الحرب تعمّق الانكماش… و"الحبل على الجرّار"!
بدّدت حرب إسناد إيران كلّ توقّعات النمو الإيجابي للاقتصاد اللبناني في العام 2026، فـ"طيّرت" نسبة الـ 4 % التي كان مرصد البنك الدولي يتوقّعها، وأعادت الاقتصاد إلى مسار انكماشٍ حاد يتراوح بين 7 و 10 %. وهو رقم كبير يحمل تداعيات خطيرة على الاقتصاد، ويذكّر بتداعيات حرب إسناد غزة في العام 2024 التي سجّلت نموًا سلبيًا بلغ نحو 7.5 %.
أدّى رفض حزب الله تسليم سلاحه ومعارضته التوصّل إلى سلام يُنقذ لبنان من حالة الهشاشة التي تصيب اقتصاده، الى إبقاء البلاد في مرحلة “لا حرب ولا سلم”، وبالتالي لا استقرار ولا أفق أمني، بل حالة من الجمود القاتل. مرحلة الترقّب تلك تُعدّ الأطول والأخطر على الاستثمارات والسياحة والأعمال، إذ تدفع المؤسسات إلى "عصر" نفقاتها، بل إلى إقفالها في بعض القطاعات، مع ارتفاع نسب البطالة، ما يعمّق الركود ويفرمل القدرة الشرائية ويحوّل الكماليات إلى ترفٍ مؤجَّل، ويجعل من التعافي أمراً مؤجّلاً وصعباً.
كان السيناريو الأكثر واقعية لتقديرات مرصد البنك الدولي لنمو الاقتصاد اللبناني في العام 2026 أن يسجّل 4 %، شرط استمرار الإصلاحات التي شرعت بها الحكومة ووجود استقرار أمني. حتى إن بعض الترجيحات كانت أكثر تفاؤلًا، متوقعة أن يصل النمو إلى 6 %.
الوضع أخطر من السابق
والأسوأ في كل ذلك أن الوضع الذي يتخبّط به لبنان، كما يجمع المسؤولون، بات أخطر من الحروب والمطبات السابقة التي اجتاحت البلاد. لماذا؟ يقول عميد كلية إدارة الأعمال في جامعة القديس يوسف في بيروت، ورئيس الاتحاد الدولي لرجال وسيدات الأعمال اللبنانيين فؤاد زمكحل لـ"نداء الوطن"، إن الأزمة الاقتصادية التي يواجهها لبنان حاليًا هي أصعب من الأزمات السابقة لأسباب عدّة:
1- لم يبلسم لبنان بعد جروحه من أكبر أزمة اقتصادية، كما صنّفها البنك الدولي في التاريخ الحديث.
2- أضرار انفجار مرفأ بيروت في 2020 التي طاولت الحجر والبشر.
3- حرب 2024، واليوم يجد نفسه أمام حرب جديدة.
في العام 2025، يقول زمكحل: "سجّل الاقتصاد اللبناني نموًا بحسب مرصد البنك الدولي بنسبة 3.8 %، وكانت التوقعات أن يتراوح للعام الجاري بين 4.5 و 6 %، إلا أن الحرب غيّرت المعادلة وأعادتنا مجددًا إلى الوراء، ليصبح النمو سلبيًا ويتراوح بين -7 و -10 %"، بسبب بطء الحركة الاقتصادية والاستثمارية وانعدام الثقة والرؤية المستقبلية.
كل تلك الأمور ستؤثر على عجلة الإنتاج وعلى عائدات القطاع العام التي شهدت تراجعات تتراوح بين 40 و 50 %. حتى إن ضريبة الـ300 ألف ليرة على البنزين تبخّرت جرّاء التضخم المستورد وارتفاع أسعار النفط إلى قمم كبيرة، ما انعكس على يوميات المواطن اللبناني، في ظل تراجع الاقتصاد الإقليمي بسبب تواجد دول الخليج في عين العاصفة".
أعمدة الإقتصاد
الاقتصاد اللبناني، برأي زمكحل،" يرتكز على ثلاثة أعمدة أساسية:
-تحويلات المغتربين التي تتراوح قيمتها بين 6 و 7 مليارات دولار سنويًا، قسم منها يأتي من المغتربين في الخليج الذين تراجع مدخول بعضهم جرّاء الحرب.
