بأكملها تُدفن تحت الركام، ومئات الآلاف مشرّدون بلا مأوى، وأطفال ينامون في العراء، ولا شيء أمامهم سوى رماد بيوتهم وذاكرة أماكن دُمّرت.

وسط هذا المشهد المأساوي، يستمر الخطاب السياسي في الحديث عن «الانتصارات»، و«التوازنات»، و«الرسائل السياسية»، فيما يواصل الشعب دفع الثمن الأكبر من دمه وبيوته ومستقبله.

لكن السؤال الذي لا يمكن تأجيله هو: إلى متى يمكن أن يستمر أي مشروع تحرر وطني إذا أصبح الشعب الذي يُفترض أن يتحرر هو الطرف الأقل حضوراً في تحديد الخيارات التي ترسم مصيره؟

ليس السؤال هنا ما إذا كان الاحتلال هو المسؤول الأول عن المأساة. فذلك أمر لا يحتاج إلى جدل. الاحتلال، بما يمارسه من قتل وتهجير وتدمير، يتحمل المسؤولية الأساسية عن الجريمة المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني. لكن الاعتراف بهذه الحقيقة لا يعني أن كل من يملك قراراً أو يدّعي تمثيلاً يصبح محصّناً من المساءلة. فالمسؤوليات ليست متساوية، لكن المساءلة لا يجوز أن تكون انتقائية.

من يملك قراراً عسكرياً يُسأل عن قراره ونتائجه. ومن يملك سلطة سياسية يُسأل عن خياراته وعجزه. ومن يحتكر التمثيل يُسأل عن شرعية هذا الاحتكار. أما الشعب، فلا يجوز أن يبقى الطرف الوحيد الذي يدفع الثمن من دون أن يكون له حق السؤال.

المقاومة حق… لكن لا شيء فوق المساءلة

لا شك أن النضال ضد الاحتلال، بأشكاله المختلفة، حق مشروع للشعوب الواقعة تحت الاحتلال، وأن المقاومة المسلحة شكّلت تاريخياً أحد أركان النضال الفلسطيني. ولا يجوز إنكار تضحيات المقاومين، أو اختزال المقاومة في صورة قيادة منفصلة عن الخطر.

هناك مقاومون يقاتلون ويستشهدون. وهناك قيادات تتعرض للخطر والاستهداف وتدفع أثماناً مباشرة للصراع. وهذه كلها حقائق لا يجوز تجاهلها في أي نقاش جاد.

لكن الاعتراف بالتضحيات لا ينهي النقاش، بل يفتح سؤالاً آخر: كيف تُتخذ القرارات؟ ومن يشارك في تحديد كلفتها؟ ومن يملك حق تقييم نتائجها؟ وهل يمكن للتضحية الشخصية، مهما كانت حقيقية، أن تجعل القرار السياسي أو العسكري محصّناً من النقد؟

المشكلة ليست في افتراض أن القيادة لا تتعرض للخطر، ولا في المقارنة السطحية بين من يقاتل ومن لا يقاتل. المشكلة في الفجوة بين من يملك القدرة على اتخاذ القرار وبين المجتمع المدني الذي يتحمل، في نهاية المطاف، الجزء الأكبر من آثار الحرب: القصف والنزوح والجوع وانهيار الخدمات وفقدان المأوى.

هنا لا يعود السؤال موجهاً إلى مبدأ المقاومة، بل إلى العلاقة بين القرار والكلفة.

هل يملك الشعب حق معرفة البدائل التي كانت مطروحة؟

هل يملك حق تقييم النتائج؟

هل يملك حق السؤال عن معنى النصر، لا بوصفه شعاراً سياسياً، بل بوصفه واقعاً يعيشه الناس في بيوتهم ومخيماتهم ومستشفياتهم؟

المقاومة التي تفقد صلتها بالناس لا تفقد بالضرورة مشروعيتها التاريخية دفعة واحدة، لكنها تبدأ في فقدان شرط أساسي من شروط شرعيتها السياسية: أن تكون أداة في خدمة المجتمع، لا سلطة فوقه.

فالاحتلال لا يمنح القيادة حصانة من النقد، كما أن التضحيات لا تمنح القرار حصانة من المساءلة.

