خاص

خطر تحت المنازل... هل يواجه الجيش اللبناني أصعب اختبار أمني في الجنوب؟

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

لم تعد المعركة في الجنوب على الأرض وحدها، فالمشهد الأمني الذي ينتظر الدولة يتجاوز الطرقات والبلدات والنقاط العسكرية، ليصل إلى مساحة لا يمكن رصدها بالعين المجردة، حيث يمكن لمدخل صغير أن يقود إلى منشأة واسعة، وقد تختفي خلف منزل أو أرض زراعية شبكة كاملة من الممرات التي لا تظهر في أي خريطة عادية.

هذا الواقع يضع الجيش اللبناني أمام واحدة من أكثر المهمات تعقيدا في المرحلة المقبلة، فالمطلوب ليس فقط الانتشار في القرى والبلدات، وإنما معرفة ما يوجد تحتها أيضا، خصوصا في مناطق تحمل تاريخا طويلا من النشاط العسكري والتحصينات والمنشآت المحفورة داخل الصخور.

وفي هذا السياق، عاد اسم زوطر الغربية إلى الواجهة بعد التوغل الإسرائيلي الذي حصل أمس، في وقت كانت البلدة قد دخلت ضمن المناطق التي يجري التعامل معها كمساحة اختبار للترتيبات الميدانية الجديدة، بعدما انتشر الجيش اللبناني فيها قبل أيام، ما يفتح الباب أمام أسئلة تتصل بطبيعة المرحلة المقبلة، ومدى قدرة الدولة على فرض حضورها الكامل في منطقة لا تقتصر تحدياتها على ما يظهر فوق سطح الأرض.

المفارقة أن ملف الأنفاق لا يبدأ من زوطر ولا ينتهي عندها، إذ إن التطورات الأخيرة أعادت الاهتمام بمنظومة واسعة من المنشآت تحت الأرض، بعدما أعلنت إسرائيل العثور على منشأة كبيرة في محيط قلعة الشقيف، وقدمتها باعتبارها موقعا جرى العمل على تجهيزه لسنوات طويلة، ويضم مساحات مخصصة للإقامة والتخزين، إلى جانب غرف عمليات ومرافق أخرى، في صورة توحي بأن الحديث لا يدور عن حفرة منفردة أو ممر محدود.

وبحسب معلومات القناة 23 حول طبيعة المنطقة، فإن البحث في هذا الملف قد يتطلب النظر إلى مساحة جغرافية أكبر، تمتد من محاور قريبة من مجدل زون باتجاه الحدود، وصولا إلى تلة علي طاهر ومناطق جبلية أخرى، مع بقاء احتمالات وجود منشآت مرتبطة ببعضها أو متفرعة عن نقاط رئيسية، وفقا لطبيعة الأعمال التي نفذت في مراحل مختلفة.

وهنا تبرز صعوبة المهمة أمام الجيش، إذ لا يمكن التعامل مع كل منشأة تحت الأرض بالطريقة نفسها، فالمنشأة الموجودة في منطقة جبلية مفتوحة تختلف جذريا عن مدخل مخفي داخل منزل أو بناء سكني، كما أن وجود ممرات محتملة تحت الطرقات أو الأراضي الخاصة يفرض قواعد مختلفة للتعامل معها.

ويشرح مدير العمليات السابق في الجيش اللبناني العميد المتقاعد مارون حتي أن ملف الأنفاق يحتاج إلى معالجة دقيقة تأخذ في الاعتبار اختلاف طبيعة المنشآت ومواقعها، إذ قد تكون بعض البنى مرتبطة مباشرة بالمناطق السكنية، فيما تقع منشآت أخرى في مناطق جبلية بعيدة عن التجمعات، ما يجعل آليات الكشف والمعالجة مرتبطة بخصوصية كل موقع.

وفي قراءة عسكرية لجغرافية الجنوب، تبرز مناطق مثل مجدل زون وتلة علي طاهر وجبل الريحان ضمن نطاقات تحتاج إلى متابعة دقيقة، خصوصا أن طبيعة الأرض الجبلية تسمح بإنشاء منشآت أكثر اتساعا، بينما يمكن أن تكون هناك في المقابل ممرات أصغر مرتبطة بالقرى أو بالمباني الموجودة داخلها.

المعضلة الأكثر حساسية بحسب خبير عسكري آخر  تبدأ عندما يصبح مدخل المنشأة جزءا من ملكية خاصة، فكيف يمكن تنفيذ عملية تفتيش داخل منزل من دون أن تتحول المسألة إلى احتكاك مع صاحبه؟ وماذا يحصل إذا كانت هناك معلومات عن مدخل محتمل تحت بناء سكني أو داخل أرض زراعية؟ وهل يمتلك الجيش آلية واضحة تسمح له بالتحرك بسرعة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على حقوق السكان ومنع أي حادث ميداني من التحول إلى أزمة أكبر؟.

