فخ إسرائيلي للدولة اللبنانية: محاربة الحزب ولا موعد للانسحاب
بطريقة توحي بالكثير من التضارب، جرى تسريب معلومات في لبنان عن وجود مساعٍ يقوم بها رئيس الجمهورية، عبر الولايات المتحدة الأميركية، للوصول إلى اتفاق شامل لوقف إطلاق النار ينهي التصعيد الإسرائيلي على أن يبدأ تطبيقه نهاية الاسبوع المنصرم أو فجر الإثنين. حصل ذلك في وقت كان يتم فيه التسويق لنجاح لبنان عبر المفاوضات المباشرة في التوصل مع اسرائيل الى تمديد الهدنة لمدة 45 يوماً.
وفي السياق، تردد أن حزب الله تسلّم، عبر رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي نقل بدوره صيغة من قصر بعبدا، مقترحاً يقوم على مبدأ "خطوة مقابل خطوة"، أي أن يوقف الحزب إطلاق النار مع انتهاء الهدنة الأولى الممددة، مقابل وقف إسرائيلي مماثل.
عملياً، لم يقدم الحزب أي جواب، لا شفهياً ولا خطياً، على المقترح، كما أن إسرائيل لم تفعل. اختار الطرفان تقديم جوابهما في الميدان: إسرائيل استأنفت مسلسل القصف والتهجير وكأن الهدنة الممددة لم تدخل حيز التنفيذ، فيما واصل الحزب عملياته العسكرية.
بعيداً من لغة الأسئلة والأجوبة الرسمية، لا يبدو الحزب في وارد تقديم أي شيء حالياً، بما في ذلك الإجابات المكتوبة أو الشفهية. والسبب، بحسب مقربين منه، أنه يتعامل في هذه المرحلة بقدر كبير من الحذر، إذ يعتبر أن أي جواب يُطلب منه قد يُستخدم ضده لاحقاً بعد إعادة تدويره سياسياً أو إعلامياً بما يخدم خصومه.
ومن وجهة نظر الحزب، فإن الانخراط في نقاش من هذا النوع قد يتحول إلى أداة لإحراجه أو تحميله مسؤولية أي قرار لاحق. فلو وافقت إسرائيل مثلاً على وقف شكلي لإطلاق النار، ورفض الحزب الالتزام به باعتباره وقفاً صورياً، لجرى تحميله مسؤولية استمرار التصعيد.
الأولوية الأساسية لدى الحزب، وفق مصادر قريبة منه، ليست وقف إطلاق النار بحد ذاته، بل إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للمناطق المحتلة ووقف عمليات التدمير والنسف والاغتيال. فكيف يمكن، من وجهة نظره، المطالبة بوقف استهداف القوات الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية المحتلة، فيما ترفض هذه القوات الانسحاب، وتواصل عمليات القتل والتهجير حتى صباح اليوم الذي قيل إنه موعد تنفيذ وقف إطلاق النار؟
المرحلة إذن، لإعادة ترتيب الأولويات: الحزب يريد إنهاء الاحتلال أولاً، الدولة اللبنانية تريد وقف إطلاق النار بوصفه مدخلاً للملفات الأخرى، فيما تسعى إسرائيل إلى وقف انتقائي لإطلاق النار، لا يشمل الأهداف المرتبطة بالحزب، وهو ما تبلغته بعبدا رسمياً من الجانب الأميركي.
أخطر ما يجري هو ما يحاول الإسرائيلي تسويقه، وأن لا يعتبر احتلاله للبنان إلا بوصفه مساهمة في مساعدة الدولة على تنفيذ قراراتها وبسط سيادتها، وهو ما تريد إسرائيل تكريسه في المفاوضات. تريد إسرائيل الوصول إلى صيغة تبرر لها تنفيذ أي هجوم داخل لبنان، استناداً إلى منطوق وقف إطلاق النار نفسه بصيغته الحالية وفق مذكرة وقف إطلاق النار الأميركية، التي تمنح إسرائيل حق الرد، فيما تُسقط هذا الحق عن الدولة اللبنانية.
ما يمكن فهمه هنا أن إسرائيل تريد من الدولة اللبنانية التعاون معها في مشروع إنهاء حزب الله وتفكيكه، عسكرياً ومؤسساتياً وسياسياً، مقابل الانسحاب. وفي هذا السياق، فتحت لقاءات واشنطن باب النقاش السياسي مع لبنان، انطلاقاً من "ورقة إعلان المبادئ" مع إحتمال التوصل إلى إتفاق بشأنها خلال الجلسة المرتقبة يومي 2 و3 حزيران المقبل، من دون أن يتضمن ذلك أي آلية واضحة للانسحاب الإسرائيلي.
أي أن تل أبيب تريد اتفاقاً سياسياً مع لبنان منفصلاً عن مسألة الانسحاب من الأراضي التي احتلت ما بعد 27 أيلول 2024 و 2 آذار 2026 ضمناً، المربوطة بتفكيك حزب الله والتي جرى نقلها إلى مسار أمني مستقل، يُفترض أن تستضيف وزارة الحرب الأميركية أولى جلساته في 29 الجاري. والحزب يدرك ذلك جيداً، ويتعامل معه باعتباره جوهر المشروع القائم، ما يفسر عدم اكتراثه بمقترحات وقف إطلاق النار التي يعتبرها بلا جدوى طالما أن الحرب ستستمر.
واقعاً وفي الجانب المعلن، يتعلق الهدف بإنشاء قنوات تواصل مباشرة بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي. أما الجانب غير المعلن، فيقوم على إعادة تدوير "الميكانيزم" الحالي ليصبح لجنة لإدارة الحرب، لا لمراقبة وقف إطلاق النار، عبر إنتاج صيغة جديدة قائمة على تنسيق مباشر بين ثلاثة أطراف فقط: لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة، بدلاً من الآلية الخماسية التي نص عليها اتفاق 24 تشرين الثاني 2024، والتي كانت تضم أيضاً فرنسا والأمم المتحدة.
بمعنى آخر، يجري عملياً تجاوز الاتفاق السابق، الذي شكل مدخلاً لوقف إطلاق النار، نحو صيغة أقل توازناً تجعل الدولة اللبنانية في موقع التنسيق المباشر مع إسرائيل، وتكرّس الفصل بين الدولة والحزب كأمر واقع.
كل ذلك يحدث فيما لا تزال الدولة اللبنانية عاجزة حتى عن الحصول على موعد واضح للانسحاب الإسرائيلي، الذي بات مرتبطاً بتنفيذ شروط تتعلق بوضعية الحزب وسلاحه. هذا فضلاً عن معلومات وصلت إلى لبنان تفيد بأن إسرائيل لا تنوي الانسحاب دفعة واحدة حتى لو تم التوصل إلى اتفاق، بل تريد البقاء لأطول فترة ممكنة بطريقة متفاهم عليها مع الحكومة اللبنانية، مع انسحاب تدريجي يشبه النموذج الذي اعتمدته في سيناء بعد الاتفاق مع مصر، والذي استغرق سنوات وترافق مع ترتيبات أمنية خاصة وضمانات لإسرائيل.
يفتح ذلك الباب أمام وضعية شديدة الالتباس تضع المؤسسة العسكرية في قلب الاشتباك السياسي والأمني، من دون أن يكون واضحاً ما إذا كانت تقبل الذهاب إلى نقاش أمني مباشر مع الإسرائيليين بالصورة التي تريدها الحكومة، وفي ضوء القوانين والضوابط الحالية.
ويزداد المشهد تعقيداً مع الحديث عن تشكيل لواء عسكري جديد داخل الجيش لا يتمتع فيه من يطلق عليهم "جماعة الحزب" (أي الشيعة) أي تأثير، هو في الحقيقة نوعاً من إعادة إعتماد ما سمي يوماً "مشروع تنظيف الجيش"، وما يشبه إعادة إنتاج لفكرة "اللواء الإقليمي" التي وردت في اتفاق 17 أيار 1983، والذي كان من المفترض أن يتولى آنذاك إدارة المنطقة الأمنية التي أنشأتها إسرائيل في الجنوب، وأن يشكل قناة تنسيق معها ضمن آلية عمل واضحة.
ووفق المنطق الإسرائيلي الحالي، فإن ما يسمى "المنطقة الصفراء" ورثت "المنطقة الأمنية" ولا تختلف كثيراً عن ذلك النموذج، إذ تعتبر إسرائيل أنها ليست في وارد التخلي عنها إلا ضمن ترتيبات تمنحها حق التدخل والتصرف الأمني.
ما يعنيه ذلك عملياً هو نقل الاشتباك، بصورة أكثر وضوحاً، إلى الداخل اللبناني نفسه، وإلى المؤسسة العسكرية تحديداً، التي تعيش إحدى أصعب مراحلها، بين الالتزام بالقوانين والتقيد بقرارات السلطة السياسية، وبين الخشية على وحدة الجيش وتماسكه، أو تعريض قيادته للمساءلة في حال رفض تنفيذ القرارات.
ويجعل ذلك قيادة الجيش أسيرة معادلات شديدة الحساسية: واقع أن نحو 37 في المئة من عديد الجيش هم من الطائفة الشيعية، وفق ما سبق أن أبلغه العماد رودولف هيكل للأميركيين، وواقع أن إسرائيل لا يزال يُنظر إليها داخل الثقافة العسكرية بوصفها عدواً، حتى وإن اختفت هذه العبارة من البيانات الرسمية، إضافة إلى تساؤلات متزايدة حول مدى استعداد القيادة لتحمل مسؤولية هذا المسار، أو الاستمرار فيه، أو قبول العماد هيكل الذهاب إليه في ظل هذا الواقع. ومع اقتراب لحظة اتخاذ قرارات مصيرية داخل مجلس الوزراء يصبح السباق محتدماً.
وعندها، ستكون المؤسسة العسكرية أمام واقع التنفيذ، فيما سيكون جزء واسع من اللبنانيين أمام قناعة بأن هناك من يريد تحويل الأجهزة الأمنية والعسكرية إلى خصم داخلي، ومأسسة منطق الاصطدام، وهو ما تخشاه مختلف المؤسسات الأمنية في لبنان، واستتباعاً، يخشاه الحزب أيضاً، ويخشاه أنصاره والكثير من جنوده وضباطه.
عبد الله قمح - المدن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|