انهاء الحرب يسرّع الإصلاح ضمن مقاربة تعيد ترتيب أولويات الدولة
بدت المواقف التي أعلنها رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون مؤخرا، أقرب إلى إعلان عن فلسفة سياسية جديدة لإدارة المرحلة اللبنانية المقبلة. في توقيت تتداخل فيه الاستحقاقات الداخلية مع التحولات الإقليمية والدولية، الأمر الذي يجعل أي قراءة لها تتجاوز حدود الملفات التقنية المتعلقة بالإصلاح أو إعادة الإعمار، إلى محاولة رسم إطار سياسي كامل للعلاقة بين الأمن والاقتصاد والسيادة والدور الدولي.
ومن هنا، فإن أهمية هذه المواقف تكمن في الرسائل التي حملتها إلى الداخل والخارج معاً، باعتبار أن لبنان يحاول الانتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة بناء مشروع دولة قادر على استعادة ثقة اللبنانيين والشركاء الدوليين في آن واحد.
وتكشف القراءة السياسية أن الرئاسة تتجه إلى إعادة ترتيب أولويات الدولة على قاعدة أن التعافي الاقتصادي لم يعد ملفاً مالياً صرفاً، بل أصبح مشروعاً سياسياً متكاملاً، فيما تبدو كل الملفات الأخرى، من الجنوب إلى القضاء والقطاع المصرفي، حلقات مترابطة في رؤية واحدة تسعى إلى إنتاج استقرار طويل الأمد، بدلاً من الاكتفاء بمعالجة تداعيات الأزمات المتلاحقة.
تغيير المقاربة التقليدية
ويقول مصدر سياسي لـ"وكالة أخبار اليوم" إن "الرسالة الأساسية التي أراد رئيس الجمهورية إيصالها تتمثل في تغيير المقاربة التقليدية التي حكمت علاقة لبنان بالإصلاحات طوال السنوات الماضية. فبدلاً من تقديم الإصلاح على أنه استجابة لشروط المجتمع الدولي أو المؤسسات المالية، تعمد الرئاسة إلى تثبيت مفهوم مختلف يعتبر الإصلاح مصلحة لبنانية خالصة، لأن الانهيار أصاب بنية الدولة نفسها، ولم يعد ممكناً معالجته بمنطق التسويات أو الخطوات الجزئية".
ويضيف المصدر أن "هذا التحول يعكس إدراكاً رسمياً بأن التجارب السابقة أثبتت أن الإصلاحات التي تنطلق تحت ضغط خارجي غالباً ما تفقد استدامتها مع تبدل الظروف السياسية، بينما الإصلاح الذي يتحول إلى قناعة وطنية يصبح جزءاً من مشروع إعادة بناء الدولة. ولذلك كان التشديد على أن ما تحقق من خطوات سبق اندلاع الحرب، وأن توقف جزء من المسار كان نتيجة الظروف الأمنية وليس نتيجة تراجع الإرادة السياسية".
أزمة دولة أكثر منها أزمة مالية
ويرى المصدر أن "الرئاسة الاولى تعمدت أيضاً إعادة تعريف الأزمة اللبنانية باعتبارها أزمة دولة أكثر منها أزمة مالية. فالتركيز على الانتظام المالي واستعادة الثقة بالقطاع المصرفي لا يقتصر على معالجة خسائر المصارف أو حقوق المودعين، بل يرتبط بإعادة إنتاج الاقتصاد النظامي بعد سنوات توسع خلالها الاقتصاد الموازي بصورة غير مسبوقة. فكلما تراجع حضور الدولة ومؤسساتها، تمددت الأسواق غير المنظمة، وتحولت إلى بديل عن الاقتصاد الرسمي، وهو ما يعتبر أحد أخطر التحديات التي تواجه عملية إعادة بناء الدولة".
ويعتبر المصدر أن "الربط الذي أجراه رئيس الجمهورية بين الإصلاح المالي والسياسي يحمل دلالة استراتيجية، إذ إنه ينقل النقاش من فكرة معالجة الأزمة إلى فكرة منع إعادة إنتاجها. فالتعافي الاقتصادي، وفق هذه المقاربة، لن يتحقق مع ضخ أموال أو إطلاق برامج دعم، بل عبر إعادة بناء منظومة الثقة التي تبدأ بالمؤسسات، مروراً بالقضاء والإدارة، وصولاً إلى القطاع المالي، لأن الاقتصاد لا ينمو في بيئة يغيب عنها الاستقرار القانوني والمؤسساتي".
الأمن ينتج اقتصاداً
ويشير المصدر إلى أن "اللافت في الخطاب الرئاسي هو الانتقال من مقاربة الملفات كل على حدة إلى بناء معادلة متكاملة قوامها أن الأمن ينتج اقتصاداً، والاقتصاد يعزز الاستقرار، والاستقرار يفتح الباب أمام الاستثمار، والاستثمار يعيد تكوين الثقة بالدولة. وهذه السلسلة تعكس تحولاً في التفكير الرسمي من إدارة الأزمات اليومية إلى محاولة بناء دورة متكاملة للنهوض الوطني".
وفي الملف الجنوبي، يرى المصدر أن "الرئاسة الاولى لا تتعامل مع صيغة الإطار بوصفها تفاهم أمني فقط، بل باعتبارها منصة سياسية لإعادة تثبيت سلطة الدولة. ولذلك جاء التشديد على تنفيذها كاملاً، وربط إعادة الإعمار بها، لأن أي إعادة إعمار خارج مؤسسات الدولة ستعيد إنتاج ازدواجية السلطة والنفوذ التي شكلت أحد أبرز أسباب ضعف الدولة خلال العقود الماضية".