قيادة الداخل: بين القيود والعجز والمسؤولية

ولأن المساءلة لا ينبغي أن تتحول إلى انتقائية، فإن النقد يجب أن يطال مختلف البنى السياسية الفلسطينية، ولكن من دون تجاهل اختلاف مواقعها ومسؤولياتها وقدراتها.

فالسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية تعمل ضمن واقع احتلالي معقد، وتواجه قيوداً سياسية وأمنية واقتصادية حقيقية. ولا يمكن اختزال موقعها في معادلة بسيطة تجعلها مسؤولة عن كل ما يحدث، أو مساوية في موقعها ومسؤوليتها للجهات التي تملك القرار العسكري المباشر.

لكن الاعتراف بهذه القيود لا يعفيها من الأسئلة السياسية المتعلقة بفاعليتها، وبقدرتها على تمثيل الشعب، وبخياراتها، وبمدى امتلاكها رؤية وطنية تتجاوز إدارة الواقع القائم.

فمحدودية القدرة لا تعني انعدام المسؤولية.

وفي المقابل، فإن القوى التي تملك القدرة على اتخاذ قرارات عسكرية كبرى لا يمكنها أن تعفي نفسها من المساءلة بحجة أن الاحتلال هو المسؤول وحده عن النتائج. فوجود الاحتلال يفسر كثيراً من المأساة، لكنه لا يلغي مسؤولية كل جهة عن قراراتها، ولا يعفي أي قيادة من سؤال البدائل والنتائج والكلفة التي يتحملها المدنيون.

ولذلك لا ينبغي أن يتحول النقاش إلى مباراة في توزيع الوطنية والخيانة، أو إلى سجال فصائلي يختزل المأساة في مواجهة بين طرفين، ويعفي الجميع من السؤال الأهم: من يملك القرار، ومن يتحمل مسؤوليته، ومن يملك حق مساءلته؟

ليست كل الأطراف متساوية في القوة أو القرار أو المسؤولية.

لكن لا توجد قيادة فوق المساءلة.

ما بعد احتكار الفصائل للتمثيل

لقد تعب الشعب من خيبات من يتحدثون باسمه من دون تفويض، وممّن يحتكرون التمثيل من دون مساءلة.

ولا يعني هذا أن الحل يكمن في إلغاء الفصائل، فذلك غير واقعي ولا يعكس طبيعة المجتمع الفلسطيني وتاريخه السياسي. كما أن الفصائل، بما لها من تاريخ وتضحيات وقواعد شعبية، لا يمكن محوها بقرار أو استبدالها بشعارات جديدة.

لكن ما لم يعد مقبولاً هو أن تتحول الفصائل إلى المالك الحصري للقرار الوطني والتمثيل السياسي.

فالمشكلة ليست في وجود التنظيمات، بل في أن يصبح وجودها سبباً لمنع المجتمع من إنتاج أطر جديدة، أو إعادة تقييم خياراته، أو توسيع دائرة المشاركة في القرار.

إذا كانت البنى السياسية القائمة عاجزة عن قيادة المرحلة، فلماذا لا تُطرح رؤية بديلة؟

ولماذا لا يُعاد تشكيل أطر وطنية تمثيلية تضم القوى السياسية، ولكنها لا تُختزل فيها؟

أطر تنبع من المجتمع المدني، والأحياء، والمخيمات، والنقابات، والجامعات، والشتات، والفعاليات المستقلة، وتعيد بناء العلاقة بين الشعب ومن يتحدث باسمه.

ربما حان الوقت لجبهة وطنية جديدة، مدنية ومستقلة في قرارها، لا تكون بديلاً عن المجتمع السياسي بقدر ما تكون إطاراً يحدّ من احتكار الفصائل للتمثيل، ويعيد تعريف المشروع الوطني على أساس أن مصلحة الشعب تسبق مصلحة التنظيم.

فالنقد وحده لا يصنع التغيير. والمطلوب ليس فقط إسقاط رموز الفشل، بل بناء أطر تمثيلية حقيقية تنبثق من نبض الناس، لا من توازنات الفصائل أو إرادات الخارج.

المقاومة الشعبية: حين يصبح الشعب شريكاً في القرار

لسنا أمام خيارين فقط: فشل الفصائل أو الصمت.

هناك خيار ثالث طالما جرى تهميشه: المقاومة الشعبية، لا بوصفها بديلاً سحرياً عن كل أشكال النضال، ولا باعتبارها طريقاً سهلاً أو خالياً من المخاطر، بل بوصفها جزءاً من استراتيجية وطنية متعددة الأدوات.

