موسى: بري يتعاطى بإيجابية مع الأفكار المصرية ومواقفه منسجمة مع عون وسلام
أبعد من مشاورات… معركة إعادة هندسة الدور الشيعي؟!
في الحروب، ثمة أهداف معلنة وأخرى خفية. في الخطوة الإيرانية الأخيرة عبر قصف إسرائيل رداً على استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت، برزت أهداف معلنة ذات طابع تكتيكي، وأخرى غير معلنة تحمل محددات استراتيجية.
من بين الأهداف المعلنة تثبيت معادلة مفادها أن استهداف الضاحية يوازي استهداف كامل «الأراضي الإسرائيلية»، وليس "شمال إسرائيل" فقط. أما من بين الأهداف غير المعلنة، فكان تثبيت معادلة أخرى مفادها أن لبنان ملحق بطاولة إسلام آباد التفاوضية لا بواشنطن، وأن القرار في مسألة وقف إطلاق النار في لبنان وفرض المعادلات لا يُصنع في واشنطن، ولا حتى في بعبدا، بل على طاولة إسلام آباد.
من الأهداف غير المنظورة أيضاً ما يحمل إشارات إلى طلاق شبه كامل مع بعبدا، ليس إيرانياً فقط، بل شيعياً أيضاً، أو على الأقل على مستوى حزب الله. وقد تولت إيران التعبير عن هذا الجانب صراحة عبر مواقف مسؤوليها، ولا سيما وزير الخارجية عباس عراقجي الذي انتقد بوضوح المواقف الأخيرة لرئيس الجمهورية وصولاً إلى تذكيره بالطرف الذي يحتل أرض لبنان. وسار الحزب في الاتجاه نفسه عبر مواقف النائب إيهاب حمادة التي وصلت، في بعض مخرجاتها، إلى حدود اتهام الرئيس بالخيانة.
قرأت بعبدا تلك الرسائل جيداً، وذهبت في إطار الرد إلى حد التلويح إعلامياً، ومن خلال بعض المقربين منها، بإمكانية قطع العلاقات الدبلوماسية مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية. خطوة أسفرت عن مزيج من تأجيج المشاعر السياسية داخل البيئة الشيعية واستنكار التعاطي بخفة مع ملف دبلوماسي بهذا الحجم. غير أن هذه الأجواء جرى احتواؤها سريعاً بعد تبادل الرسائل السياسية، وسرعان ما تم استدراك معنى نتائج القطع مع مكون على أنه لا يشتمل على طرف سياسي إنما طائفة كاملة.
ومن المسائل غير المنظورة كذلك أن إيران، من خلال تموضعها الحالي، لا تعبر فقط عن خلاف بين مكونين سياسيين لبنانيين، بل عن خلاف بين هذا المكون الضخم والمؤثر والحكم القائم. فإيران تقول بوضوح إنها تمثل، في نظر جمهورها، الطرف الذي يتولى الدفاع عن الشيعة اللبنانيين، وأنهم تحت حمايتها لا وصايتها، وقد كرّست ذلك بقصفها الأخير رداً على إستهداف الضاحية في لحظة ما سمي "الإستقواء على الشيعة"، وأنها ستقف علناً في وجه أي محاولة لإنهاء دورهم السياسي في لبنان.
يستند ذلك إلى مناخ سياسي متصاعد في بعض الأوساط. فثمة من يفكر فعلاً في تحجيم الشيعة سياسياً وإخراجهم من المعادلة كثمن لخياراتهم السابقة. ولهذا السبب يذهب جزء كبير من الشارع الشيعي نحو مزيد من التصلب السياسي والشعبي. وعلى وقع هذا المناخ برزت نظرية الاحتواء كبديل مؤقت، وربما كنصيحة لتفادي الذهاب بعيداً في معاداة الشيعة وتعميق الانقسام الأهلي.
فمعاداة الشيعة، بالمفهوم السياسي، تعني عزلهم ودفعهم أكثر نحو الارتماء في الحضن الإيراني. ومن يريد سلب إيران أوراق القوة يمنحها عملياً قوة الفيتو داخل المنتدى السياسي للجماعات اللبنانية. لذلك برزت نصائح وُجهت إلى رئيس الجمهورية للانقلاب ليس فقط على التسريبات الصادرة عن بعض المقربين منه، والتي تأتي بنتائج عكسية، بل أيضاً على بعض مواقفه وسلوكياته السياسية. ومن هنا جاء نصح البعض له حول ضرورة القيام بـ«تكويعة» سياسية خفيفة. وقد انعكس ذلك خلال مقابلته مع شبكة CNN، حين سعى إلى مخاطبة الشيعة مباشرة ومغازلتهم بلسان الدولة وبأنهم جزء منها، وأن الدولة لن تتخلى عنهم.
