طوني فرنجية في لقاء تربوي: الأزمات المتراكمة تمنعنا من تطوير قطاعاتنا
إيران: خمسة رؤوس… ومرشد غائب
في كلّ أزمة كبرى تمرّ بها إيران، يظهر سؤال واحد أكثر إلحاحاً من أيّ سؤال آخر: من يحكم فعلاً؟ هل هي الدولة أم الحرس الثوريّ أم المؤسّسة الدينيّة أم البرلمان أم شبكة المصالح الأمنيّة والاقتصاديّة التي تشكّلت خلال العقود الماضية؟
في الظروف الطبيعيّة تستطيع طهران إخفاء هذا التناقض عبر خطاب موحّد ظاهريّاً، لكنّ الحروب والتهديدات الأمنيّة تكشف دائماً التصدّعات الداخليّة لأنّ كلّ مؤسّسة تتحدّث بلغة مختلفة، ولكلّ جهة حساباتها الخاصّة، وأحياناً أجندتها الخاصّة أيضاً.
تبدو إيران اليوم كأنّها تتحدّث بخمسة أصوات متوازية، لا بصوت دولة واحدة. هذا ليس تفصيلاً إعلاميّاً، بل أحد أخطر عناصر الارتباك داخل النظام الإيرانيّ نفسه، وأحد العوامل التي تجعل المنطقة كلّها عاجزة عن توقّع السلوك الإيرانيّ المقبل.
المرجعيّة الفعليّة للقرار
الصوت الأعلى حاليّاً هو صوت الحرس الثوريّ، ليس لأنّه الأقوى عسكريّاً فقط، بل لأنّه بات يملك سلطة تتجاوز الدولة التقليديّة. لا يتعامل الحرس مع نفسه باعتباره مؤسّسة عسكريّة، بل باعتباره حارس المشروع الإيرانيّ كاملاً، من العراق إلى لبنان واليمن والخليج. لهذا تبدو لغته دائماً أكثر حدّة من لغة الخارجيّة أو الحكومة.
حين يتحدّث الحرس الثوريّ لا يرسل رسائل داخليّة فقط، بل يحاول تثبيت صورة أنّ إيران ما تزال قادرة على فرض قواعد اشتباك إقليميّة على الرغم من الضغوط الاقتصاديّة والعزلة الدوليّة. لذلك نرى التهديدات العسكريّة والتصريحات التصعيديّة تتكرّر حتّى في اللحظات التي تكون فيها الحكومة الإيرانيّة تحاول فتح باب تفاوض أو تهدئة.
المشكلة أنّ هذا الصوت لم يعُد رأياً داخل النظام، بل أصبح في كثير من الأحيان هو المرجعيّة الفعليّة للقرار الأمنيّ والخارجيّ. هنا تبدأ الأزمة الحقيقيّة لأنّ الدول حين تتعدّد فيها مراكز القرار تتحوّل السياسة الخارجيّة إلى رسائل متناقضة.
في المقابل، هناك صوت البرلمان. يحاول البرلمان الإيرانيّ الظهور كسلطة سياسيّة تعبّر عن المزاج الشعبيّ المحافظ، لكنّه يتحرّك عمليّاً داخل هامش ضيّق جدّاً. يرفع كثير من النوّاب سقف الخطاب ضدّ الغرب وضدّ دول الجوار ليس لأنّهم يملكون القرار، بل لأنّ المزايدة السياسيّة داخل النظام الإيرانيّ أصبحت وسيلة لإثبات الولاء.
يتحوّل البرلمان خلال الأزمات إلى منصّة خطابيّة أكثر منه مؤسّسة تشريعيّة. تُطلق دعوات لإغلاق مضيق هرمز، أو الانسحاب من الاتّفاقيّات الدوليّة، أو الردّ العسكريّ المباشر، لكنّ هذه التصريحات غالباً لا تتحوّل إلى سياسات فعليّة. مع ذلك، يخلق تراكم هذه اللغة صورةً لإيران تُظهرها دولة تتّجه باستمرار نحو التصعيد، حتّى عندما تكون القيادة السياسيّة تحاول تفادي الانفجار.
ثمّ يأتي صوت وزارة الخارجيّة، وهو الصوت الأكثر ازدواجيّة في المشهد الإيرانيّ لأنّها تتحدّث بلغة الدولة التقليديّة: الحوار، السيادة، القانون الدوليّ، حسن الجوار، والاستقرار الإقليميّ. لكنّ المشكلة أنّ هذه اللغة كثيراً ما تبدو منفصلة عن الوقائع على الأرض.
يخاطب وزير الخارجيّة الإيرانيّ العالم كدبلوماسي يريد احتواء الأزمة، بينما تتحدّث منصّات الحرس الثوريّ بلغة الحرب المفتوحة. ليست هذه الازدواجيّة جديدة، لكنّها أصبحت أكثر وضوحاً في المرحلة الأخيرة، وخصوصاً بعد تزايد الضغوط العسكريّة والسياسيّة على طهران.
