قبلان: الرئيس عون وفريقه مسؤولون بشدّة عن هذه الكارثة الوطنيّة!
أعلنت وزارة الخارجية والمغتربين السورية حزمة جديدة من التعيينات والتشكيلات الدبلوماسية والإدارية، شملت تعيين مديري 11 إدارة مركزية إلى جانب 6 مستشارين متخصّصين في ملفات سياسية وإقليمية ودبلوماسية متنوعة، في خطوة تعد من أبرز التحركات التنظيمية داخل الوزارة منذ مرحلة ما بعد التحرير.
ووفق القرارات الصادرة، شملت التعيينات الجديدة سعد بارود مديراً لإدارة الشؤون الأميركية، وسالي شوبط لإدارة الشؤون الأوروبية، فيما جرى تثبيت قتيبة قاديش مديراً لإدارة التعاون الدولي. كما عُيّن عبيدة أرناؤوط مديراً لإدارة التمثيل الدبلوماسي، وديما الموسى مديرة لإدارة الاتفاقيات والمعاهدات الدولية، والدكتور محمد عبد السلام مديراً لإدارة المراسيم، وحسان جنيد مديراً للتنمية الإدارية، وعبد الناصر كمسحو مديراً لإدارة الأمن السيبراني، ورياض الخضر مديراً لإدارة الأمن والحماية.
أما على مستوى المستشارين، فقد ضمت القائمة السفير جهاد مقدسي مستشاراً للشؤون الأميركية، وحمزة المصطفى مستشاراً للشؤون الأوروبية، ومحمد طه الأحمد مستشاراً للشؤون العربية، ومحمد الجفال مستشاراً للشؤون الأفروآسيوية، وطلال كنعان مستشاراً لشؤون الطاقة والبيئة، إضافة إلى محمد نجيب غضبان مستشاراً للتطوير الأكاديمي والتدريب الدبلوماسي.
ويرى مراقبون أن أهمية هذه التشكيلات لا تقتصر على ملء شواغر إدارية، بل تتصل مباشرة بإعادة توزيع مراكز التأثير داخل الوزارة، وبناء آليات جديدة لصنع القرار الدبلوماسي في مرحلة تشهد فيها سوريا تحولات سياسية وإقليمية متسارعة.
هيكلة جديدة لمؤسسة تبحث عن الاستقرار
وقال مصدر خاص في وزارة الخارجية السورية لـِ "المدن"، إن "التعيينات تأتي ضمن جهود هيكلة شاملة في الوزارة بهدف تعزيز الانتقال لحالة مؤسسية أكثر استقراراً وفعالية في عملية صنع القرار، فهي من حيث تأتي استجابة لحاجة الوزارة وما يتطلبه موقع سوريا الجيوسياسي الجديد على خارطة المنطقة، ويستدعي وجود خبرات سياسية وأكاديمية قادرة على تأدية متطلبات المرحلة بفعالية وكفاءة عاليتين".
وأضاف المصدر أن التعيينات "لبّت في كثير من المواضع تطلعات الجاليات السورية لتعيين شخصيات عرفت بخدمتها للسوريين في دول المهجر واللجوء والدفاع عن حقوقهم، ومن جانب آخر تعكس التعيينات الحالية توجه الحكومة عموماً نحو مزيد من التشاركية في التعيينات وتمثيل مختلف فئات السوريين في مراكز صنع القرار".
وأكد أن "هذا النهج بدأته الوزارة منذ استدعت الدبلوماسيين المنشقين واعتبرت سنوات انشقاقهم عن نظام الأسد سنوات خدمة متضمنة الرتب الدبلوماسية المستحقة لهم خلال تلك السنوات".
كما أن الوزارة ستتابع هذا المسار حتى استكمال عملية إصلاح السلك الدبلوماسي السوري الذي عانى طويلاً من حالات فساد وهيمنة أمنية خلال عهد الاسدين حولت الوزارة إلى ما يشبه الفرع الأمني وكرست فيها شبكات الفساد التي امتدت إلى السفارات والقنصليات، وفق تعبيره.
