التوغّل الإسرائيليّ في لبنان: إلى أين؟
بينما يُواصل الجيش الإسرائيليّ عملياته البرّية في جنوب لبنان، يُهيمن سؤال وحيد على النّقاشات: إلى أي مدى يمكن أن تمضي إسرائيل؟ فإذا كان البعض يُلوّح بإمكان تقدّمها نحو بيروت، يرى خبراء آخرون أنّ الأهداف الإسرائيليّة تبقى محدودةً في هذه المرحلة، تدفعها اعتبارات أمنية أكثر من نيّة في توغّل واسع أو تغيير ميدانيّ شامل.
وبحسب العميد المتقاعد خليل الحلو، في حديث إلى موقع “Ici Beyrouth”، كي نفهم الحرب، يتعيّن إدراك أهدافها الاستراتيجية. ويقول: “لا تُخاض الحروب من أجل الحرب بحدّ ذاتها، بل لتحقيق هدفٍ معيّنٍ”.
وفي الحالة الإسرائيلية، يتمثّل الهدف الأساسيّ في تأمين شمال إسرائيل، الذي يتعرّض منذ بداية التصعيد لتهديداتٍ مرتبطةٍ بقدرات حزب الله العسكرية.
بيروت… هدف غير مُرجّح؟
تعود فرضيّة التقدّم البريّ نحو بيروت إلى الواجهة من حين إلى آخر. ومن النّاحية العسكرية البحتة، يرى الحلو أنّ إسرائيل قادرة على ذلك، لكنّ الكلفة ستكون مرتفعة للغاية.
فالقدرة العسكرية الإسرائيلية تتفوّق بشكل واضح على قدرات حزب الله، بفضل سلاح الجو، والاستخبارات الفضائية، والدبّابات المتطوّرة، والتفوّق التكنولوجيّ. غير أنّ أي توغل حتى بيروت ينطوي على مخاطر كبيرة، إذ كلّما تعمّق الجيش الإسرائيليّ في داخل الأراضي اللبنانية، ازداد تعرّضه لتكتيكات حرب العصابات التي يعتمدها حزب الله.
ويختم الحلو: “عندما يتقدّم الإسرائيليّ لمسافة مئة كيلومتر، يُصبح هدفًا سهلًا لحرب العصابات”. لذلك، يرى أنّ وصول إسرائيل إلى بيروت عبر عملية بريّة يبقى احتمالًا ضعيفًا، خاصة أنّ بإمكانها تحقيق ضغط عسكريّ كبير عبر الغارات الجويّة، والطائرات المُسيّرة، والعمليات الدقيقة، من دون الحاجة إلى توغل بريّ واسع.
ماذا عن سيناريو توغل في البقاع؟
حتّى لو كان التقدّم نحو بيروت غير مرجّح بشكل كبير، يطرح بعض المحلّلين احتمال توسيع العمليات باتجاه البقاع.
بحسب الحلو، يُعتبر هذا الخيار، من النّاحية العسكرية، أكثر قابليّة للتنفيذ. إذ تشهد المناطق المواجهة للجولان، لا سيّما حاصبيّا وراشيّا في جنوب شرق لبنان، قرب هضبة الجولان، انتشارًا عسكريًّا أقلّ كثافة لحزب الله، كما تؤمّن تضاريس أكثر ملاءمة لتقدّم القوات المدرّعة.
لكنّ الحلو يرى أنّ انعكاسات اقتصادية ثقيلة قد تترتّب على سوريا جرّاء هذا السيناريو، إذ قد يؤدّي إلى تعطّل طريق دمشق، وهو ما لا ترغب الولايات المتحدة في حصوله. لذلك تُركّز الأولويات الإسرائيلية، في المرحلة الرّاهنة، على جنوب لبنان، لا سيّما النبطية، وصور، والمناطق المُحيطة بنهر الليطاني.
منطقة عازلة موسّعة لمواجهة الصواريخ والمُسيّرات
بحسب الحلو، يتمثّل الهاجس الإسرائيليّ الأساسيّ في الصّواريخ المضادّة للدروع التي يمتلكها حزب الله، لا سيّما صواريخ “Kornet” الروسية ونظيراتها الإيرانية، القادرة على الوصول إلى أهداف في العمق الإسرائيليّ، وتهديد الدبّابات والبنى العسكرية.