لهذا تجد دول الجوار نفسها أمام معضلة حقيقيّة: أيّ إيران يجب أن تصدّق؟ إيران الخارجيّة أم إيران الحرس؟ لغة التهدئة أم لغة الصواريخ؟ بيانات الدبلوماسيّة أم تصريحات القادة العسكريّين؟
هذا التناقض تحديداً هو ما يضعف الثقة الإقليميّة بطهران، حتّى في اللحظات التي تحاول فيها تحسين علاقاتها مع محيطها العربيّ.
أمّا الصوت الأضعف فهو صوت الرئيس الإيرانيّ. فقدت الرئاسة في إيران تدريجاً وزنها الحقيقيّ خلال السنوات الماضية. لم يعُد الرئيس مركز القرار كما يبدو في الأنظمة التقليديّة، بل تحوّل إلى واجهة تنفيذية محدودة الصلاحيّات أمام نفوذ المؤسّسات الأمنيّة والدينيّة.
لهذا يبدو الرئيس الإيرانيّ غالباً غائباً عن الملفّات الكبرى، أو متأخّراً عن الأحداث. حتّى خطاباته باتت أقرب إلى محاولة التوفيق بين مراكز القوى المختلفة، منها إلى قيادة سياسيّة تفرض اتّجاه الدولة.
الغائب الأكبر
في أوقات الأزمات الكبرى، تبحث الشعوب عادة عن صوت واضح يقود المشهد. لكنّ الإيرانيّين أنفسهم لا يعرفون أحياناً من يتحدّث باسم الدولة فعلاً. هذه ليست مشكلة شكليّة، بل مؤشّر إلى خلل أعمق في بنية السلطة.
يبقى الصوت الأكثر غياباً وغموضاً: المرشد الأعلى مجتبى خامنئيّ. سواء ظهر بشكل مباشر أو بقي في الظلّ، تكشف المرحلة الحاليّة أنّ إيران تعيش انتقالاً حسّاساً داخل هرم السلطة الدينيّة والسياسيّة. يفتح الغياب المتكرّر للخطاب الحاسم في قمّة النظام الباب أمام تضخّم أدوار المؤسّسات الأخرى، خصوصاً الحرس الثوريّ.
حين يغيب الصوت المركزيّ، تبدأ بقيّة الأصوات بمحاولة ملء الفراغ. هذا ما يفسّر جزئيّاً حالة التناقض الحاليّة داخل الخطاب الإيرانيّ. تتصرّف كلّ جهة كأنّها صاحبة القرار النهائيّ، أو على الأقلّ كأنّها تريد تثبيت موقعها في مرحلة إعادة تشكيل موازين القوّة داخل النظام.
لا يتعلّق الخطر هنا بإيران وحدها، بل بالمنطقة كلّها لأنّ تعدّد الأصوات داخل أيّ نظام سياسيّ يصبح أكثر خطورة حين يرتبط بملفّات عسكريّة وصراعات إقليميّة. قد يقود الخطأ في التقدير إلى حرب لا يريدها الجميع، لكنّ أحداً لا يستطيع منعها بسبب تضارب مراكز القرار.
هناك مثال واضح على ذلك. حين تصدر الخارجيّة الإيرانيّة تصريحات تهدئة تجاه دول الخليج، ثمّ تظهر بعد ساعات تهديدات من قادة الحرس الثوريّ، لا تكون الرسالة النهائيّة التي تصل إلى الخارج التهدئة بل الارتباك. لا تبني الدول في أوقات التوتّر حساباتها على النوايا، بل على أسوأ الاحتمالات.
عجز عن ضبط التّناقض
المعضلة الكبرى أنّ إيران نفسها قد تكون عاجزة عن ضبط هذا التناقض. لم يعُد الحرس الثوريّ ذراعاً عسكريّة يمكن احتواؤها سياسيّاً، بل هو شبكة نفوذ اقتصاديّة وأمنيّة وإعلاميّة عابرة لمؤسّسات الدولة. كلّما توسّع هذا النفوذ، تراجعت قدرة الحكومة الشرعية على إنتاج سياسة خارجية متماسكة.
لهذا يبدو مستقبل العلاقة بين إيران ودول الجوار مرتبطاً بسؤال داخليّ إيرانيّ أكثر من أيّ وقت مضى: هل تستطيع طهران العودة إلى نموذج الدولة الواحدة ذات القرار الواحد أم تتّجه أكثر نحو نظام متعدّد الرؤوس؟
لا توجد حتّى الآن إجابة واضحة. لكنّ المؤكّد أنّ المنطقة تتعامل اليوم مع إيران الأصوات المتعدّدة لا مع إيران الصوت الواحد. ربّما تكون هذه المرحلة أخطر مرحلة تمرّ بها الجمهوريّة الإسلاميّة منذ سنوات لأنّ الضجيج الداخليّ في لحظات التوتّر قد يكون أخطر من التهديدات الخارجيّة نفسها.
فراس النعسان - أساس ميديا
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|