"تعيينات تؤسس لصنع القرار"
من جهته، يقول الباحث السياسي في مركز جسور للدراسات محمد سليمان، إن "التعيينات الجديدة تشكل خطوة مهمة ضمن عملية إعادة بناء الجهاز الدبلوماسي السوري بعد التحرير، وهذه التعيينات ليست شكلية، بل تساهم في ملء الفراغ الإداري وتوزيع المهام داخل الإدارة المركزية، خاصة في ملفات حساسة مثل الشؤون الأميركية والأوروبية والأفروآسيوية والمغتربين والتعاون الدولي".
ويضيف لـِ "المدن"، أن "الوزارة تعمل منذ تكليفها بوتيرة تصاعدية من إعادة هيكلة داخلية واستقطاب كفاءات وتعيين قائمين بالأعمال في بعض العواصم لتفعيل التمثيل الدبلوماسي تدريجياً، والمستشارون يقدمون دعماً فنياً واستشارياً متخصّصاً في الملفات السياسية والقانونية والاقتصادية، ويساهمون في صياغة المواقف وتحليل السياسات، وليس مجرد مناصب تشريفية".
ويلفت إلى أن تأخر تعيين بعض السفراء هو نتيجة الظروف الانتقالية التي تمر بها سوريا، ومن باب الحرص على الاستقرار السياسي والحصول على الاعتمادات الدولية، وتجنب الجدل حول الخلفيات والكفاءات خلال هذه المرحلة، وهذه التعيينات الداخلية تبني الأساس لسياسة خارجية مهنية مستقلة، وفق تعبيره.
فيما يرى الباحث في المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة سمير العبد الله، أن عملية إعادة هيكلة وزارة الخارجية والبعثات الدبلوماسية كانت "ضرورةً لا يمكن تجاوزها"، بسبب ترسبات النظام المخلوع. مضيفاً في حديثه لـِ "المدن"، أن "التغييرات التي تشهدها الوزارة اليوم، تحمل أهمية تتجاوز بعدها الشكلي، إذ تهدف إلى تفكيك البنية الإدارية والشبكات التي تشكلت خلال العقود السابقة وإعادة بناء المؤسسة على أسس جديدة".
ومع ذلك، وحسب العبد الله، تبرز جملة من الملاحظات على آلية هذه التعيينات، أبرزها عدم الاستفادة الكافية من العديد من الكفاءات السورية المؤهلة للعمل الدبلوماسي، مقابل تعيين أشخاص تقل خبراتهم أو لا تتوافق تخصّصاتهم الأكاديمية والمهنية مع متطلبات العمل السياسي والدبلوماسي والعلاقات الدولية، كما أن بعض هذه التعيينات جرت من دون مسارات تنافسية واضحة أو معايير معلنة للاختيار.
ويلفت إلى أن "استمرار معظم العاملين في السفارات والبعثات الدبلوماسية في مواقعهم، يثير تساؤلات حول مدى شمولية عملية الإصلاح، إذ ما زال عدد كبير من السفراء والدبلوماسيين الذين عُيّنوا في عهد النظام السابق على رأس عملهم ويتقاضون الرواتب والمخصّصات ذاتها".
المستشارين السفراء
وتبرز في التشكيلات الأخيرة أهمية منصب المستشار، خاصة مع تخصيص مستشارين لملفات جغرافية وسياسية متخصصة مثل الشؤون الأميركية والأوروبية والعربية والأفروآسيوية.
وعادة ما يضطلع المستشارون في وزارات الخارجية بأدوار تتعلق بإعداد الدراسات السياسية، وتقديم التقييمات الاستراتيجية، وصياغة البدائل المقترحة للسياسات الخارجية، إضافة إلى المشاركة في التحضير للمفاوضات واللقاءات الرسمية وإعداد أوراق المواقف الخاصة بالدولة.
أما بالنسبة لتأخر تعيين السفراء، فيرى متخصّصون أن الحكومة السورية لا تزال تركز في هذه المرحلة على إعادة بناء الإدارة المركزية للوزارة وترتيب هياكلها الداخلية، قبل الانتقال إلى مرحلة أوسع تشمل إعادة توزيع البعثات الدبلوماسية وتسمية سفراء جدد يمثلون الدولة السورية في الخارج.
وبينما تبدو التعيينات الأخيرة خطوة تنظيمية وإدارية في ظاهرها، فإنها تعكس في جوهرها محاولة لإعادة رسم ملامح المؤسسة الدبلوماسية السورية بعد سنوات طويلة من التآكل المؤسسي.