ضمن عملية "الفارس الشهم 3".. دخول 5 قوافل مساعدات إماراتية إلى قطاع غزة
تفكيك "دولة الكبتاغون" في البقاع: كيف خسر "أرباب الظل" عصب المليار دولار؟
حين تُقرأ تحولات المشهد الأمني في بعلبك -الهرمل، يتبيّن سريعاً أن ما يجري منذ أواخر عام 2020 ليس مجرد حملة دهم روتينية، بل إعادة رسم شاملة لقواعد المواجهة.
فالمساحة التي تشكّل 43% من جغرافية لبنان بطبيعتها الجردية الصعبة، لم تكن مجرد بيئة معقدة جغرافياً، بل أُديرت لسنوات على أنها منظومة متكاملة، حيث كانت جرائم السرقة وتزوير العملات والخطف والإرهاب تتفرع جميعها كنشاطات جانبية تُغذيها وتتحرك في فلكها تجارة واحدة مركزية هي الكبتاغون.
عصب المليار دولار
في قراءة بين سطور الأرقام الحصرية لـ"النهار"، تكشف المعطيات الميدانية عن قيمة التحول الإستراتيجي في المواجهة. ووفق مصدر أمني، فإن مصادرة شحنات وآلات تصنيع بقيمة سوقية تجاوزت المليار دولار أميركي لم تكن مجرد مضبوطات أمنية عابرة، بل تمثلت في "شلل الشريان المالي" الذي كان يمول عمليات عابرة للحدود تمتد آثارها إلى الإقليم والشرق الأوسط كله.
ويؤكد مصدر مطلع لـ"النهار" أن تفكيك 50 معملاً ومصنعاً لصناعة الكبتاغون وجرف 14 "ربعة" بيع (نقاط توزيع ثابتة) يشيان بأن العمليات تجاوزت ملاحقة المروجين الصغار إلى تدمير "البنية التحتية الصلبة".
هذا الاستهداف المباشر لرأس المال هو ما فسر الهبوط التاريخي لنسبة انتشار المخدرات وتداولها على الأرض بـ70%، وهو رقم لا يعبّر عن مجرد ضبط أمني، بل عن انهيار هيكلي في قدرة هذه الشبكات على إعادة الإنتاج السريع في بيئة كان يُعتقد سابقاً أن الضبط الكامل فيها شبه مستحيل.
شلّ "المعامل الطائرة"
تكشف خريطة التحول الميداني الأخيرة خلال الأشهر الماضية، عن دور محوري ومباشر لمكاتب مديرية المخابرات في الجيش اللبناني، التي خاضت معركة أمنية ناعمة وعميقة، خصوصاً في مدينة بعلبك وبلدات غرب بعلبك وقضاء الهرمل.
فقد أفضت المتابعة الاستخبارية الدقيقة والمسح الميداني الصامت لهذه المكاتب إلى وضع اليد على الشرايين الأكثر حيوية للتصنيع، حيث أسفرت الضربات النوعية الأخيرة عن تفكيك عدد من المعامل والمصانع لصناعة المواد المخدرة، مما أدى عملياً إلى قطع خيوط الإمداد وتجفيف البيئة التشغيلية لهذه الشبكات في معاقلها الأساسية، وآخرها في منطقة الهرمل في جوار الحشيش وحرف السماقة ومدينة الهرمل وجرودها.
ومع اشتداد الحصار الاستخباري وتفكيك المنشآت الثابتة، لجأت العصابات إلى حيلة جديدة تمثلت في مبتكر أمني خطير: "المعامل الطيارة"، وهي عبارة عن ورش تصنيع مصغرة ومتحركة تُجهّز بالكامل داخل شاحنات وآليات من نوع "بيك آب" ووسائل نقل تمويهية، لإنجاز عمليات الطبخ والكبس أثناء التنقل أو في نقاط توقف موقتة داخل الأحياء والجرد.
غير أن هذا التكتيك المعقد لم يصمد أمام رصد مكاتب المخابرات، إذ تم إحباط هذه الحيلة وتفكيك معامل طيّارة داخل آليات متحركة، كان أبرزها العملية الصريحة في ٢٦ كانون الأول ٢٠٢٥ في محلة تل الأبيض (الشراونة) في مدينة بعلبك، تلتها ضربات استباقية أخرى في الهرمل كتفكيك ثلاثة "معامل طيارة" في حرف السماقة، ودالك والكواخ، حيث وضعت يدها على صيد أمني ثمين: ٣ معامل نقّالة لتصنيع الكبتاغون محمّلة بالكامل على متن آليات، مما أفقَد العصابات قدرتها على المناورة والتخفي.
تفكيك معادلة القوة
النقطة الأكثر دهاءً في فهم الخريطة الحالية تكمن في التمييز الدقيق بين مستويين من الفاعلين داخل الشبكات، وهو ما يفصّله المصدر نفسه للدلالة على تعقيد المعركة المستمرة:
المستوى الميداني هو "المستهدف المباشر"، أي المطلوبون للقضاء الذين يديرون عصابات مسلحة، وتكمن خطورتهم في المواجهة النارية المباشرة مع دوريات الجيش لحماية الممرات والشحنات.
المستوى الموازي هو "أرباب التجارة"، وهؤلاء يمثلون المفصل الخفي والأكثر خطورة. أشخاص لا تحوم حولهم مذكرات توقيف مباشرة، ولا يحملون السلاح في الميدان، لكنهم يمسكون بـ"الهندسات اللوجيستية" الكبرى كإدارة حركة الدخول والخروج، ورسم خطوط التوزيع، وإدارة العلاقات المالية.
خطورتهم ليست مادية بقدر ما هي معنوية وهيكلية، لكونهم يملكون القدرة على إعادة ترميم الشبكات في الظل كلما سقط الواجهيون الميدانيون.
من الاستجابة إلى التصفير
تظهر القراءة التحليلية للمرحلة المقبلة أن المعركة التي بدأت ثمارها تظهر بعد حسم التهديدات الكبرى عقب معركة "فجر الجرود"، دخلت اليوم طوراً جديداً.
الأرقام والإنجازات الميدانية التي تحققت بدماء وضريبة باهظة من الشهداء وجرحى الجيش والقوى الأمنية، لم تُصمم لتكون مجرد ممتص للصدمات الأمنية، بل حجر الأساس لاستراتيجية التصفير والتجفيف الكامل من التصنيع حتى التصدير.
المعركة في البقاع لم تعد تُقاس بعدد الرصاصات المباشرة في الميدان، بل بمدى القدرة على شل العقل الذي يُدير ويتكسب في الظل.
الأرقام التي تحققت بالدم تؤكد أن قواعد اللعبة تغيرت كلياً: لم يعد هناك غطاءٌ ماليٌ يستطيع ترميم ما هُدم، ولا جغرافيا قاسية تستطيع حماية شبكةٍ أُحيطت بعيون الاستخبارات والميدان.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|