فالمقاومة الشعبية يمكن أن تعني:

– تنظيم الأحياء واللجان الأهلية.

– بناء أشكال مستدامة من العصيان المدني والمواجهة المدنية للاحتلال.

– مقاومة منظومات السيطرة والتمييز والاحتلال بالوسائل القانونية والسياسية والشعبية الممكنة.

– تطوير أشكال من الاعتماد الذاتي والتكافل المجتمعي، وتقليل التبعية الاقتصادية حيثما أمكن.

– مبادرات ذاتية لإعادة بناء ما يمكن، وتعليم الأطفال في ظروف الطوارئ، وتوفير الخدمات من الشعب إلى الشعب.

لكن هذه الأدوات لا ينبغي تقديمها بوصفها وصفة سحرية أو بديلاً مضموناً. فالاحتلال قد يواجهها بالقمع والاعتقال والعنف.

غير أن قيمتها الأساسية تكمن في أنها تعيد للشعب دوره بوصفه فاعلاً في مشروع التحرر، لا مجرد متلقٍّ لقرارات الفصائل ومصدراً للتضحيات.

فليست البنادق وحدها ما يصنع التحرر.

قد يكون مفتاح الكرامة في يد طفل يرفض الانحناء، أو في أم تصر على تعليم أبنائها تحت الخيام، أو في مجتمع يرفض أن يتحول إلى مجرد ضحية تنتظر قرارات الآخرين.

والمقاومة التي لا تجعل المجتمع شريكاً في مشروع التحرر تظل معرضة لأن تتحول، مع الوقت، إلى مشروع يُدار باسم الناس من دون مشاركتهم.

دور الشتات: طاقة خارج القرار

الجاليات الفلسطينية في الخارج، المنتشرة في أوروبا والأردن ولبنان والأمريكتين، تملك قدرات بشرية وتنظيمية ومالية وسياسية هائلة، لكنها لا تزال، إلى حد كبير، خارج البنية الفعلية لصنع القرار الوطني.

أليس من حق هذا الشتات أن يكون جزءاً من القرار؟

أليس هو امتداد فلسطين خارج حدودها الجغرافية؟

لماذا لا تُنظَّم مؤتمرات شعبية للشتات، لا بإشراف الفصائل وحدها، بل بإرادة مستقلة تتيح إعادة رسم العلاقة بين الداخل والخارج؟

ولماذا لا يكون الشتات مصدراً لدعم مباشر وشفاف للناس، بعيداً عن البيروقراطيات المغلقة والوساطات السياسية التي قد تحوّل المساعدة إلى أداة نفوذ؟

الشتات ليس ديكوراً إعلامياً للقضية، ولا خزّاناً مالياً يُستدعى عند الحاجة. إنه جزء من الشعب، ومن حقه أن يكون شريكاً في النقاش حول مستقبل المشروع الوطني.

وكما لا ينبغي أن يكون الداخل مجرد متلقٍّ لقرارات الخارج، لا ينبغي أن يبقى الشتات مجرد جمهور يُستدعى للتأييد أو التمويل.

بين الخطاب والميدان: من يملك حق تعريف النصر؟

الخطاب السياسي الفلسطيني يعاني من فجوة متزايدة بين اللغة والواقع.

من يتحدث باسم الناس قد يشاركهم الخطر، لكنه لا يعيش بالضرورة كل النتائج التي يعيشونها. ومن يفاوض باسمهم قد يعمل ضمن قيود حقيقية، لكنه لا يعفيه ذلك من سؤال التمثيل. ومن يعلن الانتصار قد يكون مؤمناً بما يقول، لكن الشعب يظل صاحب الحق في أن يجيب: ماذا يعني هذا الانتصار بالنسبة إلينا؟

فالشعب الفلسطيني اليوم لا يحتاج إلى خطابات طويلة عن المقاومة وحدها.

يحتاج إلى بيت يأويه، ولقمة تسد جوع أطفاله، ودواء لمريضه، ومدرسة لأبنائه، وأفق سياسي لا يعيده إلى الحلقة ذاتها من الانقسام والدمار.

ولا يعني هذا أن التحرر يمكن اختزاله في الخدمات، أو أن مقاومة الاحتلال يمكن استبدالها بإدارة إنسانية للأزمة.