وتُضاف إلى ذلك تهديدات الطائرات المُسيّرة، خصوصًا المُسيّرات الانتحارية الموجّهة بالألياف البصرية، التي تُعتبر من أخطر أدوات القتال الحديثة، إذ تتجاوز أنظمة التشويش التقليدية إلى حدٍّ كبيرٍ، وقد تسبّبت بخسائر ملموسة في صفوف القوات الإسرائيلية.
ويقول الحلو: “شمال إسرائيل مُهدّد أساسًا بصواريخ الإطلاق المباشر التّابعة لحزب الله”. وتسعى إسرائيل من أجل إبعاد هذا الخطر إلى إنشاء منطقة عازلة بعمقٍ متفاوتٍ على طول الحدود. وهو ما يفسّر، بحسب الحلو، التقدّم باتجاه مناطق النبطية وقلعة الشقيف، حيث تسمح التضاريس بمراقبة مساحات استراتيجية والسيطرة عليها.
وتتقاطع تحليلات عدد من مراكز الأبحاث مع هذا التوجّه، إذ تفيد بأنّ إسرائيل تسعى إلى إقامة عمق أمنيّ في جنوب لبنان.
وتشير مجلة “Time” الأميركية إلى أنّ الهدف الفوريّ يتمثّل في إنشاء منطقة خاضعة للسيطرة جنوب الليطاني لإبعاد التهديدات عن شمال إسرائيل، فيما يتحدّث معهد “Washington Institute” عن منظومة مُتعدّدة المستويات تشمل شريطًا حدوديًّا أوليًّا، وخط مراقبة متقدمًا، وقدرة تدخّل مستمرّة حتى الليطاني.
وعلى الأرض، يبدو أنّ العمليات الجارية في الأيام الأخيرة تنسجم مع هذا المنطق، إذ أفادت وكالة “Reuters” الاثنين بأنّ القوات الإسرائيلية تواصل نشاطها البريّ في جنوب لبنان بهدف ترسيخ “منطقة أمنية”.
ضغوط سياسية ودبلوماسية
إلى جانب الاعتبارات العسكرية، تسعى العملية الجارية أيضًا إلى تحقيق أهداف سياسية. فبحسب الحلو، تُشكّل موجات النّزوح الواسعة النّاجمة عن القتال أداة ضغط على حزب الله وعلى الدولة اللبنانية، سواء على المستوى الاقتصاديّ أو الأمنيّ. كما بدأ بعض مُناصري حزب الله بالتعبير عن استيائهم من تدهور ظروفهم المعيشيّة، التي يرونها أكثر صعوبة مقارنة بأوضاع قياداته.
ويُشارك بعض الخبراء الذين تحدّثوا إلى مجلة “Time” هذا التقييم، ويعتبرون أنّ توسّع رقعة الحرب يؤدّي إلى نزوح مئات الآلاف، ويزيد من حدّة التوترات الاقتصادية والاجتماعية في مختلف أنحاء البلاد.
وعلى الصعيد الدبلوماسيّ، يهدف هذا الضغط أيضًا إلى تعزيز موقع إسرائيل في المفاوضات المباشرة الجارية مع لبنان، التي انطلقت في نيسان الماضي برعاية أميركية. وكما يوضح الحلو: “عندما تجري المفاوضات تحت النّار، تكون الكلمة الفصل للطرف الأقوى”.
حرب مرشحة للاستمرار
ويقول الجنرال: “ولّى الزمن الذي كانت فيه إسرائيل غير قادرة على تحمّل حروب تطول أكثر من بضعة أسابيع”.
فإسرائيل تبدو اليوم قادرة على خوض نزاعات طويلة الأمد. وبعد أكثر من عامين ونصف من المواجهات على جبهات متعدّدة، يحافظ الجيش الإسرائيليّ على مستوى عملياتيّ مرتفع. ويرى الحلو أنّ إسرائيل استعدّت منذ أكثر من عقد لسيناريو مماثل، يشمل إيران، وحزب الله، وغزّة، وساحات إقليمية أخرى، في آن.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|