ويضيف المصدر أن "الإصرار على أن تتم إعادة الإعمار عبر الدولة اللبنانية حصراً يعكس قراراً سياسياً بمنع تعدد المرجعيات في مرحلة ما بعد الحرب، لأن الرئاسة تعتبر أن نجاح مشروع إعادة البناء لا يقاس بحجم الأموال التي ستنفق، بل بقدرة الدولة على استعادة دورها كمرجعية وحيدة لإدارة الموارد والبرامج الإنمائية، بما يعيد الاعتبار لمفهوم الدولة المركزية بعد سنوات من تراجع حضورها".
ويتابع المصدر أن "الإشارة إلى إيجاد بدائل اقتصادية واجتماعية لأبناء الجنوب، ولا سيما أبناء الطائفة الشيعية، تحمل بعداً سياسياً لا يقل أهمية عن بعدها الإنمائي، لأنها تعكس محاولة لربط الاستقرار الأمني بالتنمية المستدامة. فالرئاسة تدرك أن تثبيت أي تسوية سياسية يحتاج إلى بيئة اقتصادية واجتماعية قادرة على احتواء آثار الحرب وتوفير مقومات البقاء للسكان في مناطقهم".
ويؤكد المصدر أن "اللقاء الذي جمع رئيس الجمهورية بالرئيس الأميركي دونالد ترامب شكل محطة لتثبيت دعم دولي للمسار الذي تتبناه الرئاسة. فالتركيز على الانسحاب الإسرائيلي، وانتشار الجيش اللبناني، واعتماد المناطق النموذجية، يعكس توجهاً نحو بناء وقائع ميدانية تدريجية بدلاً من الرهان على حلول شاملة يصعب تنفيذها دفعة واحدة".
من إدارة النزاع إلى الاستثمار في السلام
ويشير المصدر إلى أن "دعوة رئيس الجمهورية إلى إنهاء الحرب نهائياً تكشف عن انتقال التفكير الرسمي من إدارة النزاع إلى الاستثمار في السلام. فالحرب، وفق هذه المقاربة، لم تعد محصورة في اطار تحد أمني، بل أصبحت العائق الأكبر أمام إعادة إطلاق الاقتصاد اللبناني، لأن أي مستثمر أو مؤسسة مالية أو جهة مانحة لن تضخ أموالها في بيئة مفتوحة على احتمالات التصعيد العسكري".
ويرى المصدر أن "اللافت أيضاً هو تقديم الإصلاح القضائي بوصفه المدخل الحقيقي لمعالجة الفساد، في وقت اعتادت فيه الحكومات السابقة التركيز على الإصلاح المالي وحده. فالرئاسة تنطلق من قناعة بأن غياب المحاسبة هو الذي سمح بتراكم الأزمات، وأن أي إصلاح اقتصادي لن يحقق أهدافه إذا بقي القضاء عاجزاً عن ملاحقة الفساد واستعادة هيبة القانون".
ويضيف المصدر أن "الحديث عن الحكومة الإلكترونية يعكس تحولاً في أدوات مكافحة الفساد، إذ تتجه الدولة إلى تقليص هامش التدخل البشري في المعاملات الإدارية، بما يؤدي إلى الحد من الرشى والمحسوبيات ويؤسس لإدارة أكثر شفافية. كما أن المكننة، في نظر الرئاسة، أصبحت جزءاً من الإصلاح السياسي وليس فقط تحديث تقني للإدارة".
ويؤكد المصدر أن "اعتراف رئيس الجمهورية بأن أربعة عقود من الفساد لا يمكن معالجتها سريعاً يحمل بعداً سياسياً مهماً، لأنه يخفض سقف التوقعات الواقعية ويؤسس لمسار إصلاحي طويل الأمد بدلاً من تقديم وعود يصعب تحقيقها. وفي الوقت نفسه، يشكل هذا الاعتراف رسالة إلى المجتمع الدولي بأن السلطة الحالية تدرك حجم التحديات ولا تسعى إلى تسويق صورة غير واقعية عن سرعة الإنجاز".
مرحلة ما بعد الحرب تحتاج إلى ضمانات
كما يرى المصدر أن "تمسك الرئاسة باستمرار وجود القوات الدولية في الجنوب، أو إيجاد قوة بديلة عند الضرورة، يعكس قراءة أمنية تعتبر أن مرحلة ما بعد الحرب تحتاج إلى ضمانات ميدانية إضافية ريثما يكتمل انتشار الجيش اللبناني وتثبيت سلطة الدولة على كامل المنطقة الحدودية. ومن هنا فإن الدور الدولي لا ينظر إليه كبديل عن الدولة، بل كعامل مساعد في مرحلة انتقالية يفترض أن تنتهي باستعادة الدولة كامل مسؤولياتها الأمنية".
تبدو الرئاسة الاولى أمام محاولة لإنتاج معادلة سياسية مختلفة عما عرفه لبنان خلال السنوات الماضية؛ معادلة لا تفصل بين السيادة والإصلاح، ولا بين الأمن والاقتصاد، ولا بين إعادة الإعمار وبناء المؤسسات. وإذا نجحت هذه المقاربة في التحول من رؤية سياسية إلى برنامج تنفيذي متكامل، فإنها قد تشكل بداية انتقال لبنان من مرحلة إدارة الانهيار إلى مرحلة إعادة تأسيس الدولة على قواعد أكثر استقراراً واستدامة، وهي معركة ستكون نتائجها مرتبطة بقدرة السلطة على ترجمة هذه الرؤية إلى خطوات عملية تتجاوز حدود الخطاب السياسي.
داود رمال - أخبار اليوم
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|