بين الحبتور والعبار... حوار لم يحدث لكنه يختصر مستقبل الاستثمار في لبنان وسوريا
تخيّل أن رجلَي الأعمال الإماراتيين، خلف الحبتور ومحمد العبار، التقيا في جلسة هادئة بعيدًا عن الإعلام، يتأملان خريطة المشرق العربي.
الأول خرج من لبنان بخيبة قانونية انتهت أمام التحكيم الدولي، بعد أن تحولت استثماراته إلى نزاع مع الدولة اللبنانية.
والثاني يتجه اليوم نحو سوريا، باحثًا عن فرص جديدة في بلد يستعد، رغم كل التحديات، لمرحلة إعادة الإعمار.
ابتسم العبار وقال:
"ما زلت تنظر إلى لبنان؟"
أجابه الحبتور:
"أنظر إليه بحزن أكثر مما أنظر إليه كمستثمر. كنت أعتقد أن الاستثمار عقد بين رجل أعمال ودولة، فإذا بي أكتشف أن الدولة نفسها كانت تبحث عمن ينقذها."
رد العبار بهدوء:
"أما أنا فأبحث دائمًا عن المستقبل. المستثمر لا يستطيع أن يعيش في الماضي. سوريا اليوم تفتح أبوابها لإعادة الإعمار، وهناك قرار سياسي واضح باستقطاب الرساميل. المخاطر موجودة، لكن الفرص أيضًا كبيرة."
ابتسم الحبتور وقال:
"المستثمر لا يخاف من المخاطر بقدر ما يخاف من غياب القواعد. الحرب قد تنتهي، أما غياب القانون فقد يستمر سنوات."
ساد الصمت للحظات، قبل أن يعود العبار ليسأل:
"لكن لبنان بدأ يتحدث عن الإقامة الذهبية، وعن جذب المستثمرين من جديد."
ابتسم الحبتور مرة أخرى، وقال:
"الإقامة الذهبية فكرة جيدة... لكنها ليست الاستثمار."
استغرب العبار وسأله:
"كيف ذلك؟"
أجاب لحبتور:
"لأن المستثمر لا يشتري إقامة... بل يشتري ثقة."
ثم أضاف:
"قبل أن تمنحني إقامة ذهبية، أعطني قضاءً يحمي عقدي، ومصرفًا يعيد إليّ أموالي، ودولةً تحترم التزاماتها. عندها لن أطلب إقامة ذهبية، بل سأطلب زيادة استثماري."
هزّ العبار رأسه موافقًا وقال:
"في الإمارات لم تنجح الإقامة الذهبية لأنها بطاقة إقامة فقط، بل لأنها جاءت بعد بناء منظومة كاملة: اقتصاد مستقر، إدارة سريعة، قضاء فاعل، وبنية تحتية عالمية. الإقامة كانت نتيجة النجاح... لا سببًا له."
ابتسم الحبتور قائلاً:
"وهنا يكمن الفرق. لبنان يحاول أن يبدأ من السقف، بينما أساسات البيت ما زالت تحتاج إلى تدعيم."
ليست أزمة مستثمر... بل أزمة دولة
قد يظن البعض أن قضية خلف الحبتور مجرد نزاع مالي بين مستثمر ودولة، لكنها في الحقيقة رسالة إلى كل مستثمر عربي أو أجنبي يفكر في دخول السوق اللبنانية.
وفي المقابل، فإن دخول محمد العبار إلى مشاريع في سوريا لا يعني أن سوريا أصبحت أكثر استقرارًا من لبنان، بل يعني أن المستثمر رأى فيها رؤية اقتصادية وسياسية أكثر وضوحًا مما يراه اليوم في لبنان.
فالاستثمار لا يقارن بين بلد غني وآخر فقير، بل بين دولة يمكن التنبؤ بقراراتها، ودولة تتغير قواعد اللعبة فيها كل يوم.
ولهذا السبب، فإن رأس المال العالمي لا يسأل أولًا عن نسبة الأرباح، بل عن أسئلة بسيطة:
هل العقد محترم؟ هل القضاء مستقل؟ هل الدولة تلتزم بما توقعه؟
الجدل الذي أثاره مشروع الإقامة الذهبية في لبنان كشف مشكلة أعمق. فالدولة تحاول إرسال رسالة إلى المستثمرين مفادها: "تعالوا إلى لبنان." لكن المستثمر يجيب بسؤال آخر:
"وماذا عن أموالي إذا وقع نزاع؟"
الإقامة الذهبية قد تكون أداة تسويقية ناجحة في دول مستقرة، لكنها لا تستطيع وحدها أن تعوض غياب الإصلاحات المالية، ولا أن تعيد الثقة بالقطاع المصرفي، ولا أن تحل أزمة القضاء، ولا أن تعالج صورة بلد ما زال يعيش واحدة من أكبر الأزمات المالية في العالم.
فالمستثمر لا ينتقل من بلد إلى آخر بسبب نوع الإقامة، بل بسبب نوع الدولة.
لماذا يذهب الاستثمار إلى سوريا؟ قد تبدو المفارقة صادمة. بلد خرج من حرب مدمرة يبدأ باستقطاب المستثمرين. وبلد كان يُعرف لعقود بأنه "سويسرا الشرق" ما زال عاجزًا عن استعادة ثقة مستثمر واحد خسر أمواله فيه.
السبب لا يكمن في حجم الدمار، بل في وضوح الرؤية. فالمستثمر يستطيع أن يحسب كلفة إعادة بناء مدينة، لكنه لا يستطيع أن يحسب كلفة الغموض السياسي أو غياب العدالة أو انهيار المؤسسات.
ولهذا، فإن المنافسة الحقيقية بين لبنان وسوريا لن تكون على الأبراج أو الفنادق أو المجمعات التجارية، بل على بناء بيئة قانونية ومؤسساتية تمنح المستثمر شعورًا بأن أمواله محمية.
الدرس الذي لا يريد لبنان أن يتعلمه قصة الحبتور والعبار ليست قصة رجلين، بل قصة نموذجين.
الأول يذكّر لبنان بأن رأس المال لا ينسى كيف عومل.
والثاني يثبت أن رأس المال يبحث دائمًا عن المكان الذي يرى فيه فرصة للمستقبل.
وبين الاثنين يقف لبنان أمام سؤال مصيري: هل يريد أن يجذب المستثمرين بقوانين جديدة وشعارات براقة، أم بدولة جديدة؟
فالاستثمار لا يعيش على المؤتمرات، ولا على التصريحات، ولا حتى على الإقامة الذهبية.
الاستثمار يعيش على الثقة، والثقة لا تُشترى. بل تُبنى.
وربما لو اجتمع خلف الحبتور ومحمد العبار فعلًا، لاختلفا في تقييم الفرص، لكنهما سيتفقان على جملة واحدة:
"رأس المال قد يُغرى بالإقامة... لكنه لا يستقر إلا حيث تستقر العدالة."
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|