-الاستثمارات التي ترد إلى لبنان.
-القطاع السياحي الذي يلعب دورًا مهمًا في إجمالي الناتج المحلي والموازنة. فكان التعويل على عام 2026 أن يكون سياحيًا بامتياز، خلال الأعياد (الفطر، الفصح، الأضحى) وموسم الصيف.
إذًا، مما ذُكر يمكن القول إن اهتزاز تلك الأعمدة من شأنه أن يشلّ الاقتصاد اللبناني ويقطع عنه زخم النمو وتحريك الدورة الاقتصادية. لكن لماذا لا يزال الاقتصاد اللبناني هشًّا؟
أسباب هشاشة الاقتصاد
شكّلت الأزمات المتوالية السياسية والأمنية والمالية طوال السنوات الماضية تراكمات أضعفت الاقتصاد اللبناني وجعلته يهتزّ مع كل حدث إقليمي ومحلي، بعدما كان يحقق ارتفاعات قياسية.
بين عامي 2007 و2008 سجّل الاقتصاد مسارًا تصاعديًا بلغ ذروته في 2009 عندما تجاوز الـ 10 %. وقتها كان الاقتصاد اللبناني مدعومًا بتدفّق الرساميل والقطاع المصرفي القوي ونمو السياحة والخدمات والاستقرار النقدي النسبي. إلا أنه دخل تدريجيًا في مرحلة التباطؤ الاقتصادي منذ 2011 حين بدأت الأزمة السورية وتراجع الاستقرار الإقليمي.
في ذلك العام، تقلّب مسار الاقتصاد، فجُمّدت مشاريع وخُفّضت الاستثمارات الخليجية، وشهد الاقتصاد تحوّلات وتباطؤًا تدريجيًا بفعل التوترات الإقليمية، فبلغ النمو قبل انفجار الأزمة في 2019 مستويات متراجعة، إذ سجّل في 2017 نسبة 0.9 %، وفي 2018 نحو 1.9 % قبل أن يصبح سلبيًا في 2019.
مرحلة الركود الفعلي
دخل الاقتصاد فعليًا مرحلة ركود وانكماش في عام 2019، مع توقف شبه كامل للرساميل والسيولة، وتراجع الاستهلاك والاستثمار وحركة العقارات، ما شكّل مقدّمة مباشرة للأزمة المالية والاقتصادية التي انفجرت في نهاية العام، ليُسجّل الاقتصاد نموًا سلبيًا بنحو -6%.
كانت 2020 السنة الأسوأ في تاريخ الاقتصاد اللبناني الحديث، إذ وصل النمو السلبي إلى -26 % نتيجة انهيار النظام المالي والاقتصادي وتدهور الليرة اللبنانية من جهة، وجائحة كورونا من جهة أخرى، إضافة إلى انفجار مرفأ بيروت في 4 آب الذي شكّل الضربة القاضية.
وفي عامي 2021 و2022 واصل الاقتصاد انكماشه، مع تعافٍ ظاهري محدود، إذ تراوح النمو بين 2 % في 2021 و1 % في 2022، قبل أن ينحدر مجددًا في 2023 إلى نحو0.7 %، مع استمرار الانكماش، رغم تثبيت سعر الصرف في منتصف العام عند 89,500 ليرة للدولار بعد وصوله إلى 140 ألف ليرة.
وبحسب تقديرات صندوق النقد الدولي، سجّل الاقتصاد اللبناني تراجعات حادة في 2024، إذ بلغ النمو -7.5 % بسبب حرب إسناد غزة، ما أدّى إلى تراجع السياحة والاستثمار واستمرار الانكماش. إلا أن الاقتصاد، المتأرجح على وقع التطورات الأمنية محليًا وإقليميًا، شهد تحسنًا في 2025 ليبلغ نحو 4 %، لكنه بقي تعافيًا هشًّا غير مستدام، مع توقعات بانكماش كبير قد يصل إلى10 % بسبب استمرار الحرب.
إذاً، إنّ انكماش الاقتصاد بنسبة 10% يعني دخول لبنان في حلقة من البطالة والفقر والضغط على الليرة، ما يجعل التعافي كلّما طال أمد الركود بطيئًا وصعب التحقّق.
باتريسيا جلاد - نداء الوطن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|