هذه الأسئلة تكتسب وزنا إضافيا في المناطق التي يجري التعامل معها كنماذج للمرحلة الجديدة، إذ إن نجاح الانتشار لا يقاس فقط بعدد العناصر الموجودة على الأرض، وإنما بمدى قدرة الجيش على ممارسة سلطة فعلية في كل المساحات التي تقع ضمن نطاق مسؤوليته، بما فيها المنشآت التي لا تظهر للعلن.

ومن هنا، فإن زوطر الغربية يشير الخبير عينه لموقعنا قد تكون أمام اختبار يتجاوز حدودها، خصوصا مع دخول الجيش إليها وانتشاره في محيطها، في وقت أعاد التوغل الإسرائيلي الأخير تسليط الضوء على طبيعة التحديات التي تواجهها الترتيبات الميدانية الجديدة، وما إذا كانت الدولة اللبنانية قادرة على إدارة ملف أمني معقد يتداخل فيه العامل العسكري مع الجغرافيا والسكان والملكيات الخاصة.

أما على مستوى الجنوب الأوسع، فتتوزع الأسئلة على أكثر من محور، من بزوطر وفرون وصريفا، إلى مجدل زون وتلة علي طاهر، وصولا إلى جبل الريحان ومحيط قلعة الشقيف، وهي مناطق تختلف في تضاريسها وطبيعة عمرانها، ما يجعل أي حديث عن شبكة واحدة يحتاج إلى إثبات ميداني دقيق، فيما يبقى احتمال وجود منشآت متفرقة أو مترابطة جزءا من علامات الاستفهام التي تحيط بالملف.

والأخطر أن اكتشاف منشأة واحدة لا يقدم بالضرورة صورة كاملة عن كل ما يوجد في محيطها، إذ إن السؤال الأساسي يرتبط بمدى وجود ممرات إضافية، أو نقاط أخرى مرتبطة بها، أو منشآت منفصلة جرى إنشاؤها لأهداف مختلفة، وهذا ما يجعل عمليات المسح والكشف بحاجة إلى معلومات استخبارية دقيقة وقدرات هندسية متخصصة.

في المقابل، يجد حزب الله نفسه أمام استحقاق حساس مع اتساع الحديث عن المنشآت تحت الأرض، إذ إن استمرار الغموض حول مواقعها وطبيعتها قد يزيد من الضغوط على الدولة اللبنانية، خصوصا إذا أصبحت عملية الوصول إليها مرتبطة بمعلومات موجودة لدى جهات محلية، فيما يبقى مستوى التعاون في هذا الملف عاملا مؤثرا في سرعة المعالجة وحدودها.

المشهد المقبل في الجنوب قد يكون مختلفا عن كل ما سبقه، لأن الانتشار فوق الأرض يمكن مشاهدته وقياسه، فيما تبقى المساحة الواقعة تحت البيوت والحقول والمرتفعات أكثر تعقيدا وأقل وضوحا، وهنا تحديدا سيظهر الاختبار الحقيقي للدولة اللبنانية.

فالمطلوب أمام الجيش ليس مجرد الوصول إلى قرية أو تثبيت نقطة عسكرية، وإنما امتلاك القدرة على معرفة ما يوجد في العمق، وتحديد مواقع المنشآت، والتعامل معها ضمن إطار قانوني وميداني واضح، من دون أن تتحول عمليات البحث إلى صدام مع الأهالي أو إلى ذريعة لعودة التصعيد.

وعلى هذا الأساس، فإن ما جرى في زوطر الغربية قد يكون مجرد فصل من اختبار أكبر، عنوانه قدرة الجيش على الانتقال من الانتشار إلى الإمساك الفعلي بالجغرافيا، في وقت باتت فيه حدود المهمة تمتد من سطح الأرض إلى أعماقها، ومن الطريق العام إلى المنزل الخاص، ومن القرية إلى الجبل.

الجنوب اليوم أمام سؤال واحد يتفرع منه كل شيء: من يملك مفاتيح ما تحت الأرض؟ فإذا كانت الدولة تريد تثبيت حضورها الكامل، فإن التحدي لن يكون في السيطرة على المساحة التي تراها العين فقط، وإنما في الوصول إلى المساحة المخفية التي يمكن أن تبقى خارج أي رقابة، وتحديد ما إذا كانت مرحلة الأنفاق ستنتهي مع اكتشاف المواقع المعروفة، أم أن الجنوب لا يزال يخفي طبقات أخرى من هذا الملف.

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا