كنعان: إنهاء الحرب وتنفيذ الإصلاحات البنيوية من خلال استراتيجية تفاوض
لماذا خذل حسن نصرالله السنوار؟
كشفت صحيفة "معاريف" العبرية عن رسالة ضمن وثائق لـ"حماس" استولى عليها الجيش الإسرائيلي، موجّهة إلى الأمين العام لـ"حزب الله"، السيد حسن نصرالله، بتاريخ 7 تشرين الأول 2023، بتوقيع ثلاثة من أبرز قادة الهجوم: يحيى السنوار، ومحمد الضيف، ومروان عيسى. تكتسب هذه الرسالة الوثيقة قدرًا كبيرًا من الأهمية، لما تحتويه من رؤية استراتيجية مفصّلة. لكنها تثير سؤالا مركزيًّا: لماذا خذل السيد نصرالله يحيى السنوار وصحبه؟
فعلى الرغم من توصيف "طوفان الأقصى" اليوم بأنه "حماقة استراتيجية" بالنظر إلى نتائجه الكارثية، تبيّن الوثيقة أن العملية كانت مشروعًا مبنيًّا على قاعدة "إما كل شيء وإما لا شيء"، ارتكز على قراءة دقيقة للاستراتيجية الإسرائيلية، وخصوصًا مداولات "الكابينيت" أواخر آب 2023، مع تقدير بأن إسرائيل تفضّل خوض معارك متفرقة عوض الانجرار إلى حرب شاملة قد تفجّر المنطقة كلها في وجهها.
هذه النظرية أثبتت الوقائع دقّتها في توصيف السلوك الإسرائيلي لاحقًا: مواجهة مع "عرب 48"، ثم القدس "لتكريس واقع جديد"، فحملات اغتيال وتقطيع أوصال في الضفة الغربية، وصولا إلى استهداف الساحة السورية "بذريعة منع الوجود الإيراني"، والمعركة مع "حزب الله"، بل وإيران "بسبب برنامجها النووي". غير أنّ سوء الحسابات يتبدّى في غزة نفسها، نابعًا من خلل جوهري في الرهان على محدودية قدرة إسرائيل على خوض حرب طويلة، وتجنّبها الغرق داخل غزة، بما قاد إلى خلاصة مفادها أنّ نتائج "الطوفان" ستلوي ذراع إسرائيل.
تكشف الوثيقة أيضًا العنوان السياسي للعملية: "القدس" و"الأقصى"، كأداة تأثير استراتيجية تختزن رمزية عقائدية في الموروث الديني والوعي الجمعي العربي والإسلامي، "تحت هذا العنوان يمكن جمع الأمة كلها". الأمر الذي يفسّر الحملة الإعلامية الهائلة التي أعقبت "الطوفان"، وتأثيرها في الصعود المرحلي لتوائم "حماس" ضمن الجسد الإخواني في المشهد السياسي لبنانيًّا وأردنيًّا، ومحاولات توسيع الاشتباك باتجاه العراق ضمن سياسة تطويق السعودية.
أما الأهداف السياسية المركزية للعملية، فهي أكثر وضوحًا: إسقاط "اتفاق أوسلو" والسلطة الفلسطينية، و"انهيار أنظمة التطبيع والخيانة"، وهي، بحسب تعريف خطاب "حماس" ونظيراتها، تشمل كل الدول العربية، وصولا إلى عرقلة أي اتفاق محتمل بين المملكة وإسرائيل، واعتباره تهديدًا لمشروع محور الممانعة. بالإضافة إلى "إذابة الطائفية" واحتواء الصراع السنّي الشيعي تحت راية مشروع عابر للهويات. في حين أنّ رأس قمة الأهداف هو "تحقيق رؤية الإمام الخميني بإشعال الثورة الإسلامية الكبرى"، بما يثبّت "حماس" ركنًا ركينًا في مشروع الملالي التوسعي، عكس ما تدّعيه.
اشتملت الوثيقة على لغة اعتذارية لتبرير عدم إبلاغ "الحزب" والمركز في طهران بـ"لحظة الصفر"، حفاظاً على عنصر المباغتة، وهو إجراء يبدو محقّاً بالنظر إلى الخروقات المفجعة في بنية الاثنين. ناهيكم عن نداء استغاثة ونفير يتطابق مع ذاك الموجّه من محمد الضيف فجر "الطوفان"، مغلّفًا بتحذير: "إن هذا الكيان... سيهرب من أزماته الداخلية ليعيد ترميم ما يسمّيه الردع ضدنا جميعاً"، وهو ما حصل فعلا.
لذلك، تدعو الوثيقة إلى "المشاركة بقوة وحزم"، وتحدّد خريطة الطريق بطلب قصف مركّز بالصواريخ والمسيّرات لاستنزاف القبة الحديدية وشل قدرات سلاح الجو، "بما سيجعل الوضع مناسبًا للسيطرة على الأرض والسكان". وهو الحلم الذي كان نصرالله يحقن به أوردة جمهوره بالحديث عن الصلاة في الجليل والأقصى.
وعليه، يكتسب نداء القادة الثلاثة لنصرالله ومخاطبته بـ"أخينا الحبيب" دلالات شديدة القسوة، "إن ثمن أي تردد سيكون كبيرًا ولا يمكن تحمّله"، ليصبح السؤال المطروح عن دوافع زعيم "وحدة الساحات" لعدم المشاركة بالشكل الذي ألحّوا عليه، وترك "حماس" تُسحق قبل أن يصل الدور إلى حزبه.
سرّ قرار نصرالله لدى نظام الملالي، ويكمن في جوهر الاستراتيجية التي يتبنّاها منذ قيامه، وركيزتها تطويق الدول العربية واختراقها عبر الوكلاء، بما يتيح له أن يكون شريكًا مضاربًا في حكم المنطقة، مع تجنّب الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع أميركا أو إسرائيل. أدمن "آيات الله" هذه الاستراتيجية حتى تحوّلت مع الوقت إلى قيد بنيوي سقطوا في براثنه. كان الهدف من "الإسناد" استنزاف الوقت والبحث عن الصفقة، فذاب "الحزب" وذابوا معه.
سامر زريق -نداء الوطن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|