الجيش جاهز للجنوب... فهل تفتح إسرائيل الطريق إلى الحدود؟
على بُعد ساعات من الجولة الخامسة للمفاوضات اللبنانية الإسرائيلية الجارية برعاية أميركية في واشنطن في 23 الحالي، لم يعد السؤال المطروح داخل الأروقة العسكرية اللبنانية يتعلق فقط بتثبيت وقف إطلاق النار أو بمصير ما يُعرف بالمناطق التجريبية، بل بات أكثر مباشرة: ماذا سيفعل الجيش اللبناني إذا نجحت المفاوضات؟ وأين سينتشر؟ وماذا لو بقيّت إسرائيل داخل الخط الأصفر؟ وهل يستطيع فعلاً أن يضمن أمن الجنوب؟
وفق المعطيات المتوافرة لـِ "المدن"، فإن الوفد العسكري اللبناني يدخل إلى مفاوضات واشنطن حاملاً عنواناً واحداً لا يتغير: تثبيت وقف إطلاق النار يبدأ بانسحاب الجيش الإسرائيلي وإنتشار الجيش اللبناني.
هذا الموقف ليس جديداً، بل يشكل جوهر النقاش القائم مع الجانب الأميركي منذ ما قبل الجولة الخامسة. فالجيش اللبناني يرفض الانتشار في المناطق المحتلة، ويرى أنّ أيَّ حديث عن ترتيبات أمنية جديدة يفترض أولاً إنسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق التي تسيطر عليها، ثم دخول الجيش إليها.
رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون يتابع دائماً وبشكل مباشر مسار المفاوضات العسكرية ويواكب تفاصيلها مع قيادة الجيش والوفد اللبناني المشارك في اجتماعات واشنطن. فالوفد العسكري يتحرك إنطلاقاً من التوجيهات التي حددتها الرئاسة اللبنانية، التي تقوم على أولوية تثبيت وقف إطلاق النار وإنسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي تحتلها، بما يتيح للجيش إستكمال إنتشاره وبسط سلطة الدولة على كامل الجنوب. وفي هذا السياق، تشكِّل المؤسسة العسكرية الذراع التنفيذية للخيار الذي تتبناه رئاسة الجمهورية، فيما يتولى عون إدارة الجانب السياسي والدبلوماسي للمفاوضات أكان عبر الوفد الدبلوماسي، أو من خلال إتصالاته مع الجانب الأميركي والدول الصديقة، سعياً إلى تأمين المظلة السياسية اللازمة لنجاح أي إتفاق محتمل وتحويله إلى وقائع ميدانية على الأرض، بموازاة مسار التفاوض الاميركي الايراني الحاصل اليوم.
معركة الخط الأصفر
أما ما يُعرف بالمناطق التجريبية، والتي ستكون أحد أبرز عناوين اجتماع 23 حزيران، وفق ما كشفت مصادر عسكرية لـِ "المدن"، فينظر إليها الجيش من زاوية مختلفة تماماً عن المقاربة الإسرائيلية. فالمؤسسة العسكرية تعتبر أنَّ هذه المناطق تقع أصلاً ضمن الخط الأصفر، وبالتالي يجب أن تكون جزءاً من أيّ إنسحاب إسرائيلي، لا أن تتحول إلى مناطق إختبار تبقى خارج سلطة الدولة اللبنانية.
في المقابل، تحاول إسرائيل فرض مفهوم مختلف للمناطق التجريبية، عبر نقلها إلى مناطق لم تتمكن من السيطرة عليها عسكرياً، بحيث يصبح الانتشار اللبناني فيها اختباراً مسبقاً قبل أي
وهنا يكمن جوهر الخلاف، فالجيش اللبناني يرفض أساساً فكرة المناطق التجريبية، لكنَّه إذا إضطر للسير بها نتيجة قرار سياسي، فإنه سيطالب بأن تبدأ من داخل الخط الأصفر؛ أي من المناطق التي يفترض أن تنسحب منها إسرائيل أولاً.
والسؤال الأهم: ماذا بعد الاتفاق؟
الجواب العسكري واضح. فالجيش لا ينظر إلى النبطية أو صور، على سبيل المثال لا الحصر، باعتبارها هدفاً بحد ذاته، بل يعتبرها جزءاً من مسار انتشار أوسع.
من النبطية إلى الحدود
في القطاع الغربي، يتمركز الجيش اللبناني حالياً في نطاق صور، فيما توسّع الاحتلال الإسرائيلي ليصل إلى مجدل زون التي باتت ضمن الخط الأصفر. وفي حال الانسحاب الإسرائيلي، سيتقدم الجيش تدريجياً نحو القرى الحدودية الساحلية وصولاً إلى الناقورة.
وفي القطاع الأوسط، يتمركز الجيش اللبناني في تبنين ويحاول الاقتراب من حداثا وبيت ياحون. أمّا الخطة اللاحقة فتقضي بالانتشار داخل حداثا وكونين وبيت ياحون وسائر القرى التي دخلتها القوات الإسرائيلية.
وفي القطاع الشرقي، حيث يتمركز الجيش في كفررمان ومرجعيون والقليعة وصولاً إلى البقاع، فإن المرحلة التالية ستشمل أرنون وكفرتبنيت وزوطر الشرقية والغربية ومزرعة الحمرا، وصولاً إلى مشارف النبطية الفوقا وتلة علي الطاهر والخيام، التي أصبحت تحتلها إسرائيل أو تسيطر عليها بالنار وتحاول قواتها التقدم باتجاهها كما هو حاصل حاليّاً في محيط علي الطاهر.
بمعنىً آخر، خطة الجيش تنطلق من قلب الجنوب باتجاه الحدود الدولية، ولا تتوقف عند أيّ منطقة بعينها. فالهدف النهائي للمؤسسة العسكرية هو إستعادة الانتشار الكامل على طول الحدود الجنوبية فور توافر الشروط الميدانية والسياسية اللازمة لذلك.
أما المهمة التي تنتظر الجيش بعد الانتشار، فتقوم على ثلاثة محاور متلازمة: أولاً جعل هذه المناطق خالية من أيّ وجود مسلح خارج إطار الدولة، ثانياً تأمين عودة السكان والنازحين إلى القرى المحررة، وثالثاً تثبيت سلطة الدولة على كامل الشريط الحدودي.
لكن ماذا لو بقيت إسرائيل داخل الخط الأصفر؟ هنا تصبح الخطة العسكرية ناقصة حكماً.
فالجيش اللبناني لا ينتشر في المناطق المحتلة، ولا يقيم خطوط تماس مشتركة مع الجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية. وإذا إستمرت إسرائيل في إحتلال أجزاء من الخط الأصفر أو السيطرة عليها بالنار، فإن الجيش سيبقى منتشراً في المناطق الخلفية فقط، فيما ستبقى المناطق المحتلة خارج نطاق عمله المباشر. وهذا ما يفسر إصرار المؤسسة العسكرية على أنَّ أيّ نجاح للمفاوضات يجب أن يقترن بانسحاب إسرائيلي فعلي، لا بمجرد ترتيبات أمنية أو تفاهمات مؤقتة.
الأمن بين الاحتلال والسلاح
يبقى السؤال الأكثر خطورة: هل يستطيع الجيش تأمين أمن الجنوب؟ وفق المقاربة العسكرية، نعم، ولكن بشروط.
فالجيش قادر على ضبط الأرض، ومراقبة الحدود، ومنع تواجد مجموعات مسلحة فيها، وتأمين الاستقرار الداخلي وعودة الحياة الطبيعية إلى القرى الجنوبية. كما أنَّ الوقائع الميدانية، وفق التقديرات العسكرية، أثبتت أنَّ المؤسسة العسكرية نجحت إلى حدٍ كبير في تنفيذ المهام المطلوبة منها جنوب الليطاني، لاسيما على مستوى نزع سلاح حزب الله، وأنَّ غالبية العمليات التي استهدفت إسرائيل خلال المرحلة الماضية انطلقت من شمال الليطاني، لا من المناطق التي ينتشر فيها الجيش.
لكنًّ الجيش لا يستطيع وحده معالجة المعضلة السياسية القائمة حالياً، والمتمثلة في استمرار الاحتلال الإسرائيلي من جهة، واستمرار وجود سلاح خارج إطار الدولة من جهة أخرى.
وهكذا، عشية مفاوضات 23 حزيران، تبدو الصورة أكثر وضوحاً من أي وقت مضى. فالجيش يعرف أين يريد أن ينتشر، ويعرف كيف سينتشر، ويملك تصوراً كاملاً للمرحلة اللاحقة. لكنَّ نجاح هذه الخطة لا يتوقف على القرار العسكري وحده، بل على حلِّ المعضلة التي تعيشها الدولة اللبنانية اليوم: إسرائيل ترفض الانسحاب الكامل، وحزب الله يرفض التخلي عن سلاحه.
وبين هذين الرفضين، يبقى الجيش جاهزاً للانتشار حتى الحدود الدولية، لكنَّه لا يستطيع الوصول إليها ما لم تُفتح له الطريق سياسياً وميدانياً.
ندى أندراوس - المدن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|