الصحافة

المطلوب: مبادرة وموقف وقرار

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

ما كادت تباشير الاتفاق بين أميركا وإيران تترى حتى أطلق "حزب الله" "البيان رقم 1" عبر النداء الصادر عن المفتي الجعفري الممتاز أحمد قبلان، الذي تحوّل في السنوات الأخيرة إلى ناطق باسم "الحزب"، يمزج في خطابه بين الأبعاد الدينية والأيديولوجية والسياسية والعسكرية. وتزداد أهمية النداءات "العمائمية" لتزامنها مع انطلاق المراسم العاشورائية، وإمعان "الحزب" في توظيفها كمنصة تعبوية تحريضية تحفّها علامات الالتباس حول سبب تعامل "عيون" الدولة معها بـ"رخاوة" لا تُقاس مع نشر "العسس" عند السنّة في المساجد، فضلا عن فرض رقابة على خطاب المشايخ.

وعوض أن تكتسي "رسالة الانتصار الوطنية" بأدبيات "رسالة الغفران" عمّا نزل بساحتنا وبشيعته، فإن "الحزب" دعا جهارًا، بلسان قبلان، إلى إسقاط حكومة الرئيس نواف سلام، وهدد رئيس الجمهورية بتجميد وإفشال عهده. وبذا أطلق شرارة عملية "العصف المأكول 2"، ليس باتجاه إسرائيل بل الدولة، حيث أعقبها بوابل من "رشقات" المقالات والخبريات والشائعات من "عيارات" متنوعة بين حدّي تغيير الحكومة وتعديلها، لتحويل الأمر إلى معطى ثابت في النقاش العام، يضع الحكومة تحت الضغط، ويدفعها والدولة إلى اتخاذ وضعية دفاعية مضطربة.

أردفها بالتلويح بالانتخابات النيابية لتجديد المشروعية، مستغلا التخريجة المبهمة التي أرساها قانون التمديد للبرلمان، فيما إمكانية إجرائها في دوائر الجنوب والنبطية شبه معدومة في ظل القضم الإسرائيلي المستمر للجغرافيا، والمعادلة التي يتبناها الرئيس نبيه بري برفض اقتراع ناخبي هاتين المنطقتين في أماكن أخرى، وهو الذي في الأصل يرفض، مع شريك الثنائية، "الميغا سنتر" جملة وتفصيلا.

والحال أن نظام الملالي ووكلاءه في المنطقة لم يكونوا يومًا "مفاتيح للخير ومغاليق للشر"، بل "مفاتيح للشر مغاليق للخير"، في اقتباس من حديث نبوي. و"حزب الله"، بما هو أحد هذه المفاتيح، يتوكّأ على براعته المذهلة في كيّ الذاكرة لبيع الوهم لحاضنته وللبنانيين، من خلال تصوير معادلة "الضاحية مقابل مستوطنات الشمال" كمكسب استراتيجي، فيما لا تعدو مناورة معنوية تتبدى مؤشراتها بالعودة إلى ذاكرة الشعارات التي انتفخت منها أوداج جمهوره وأنفسهم.

كان أمينه العام السابق السيد نصرالله يعِد بالصلاة في "الجليل" وبلوغ "القدس"، فصيغ الرد حينها من وحي السنّة النبوية بشعار "سنخوض البحر معك". تقهقر الأمر من "نصرة غزة" و"القضية الفلسطينية" بالنيابة عن أمة وُصفت بـ"المتقاعسة"، إلى تسييج الجنوب بحدود معنوية من قبيل "ملحمة الخيام" وخلافه، وصولا إلى تبرير انكسار خطوطه ومقاتليه بـ"عدم التشبث بالجغرافيا"، بما فيه من تسطيح مخيف للعقل وقيمة التراب الوطني وارتباطه بالذاكرة الجمعية. انتهاء اليوم بمعادلة الضاحية كخط دفاعي يثبت أن بيروت صارت تحت التهديد الجدي.

وبالتالي، من يجب أن يدفع الثمن هو "الحزب" لا سواه. لكنه يحاول "تحليل الحرام وتحريم الحلال" من خلال الانقضاض على الدولة لفرض أمر واقع، بالتوازي مع استدراك تعويضي لخسارته رئاسة الجمهورية ووزارة الخارجية بعدما وظفهما على مدى سنوات كمنصتين للدفاع عنه في المحافل الدولية والعربية، حيث يدفع نحو الانقلاب على حكومة الرئيس سلام والإتيان بحكومة جديدة لإعادة تدوير النظام المعقّم الذي يجعل الدولة في خدمة أهدافه، بتحديثاتها، مستبدلا بعبدا السرايَ الكبير.

ويستند في هذا الإطار إلى ثقافة حفرت بعمق في الوعي الجمعي اللبناني، والإسلامي خصوصًا، بأن لبنان "ذو وجه ممانع" كترجمة محرّفة لما نصّ عليه "الميثاق الوطني"، وأُدرج لاحقًا في متن "الطائف" مع لمسة تحديثية وتأكيدية على الانتماء العربي تطوي صفحة نقاش انقسامي مديد، بهدف تحويل الانقلاب إلى عملية إصلاحية للهوية الناظمة للدولة، مستفيدًا من تواطؤ أطراف ثنائية "المافيا - الميليشيا"، شركاء مركب الخسائر نفسه، والتأثير الكارثي لإرث "القومية العربية" وبعض "اليسار الخميني" أسير عقدة "الرجل الأبيض".

بالطبع لن تسقط الحكومة، فهي ليست في موقع ضعف، وتغييرها غير مطروح خارج أقبية الحرس الثوري. بيد أنه إزاء هذا النفس الانقلابي، ثمة أهمية لإظهار صناع القرار الصلابة المطلوبة، فهم يجسدون شرعية الدولة، ويحظون بدعم شعبي وسياسي هائل، وبمشروعية دولية وعربية عراها متينة. وخير وسيلة للدفاع هي الهجوم، فمن قال إن الدولة مغلولة اليد؟ لماذا لا يعزز الجيش انتشاره في مدينة صيدا مثلا، ويترك أهلها يواجهون السلوكيات الميليشياوية التي يقف خلفها "الحزب" لفرض تغيير هوياتي قسري؟

الوسائل والأدوات كثيرة، المهم التناغم بين ثلاثية: المبادرة، الموقف، والقرار.

سامر زريق -نداء الوطن

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا