التفاوض مع إسرائيل خيار استراتيجي لا ردة فعل
كتب مروان هندي:
التفاوض المباشر مع دولة إسرائيل غايته النهائية عقد اتفاق سلام وتطبيع شامل يُحاكي نموذج «الاتفاقات الإبراهيمية»، فهو خيار ذو طبيعة استراتيجية مستقبلية؛ يهدف إلى إعادة تموضع لبنان جيوسياسياً، وضمان انخراطه في منظومة المصالح الاقتصادية الإقليمية والدولية لإرساء السلام والازدهار. هذا المسار يصب في مصلحة لبنان العليا أولاً وأخيراً، ومن الضروري الانطلاق فيه من حقيقة ثابتة ألا وهي أنّ الحرب القائمة اليوم هي حرب على «حزب الله» وليست حرباً على لبنان.
إنّ هذا التوجه الاستراتيجي لا يجب أن يكون مجرد ردة فعل عابرة فرضتها ظروف الحرب، بل هو فعلٌ سيادي غايته الأساسية نزع سلاح «حزب الله» وتفكيك دويلته، كونه الممر الإلزامي والوحيد للوصول إلى الاتفاق المنشود مع دولة إسرائيل. وبناءً على هذا المنطق، تصبح مطالب السلطة اللبنانية من وقف للحرب والانسحاب من الأراضي وعودة النازحين وتحرير للأسرى وصولاً إلى ملف إعادة الإعمار مجرد تحصيل حاصل ونتائج بديهية ستتحقق تلقائياً كجزء من سلة اتفاق سلام شامل ترعاه الولايات المتحدة الأمريكية. فإبرام هذا الاتفاق هو الضمانة الحقيقية الوحيدة، وما عدا ذلك من مطالب السلطة اللبنانية التي تظهر محقة ليست إلا غرقاً في لزوم ما لا يلزم وحجر عثرة في مسار الإنقاذ.
وبعيداً عن غبار المناورات السياسية والصراعات والمناكفات المحتدمة حيناً بين الأطراف اللبنانية والتي تهدأ حيناً آخر، يظهر بوضوح أنّ هذه الأجواء والمناخات ليست إلا عملية تمويه وتعمية للواقع؛ حيث تبقى الحقيقة الساطعة هي أنّ شروط ومطالب السلطة اللبنانية آنفة الذكر وترتيب أولوياتها هي في جوهرها مطالب «حزب الله» وتتقاطع مع أجندته بشكل كامل. وفي هذا السياق، فإن رفض لقاء نتنياهو تحت أي عنوان أو ذريعة هو في جوهره وحقيقته رفضٌ قاطع لمسار الوصول إلى اتفاق سلام وتطبيع شامل؛ والدليل على ذلك هو إصرار السلطة على خيار الترتيبات الأمنية الهشة أو التمسك باتفاقية هدنة 1949 أو ربط الإتفاق بمخرجات القمم العربية، وهي خيارات تهدف حصراً لإبقاء فتيل النزاع مفتوحاً، بدلاً من اتخاذ قرارات استقلالية شجاعة تضع لبنان على خارطة ومسار التألق.
إنّ لبنان اليوم أمام لحظة تاريخية تتطلب شجاعة استثنائية؛ فبدلاً من تعمٌد السلطة تحويل مسار التفاوض إلى "مفاوضات من أجل المفاوضات" بهدف المماطلة وكسب الوقت، تماماً كما يفعله النظام الإيراني في مفاوضاته مع الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تبرز أيضا" طروحات كالتوافقات الداخلية وطاولات الحوار كعمليات تفخيخية تهدف حصراً إلى تعطيل جوهر المفاوضات ونتائجها المنشودة. لذا، يبقى المطلوب هو إرادة صلبة تدرك أنّ المصلحة العليا للبنان تكمن في السلام الدائم وتجريد «حزب الله» من سلاحه؛ فالعودة إلى المنطق الاستقلالي هي السبيل الوحيد لحماية الأجيال القادمة، والتحول نحو نموذج تنموي واعد هو الرد الحقيقي والأقوى على مشاريع الفوضى والدمار.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|