لكن المشروع الوطني الذي لا يستطيع حماية المجتمع، أو الحفاظ على تماسكه، أو إنتاج أفق سياسي، يحتاج إلى مراجعة أدواته وخياراته.

فالنصر ليس كلمة تعلنها القيادة وحدها.

والهزيمة ليست كلمة يفرضها الخصم وحده.

والشعب، في النهاية، ليس متلقياً سلبياً لتعريفات الآخرين.

الشعب أولاً… وشريكاً في القرار

المقاومة الحقيقية لا تنفصل عن الناس، ولا تتحول إلى سلطة فوقهم، ولا تُدار من وراء الميكروفونات وحدها.

والمشروع الوطني لا يُبنى فقط في غرف القيادة، بل يُختبر في المستشفيات المزدحمة، وخيام النزوح، وطوابير الخبز، ومدارس الطوارئ، وبين الأمهات اللواتي يحاولن حماية أطفالهن من الجوع والخوف والموت.

الشعب الفلسطيني ليس خزاناً بشرياً للتضحيات المجانية، وليس حقل تجارب للخطابات السياسية.

هو شعب حر وواعٍ، ومن حقه أن يُسائل، وأن يرفض، وأن يطلب تفسيراً، وأن يشارك في تحديد الطريق.

كفى أن يكون الشعب موضوعاً للقرار.

يجب أن يكون شريكاً فيه.

فالمقاومة التي لا تنفصل عن شعبها لا تخشى النقد. والمشروع الذي يثق بجماهيريته لا يخاف من المساءلة. والسلطة التي تعترف بحدود قدرتها لا ينبغي أن تخشى السؤال عن مسؤوليتها.

أما حين تتحول القيادة إلى بنية مغلقة، أو المقاومة إلى شعار يمنع السؤال، أو السلطة إلى إدارة للعجز، فإن الخطر لا يعود في الاحتلال وحده، بل في أن تفقد القضية نفسها قدرتها على تجديد أدواتها وشرعيتها.

خاتمة: لا مقاومة فوق الشعب ولا سلطة فوق المساءلة

إن المسألة ليست في كسر إرادة المقاومة، ولا في نزع حق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال، بل في الحفاظ على هذه الإرادة حية وراسخة ضمن مشروع تحرر وطني شامل، يتعلم من تجربته، ويطور أدواته، ويعيد تقييم خياراته، ويتكيف مع المتغيرات.

والأهم: ألا يفرّط بشعبه، وألا يتعامل مع حياته بوصفها كلفة تلقائية لأي قرار سياسي أو عسكري.

فالمقاومة ليست قيمة مطلقة بمعزل عن الإنسان الذي يُفترض أن تحرره. والاحتلال لا يلغي مسؤولية من يملك القرار. والتضحيات لا تلغي حق الناس في المساءلة. ومحدودية القدرة لا تعني انعدام المسؤولية.

والمشروع الوطني لا يُقاس فقط بقدرته على القتال، بل أيضاً بقدرته على حماية المجتمع، والحفاظ على تماسكه، وإنتاج أفق سياسي، وتجديد شرعيته، وإبقاء القرار الوطني خاضعاً للمساءلة.

حين تنفصل المقاومة عن شعبها، وتتحول إلى سلطة فوقه، تبدأ في فقدان المعنى الذي قامت من أجله.

وحين يصبح الشعب مجرد وقود للصراع، فإن القضية نفسها تكون قد بدأت تخسر جوهرها.

فالمقاومة التي لا تحمي شعبها، ولا تسمح بمساءلتها، ولا تطور أدواتها السياسية والميدانية، لا تُهزم بالضرورة في يوم واحد، لكنها تبدأ في استنزاف شرعيتها من الداخل.

والسلطة التي تتحول إلى إدارة دائمة للعجز تفقد، هي الأخرى، قدرتها على إقناع الناس بأنها تمثل طريقاً وطنياً قابلاً للحياة.

أما الفصائل التي تعتبر تاريخها وتضحياتها بديلاً عن التفويض المتجدد، فإنها تخاطر بتحويل الشرعية التاريخية إلى احتكار دائم للقرار.

والمسؤولية، في النهاية، ليست واحدة بين الجميع.

لكنها موجودة عند الجميع.

والشعب، مهما طال صبره، لا ينبغي أن يبقى إلى الأبد خارج القرار.

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا