طوني فرنجية في لقاء تربوي: الأزمات المتراكمة تمنعنا من تطوير قطاعاتنا
العفو العام من العدالة الى الابتزاز
عاد ملف العفو العام إلى واجهة النقاش السياسي والقضائي في لبنان، لكن هذه العودة لم تأتِ هذه المرة من بوابة المعالجة الإنسانية أو تصحيح الخلل القضائي، بل من باب الاشتباك السياسي والطائفي الذي أدى عملياً إلى تجميد القانون وتحويله إلى ساحة ابتزاز متبادل بين القوى السياسية. فبدلاً من أن يشكل مشروع العفو فرصة لإعادة الاعتبار إلى مفهوم العدالة وإنصاف الموقوفين الذين لم يحصلوا على محاكمات عادلة منذ سنوات، انزلق تدريجياً نحو حسابات انتخابية ومناطقية أخرجته من إطاره القانوني والإنساني.
وتشير المعطيات السياسية والنيابية إلى أن الأزمة الأساسية لم تعد مرتبطة بمبدأ العفو نفسه، بل بالكيفية التي جرى فيها توظيف هذا الملف داخلياً. فكل فريق حاول مقاربة القانون من زاوية بيئته الشعبية ومصالحه الانتخابية، الأمر الذي أدى إلى تفريغه من مضمونه الوطني وتحويله إلى مادة انقسامية حساسة. ومع اتساع السجالات حول الأسماء والفئات المشمولة بالعفو، انتقل النقاش من المؤسسات إلى الشارع، لتصبح القضية جزءاً من عملية شدّ عصب مذهبي وطائفي تتجاوز في كثير من الأحيان جوهر العدالة نفسها.
وفي خلفية هذا السجال، يبرز واقع قضائي مأزوم يتمثل بوجود عشرات، وربما مئات، من الموقوفين الذين أمضوا سنوات طويلة خلف القضبان من دون صدور أحكام نهائية بحقهم، في ظل بطء قضائي مزمن وانهيار إداري ومالي أصاب مؤسسات الدولة كافة، بما فيها الجسم القضائي. وهنا تكمن المعضلة الحقيقية التي يفترض أن يعالجها أي مشروع عفو جدي، أي معالجة حالات الظلم الناتجة عن التأخير في المحاكمات أو غياب العدالة الناجزة، لا فتح الباب أمام إسقاط الأحكام عن مرتكبي الجرائم الخطيرة أو تحويل العفو إلى تسوية سياسية على حساب الضحايا وعائلاتهم.
وتكشف طبيعة النقاش الدائر أن الخلط بين البعد الإنساني والبعد السياسي للقانون ساهم في تعقيد الملف أكثر فأكثر. فهناك من يحاول تسويق العفو كأنه عملية "تصفير للسجون"، فيما المقاربة القانونية السليمة تقوم على "تصفير المظلومية" لا على إلغاء مفهوم العقاب أو تمييع الجرائم المثبتة. لذلك برزت اعتراضات واسعة على أي محاولة لإدخال أصحاب الأحكام النهائية في الجرائم الكبرى ضمن أي تسوية، باعتبار أن ذلك يشكل ضربة مباشرة لمفهوم العدالة ويعيد فتح جراح الضحايا بدل معالجتها.
ويبدو واضحاً أن الخطر الأكبر لا يكمن فقط في تعثر القانون، بل في النموذج السياسي الذي أفرزه النقاش حوله. فعندما تصبح العدالة خاضعة لموازين القوى والضغوط المناطقية والشعبوية، تفقد الدولة تدريجياً هيبتها وقدرتها على فرض القانون بالتساوي بين المواطنين. كما أن تحويل الملفات القضائية إلى أوراق مساومة سياسية يفتح الباب أمام تكريس منطق الانتقائية، حيث يشعر كل طرف أن العدالة تُفصل وفق النفوذ السياسي لا وفق المعايير القانونية.
وفي هذا السياق، يخشى كثيرون من أن يؤدي استمرار الاستثمار الطائفي في ملف العفو إلى نسف أي إمكانية لتحويله إلى مدخل للمصالحة الوطنية أو لتعزيز الثقة بالمؤسسات. فالقوانين الاستثنائية من هذا النوع يفترض أن تصدر ضمن رؤية وطنية شاملة هدفها معالجة الاختلالات وتعزيز الاستقرار، لا تأجيج الانقسامات أو إعادة إنتاج الاصطفافات التقليدية. ولهذا السبب، فإن أي محاولة لتمرير قانون عفو تحت ضغط الشارع أو مناخ التحريض السياسي قد تؤدي إلى نتائج عكسية، ليس أقلها تعميق الشعور بالغبن لدى شرائح واسعة من اللبنانيين.
وفي ظل هذا المشهد، تبدو الحاجة ملحّة لإعادة النقاش إلى أساسه القضائي والإنساني بعيداً من المزايدات. فالتحدي الحقيقي أمام المشرعين لا يتمثل في تحقيق مكاسب شعبوية سريعة، بل في إيجاد توازن دقيق بين العدالة والرحمة، بين حقوق الموقوفين ظلماً وحقوق المجتمع والضحايا. لأن أي عدالة انتقائية لا تبني دولة، بل تؤسس لمزيد من الأزمات والانقسامات التي تهدد ما تبقى من ثقة اللبنانيين بمؤسساتهم.
داود رمال – "أخبار اليوم"
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|