لكن في المسار الواقعي، يشعر كثير من الشيعة، على اختلاف مستوياتهم الاجتماعية والسياسية، بأن ثمة من يحاول الانقضاض عليهم في زمن الحرب والعدوان. استغلال المرحلة ليس عسكرياً فقط، بل سياسياً أيضاً، من خلال محاولة سلبهم دورهم بقوة الخارج، أو وراثة الموقع الذي شغلوه طوال عقود. وبالنسبة إلى هؤلاء، فإن المسألة لا تتعلق فقط بإنهاء التأثير السياسي للطائفة، بل بمحاولة تدمير حضورها السياسي بعد استهدافها عسكرياً، وصعود قوى أخرى على أنقاضها. وهو جرح عميق لا تعالجه الضمّادات الكلامية، بل الأفعال السياسية الملموسة.
لذلك يمكن فهم حركة السفير الأميركي ميشال عيسى الأخيرة باعتبارها محاولة لاحتواء الموقف بطريقة ناعمة، عبر قناة رئيس مجلس النواب نبيه بري، ومن خلال الاعتراف بالدور الشيعي لا السعي إلى إلغائه، وإنما إدخال تعديلات عليه أو ما يسميه البعض «إعادة هندسته».
كان لافتاً أن السفير الأميركي حرص على عزل الدور الإيراني عن النقاش المباشر، رغم الانتقادات التي تعرض لها، ولا سيما في ظل الربط المستمر والمدفوع بالقوة بين إيران ولبنان. كما لم يمانع في الاستفادة من أي وقفٍ لإطلاق النار، حتى لو جاء نتيجة تدخلٍ إيراني، بما يوحي بوجود اعترافٍ ضمني بالدور الإيراني ومن خلفه بالدور الشيعي.
في العمق، لا يناقش الرئيس نبيه بري مع السفير الأميركي، ممثلاً لإدارته، ومع الإيرانيين عبر قناة عراقجي المباشرة، مسائل تتعلق بوقف إطلاق النار فحسب، بل يناقش، على الأرجح، وضعيّة الشيعة في الحكم، وموقعهم السياسي في مرحلة ما بعد الحرب أو ما يحلو للبعض تسميته "ما بعد السلاح" أو ما بعد "تراجع وهجه"، كما يناقش مستقبلهم بعد الحرب، في ظل ما يعتبرونه سياسة إبادة جماعية مكتملة الأركان تمارسها إسرائيل بحقهم وبحق مناطقهم.
كما تدور النقاشات حول كيفية عودة الأهالي إلى قراهم، وكيفية حماية المدن والبلدات من آلة القتل الإسرائيلية. لذلك، عندما تصل المناقشات في عين التينة إلى تفاصيل تتعلق بما يسمى «المناطق التجريبية» أو «النموذجية» المطروحة كصيغة للحل، ويحاول السفير الأميركي تقديم ضماناتٍ لبري بشأن عودة السكان إلى قراهم وإطلاق عملية إعادة الإعمار لاحقاً، بالتوازي مع انسحابٍ إسرائيلي ووقف الاعتداءات، فإن الأميركيين لا يكونون بصدد النقاش فقط، بل بصدد فتح ورقة تفاوض مباشرة مع الثنائي الشيعي.
في هذا السياق، يحاول الأميركيون طرح أنفسهم بديلاً من إيران، أو في الحد الأدنى طرفاً ضامناً يملك وزناً وتأثيراً مماثلين بالنسبة إلى الشيعة ولأي إتفاق ينخرطون فيه. وقد يفسر البعض ذلك على أنه نوع من الشراكة في العلاقة مع هذه البيئة السياسية.
وتقول أوساط عين التينة إن ثمة إطاراً جدياً يجري بحثه بهدوء، انطلاقاً من طاولة إسلام آباد التي يعول عليها بري، ومن إعادة إحياء ورقة المبادئ الخمسة، وإعلان المبدأين اللذين ردَّ عبرهُما بري على ورقة المبادئ الأميركية وعلى ما قبلته رئاسة الجمهورية.
وتتحدث مصادر متابعة عن مباحثات أكثر واقعية وجدية من المعتاد، إلى درجة أن ما يجري تداوله قد يُفضي خلال مهلة قصيرة إلى حلول ملموسة. لذلك يجري الحديث عن أسبوع حاسم، وربما يصح وصفه كذلك، على صعيد التوصل إلى اتفاقٍ شامل لوقف إطلاق النار يشمل إيران أيضاً، وسط حديث إقليمي متزايد عن احتمال التوصل إلى تفاهم بين طهران وواشنطن.
وبحسب هذه القراءة، فإن الاتفاق المحتمل قد يستند إلى بنود مدمجة بين ما ورد في إعلان واشنطن للمبادئ، ونتائج «واشنطن 4»، وروح المعادلة التي كرستها إيران ميدانياً في الضاحية الجنوبية، بالتوازي مع المسار التفاوضي في إسلام آباد.
ويتردد أن الجلسة الأخيرة تشكل محطة تأسيسية لما بعدها. ويستند أصحاب هذا التقدير إلى الأجواء التي أعقبت لقاء عين التينة، حيث خرج السفير عيسى مرتاحاً، وسارع إلى تعميم أجواء إيجابية على محيطه، بعدما فهم أن النقاش أفضى إلى تفاهمات واسعة حول عددٍ من النقاط السياسية، وفي مقدمها قضية الانسحاب.
عبد الله قمح - المدن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|