بعد ضجة حول ناقلة نفط وحديث عن "هدر فيها".. توضيح من "الطاقة"
للمرة الأولى لم يَقُلْ الحزب: “سنرد”… لماذا؟!
للمرة الأولى، منذ بداية حرب الاغتيالات بين حزب الله وإسرائيل، وبعد اغتيالها لقائد قوة “الرضوان” في الحزب، مالك بلوط، لم يعمد حزب الله إلى الرد، فهل فقد قدرته على الرد؟
شكّل اغتيال بلوط محطةً جديدةً في مسار المواجهة المفتوحة بين الحزب وإسرائيل. فعملية الاغتيال لم تكن حدثًا أمنيًّا عابرًا، بل حملت أبعادًا سياسيةً وعسكريةً ونفسيّةً عميقةً، خصوصًا أنّها استهدفت إحدى أهم الوحدات النّخبوية في الحزب، وهي القوة التي لطالما اعتُبرت رأس الحربة في أي مواجهة برّية محتملة مع إسرائيل. لكن ما أثار الانتباه أكثر من الاغتيال نفسه، هو غياب الرّد المباشر والواضح من الحزب، على الرّغم من أنّ عقيدته العسكرية والإعلامية طوال السنوات الماضية قامت على معادلةٍ تقول إنّ اغتيال القادة لا يمرّ من دون عقاب.
هذا الواقع فتح الباب أمام سؤال كبير: هل فقد حزب الله قدرته على الردّ؟ أم أنّ عدم الردّ لا يعني بالضرورة العجز، بل يعكس تحولاتٍ أعمق في الحسابات الاستراتيجيّة؟
في الظّاهر، يبدو المشهد وكأنّ الحزب تراجع عن قواعد الاشتباك التي رسّخها بعد حرب تموز 2006. فمنذ ذلك التاريخ، حاول الحزب تثبيت صورة مفادها أنّ أي اعتداء إسرائيلي كبير سيُواجَه بردٍّ مؤلمٍ، وأنّ اغتيال القادة سيقود إلى ردودٍ تتجاوز الحدود التقليدية. وقد نجح هذا المنطق لسنوات في خلق نوعٍ من الرّدع المتبادل، حيث كانت إسرائيل تحسب بدقّةٍ كلفة أي عملية اغتيال في لبنان.
إلّا أنّ الظروف تغيّرت بصورة جذرية خلال السنوات الأخيرة. فالحزب الذي كان يتحرّك ضمن بيئةٍ إقليميةٍ أكثر استقرارًا، أصبح اليوم يواجه ضغوطًا متعدّدةً في الداخل والخارج. لبنان يعيش انهيارًا اقتصاديًّا غير مسبوق، والدولة شبه مشلولة، والبُنية الاجتماعية التي تُشكّل الحاضنة الأساسيّة للحزب تعاني الفقر والتعب والخسائر البشرية. وفي ظلّ هذا الواقع، فإنّ أي قرار بالذهاب إلى حربٍ واسعةٍ قد يؤدّي إلى تدمير ما تبقّى من بنية الدولة والمجتمع اللبناني.
من هنا، يمكن فهم أحد أهم أسباب عدم الرد المباشر: الحزب يدرك أنّ إسرائيل ربما تسعى أصلًا إلى استدراجه نحو مواجهة شاملة. ولذلك، فإنّ الامتناع عن الرد قد يكون جزءًا من محاولة منع تل أبيب من تحقيق هدفها بفتح حربٍ واسعةٍ ضمن ظروفٍ إقليميةٍ تعتبرها مناسبة.
لكن هذا التفسير، على الرغم من أهمّيته، لا يكفي وحده. فثمّة عامل آخر لا يقلّ خطورة، يتعلق بتراجع هامش القدرة العملياتيّة والسياسيّة للحزب مقارنةً بما كان عليه في السابق. فالحزب، على الرغم من امتلاكه ترسانةً صاروخيةً كبيرةً، يعلم أن استخدام هذه القوة ليس قرارًا تقنيًّا فقط، بل قرار سياسي استراتيجي يرتبط مباشرة بإيران وبالوضع الإقليمي العام. أي رد كبير قد يجرّ المنطقة إلى مواجهةٍ مفتوحةٍ لا يبدو أنّ طهران نفسها تريدها في هذه المرحلة، خصوصًا في ظلّ الضغوط الاقتصادية والعقوبات والتوتّرات الإقليمية المتعدّدة.
كذلك، فإنّ إسرائيل تبدو اليوم أكثر جرأةً وثقةً بقدرتها على تنفيذ الاغتيالات داخل لبنان. وهذا يعكس، إلى حدٍّ بعيدٍ، اقتناعًا إسرائيليًّا بأنّ الحزب بات أكثر تقييدًا من السابق. الردع لا يقوم فقط على امتلاك السلاح، بل على إقناع العدو بأنّ استخدام القوة سيؤدّي إلى ثمنٍ مرتفعٍ وفوريٍّ. وعندما تنفّذ إسرائيل عمليات اغتيال متكرّرة من دون أن تواجه بردّ يوازي حجم الضربة، فإنّ ذلك يعني أنّ صورة الردع بدأت تتآكل تدريجيًّا.
وهنا تظهر معضلة الحزب الأساسية: فهو يريد الحفاظ على صورته كقوة مقاومة قادرة على الردّ، لكنّه في الوقت نفسه لا يريد حربًا شاملة. ولذلك يلجأ غالبًا إلى ردودٍ محسوبةٍ أو غير مباشرةٍ أو مؤجّلةٍ، في محاولة لتحقيق توازن بين حفظ الهيبة ومنع الانفجار الكبير. غير أنّ هذه السياسة تُصبح أكثر صعوبةً كلّما تكرّرت الضربات الإسرائيلية من دون ردّ واضح.
ثمّة أيضًا جانب نفسي وإعلامي بالغ الأهمية. فحزب الله بنى جزءًا كبيرًا من قوّته على الصورة الذهنية التي رسمها لنفسه منذ الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000، ثم بعد حرب 2006. صورة التنظيم الذي لا يترك دم قادته يذهب هدرًا، والذي يفرض معادلاته على إسرائيل بالقوّة. لكن استمرار الاغتيالات من دون ردود مؤثّرة يضعف هذه الصورة تدريجيًّا، ليس فقط أمام خصومه، بل أيضًا داخل بيئته الحاضنة.
المشكلة الحقيقية تكمن في الفارق بين امتلاك القوة والقدرة على استخدامها بحرية. فالقوة التي لا يمكن استخدامها إلّا ضمن شروط شديدة التعقيد تفقد جزءًا كبيرًا من فعّاليتها الرّدعية.
كما أنّ طبيعة الصراع نفسه تغيّرت. ففي السابق، كان الردّ العسكري المباشر هو الوسيلة الأساسيّة لإثبات التوازن. أمّا اليوم، فإنّ المنطقة تعيش مرحلةً مختلفةً، تتداخل فيها الحسابات الدولية والإقليمية بصورة أكبر. لذلك قد يرى الحزب أنّ الحفاظ على وجوده أهم من الدخول في مواجهة مفتوحة قد تكون نتائجها كارثيّة.
إسرائيل تدرك هذه المعادلة جيدًا، ولهذا تواصل سياسة “الضغط المتدرّج”. فهي تختبر حدود الحزب باستمرار، وتحاول نقل المواجهة إلى مستوى تصبح فيه الضربات الإسرائيلية أمرًا اعتياديًا لا يؤدّي إلى حرب. وإذا نجحت في ذلك، فإنّها تكون قد حققت تحوّلًا استراتيجيًّا مهمًّا، لأنّها تكون قد نزعت من الحزب أهم عنصر قوة امتلكه طوال السنوات الماضية: الخوف الإسرائيلي من التصعيد.
في المقابل، يحاول الحزب تقديم عدم الرد على أنّه “صبر استراتيجي” وليس ضعفًا. لكنّه يواجه تحدّيًا متزايدًا في إقناع جمهوره بهذه الرواية، خصوصًا عندما تتكرّر الاغتيالات ويغيب الردّ العلني والواضح. فالجمهور الذي اعتاد على خطاب “الردّ الحتمي” بدأ يطرح أسئلة مختلفة: هل تغيّرت قواعد الاشتباك؟ وهل أصبح الحزب محكومًا بميزان قوى لم يعد يسمح له بالمواجهة كما في السابق؟
في النهاية، يبدو أنّ حزب الله يقف أمام مرحلة دقيقة جدًّا في تاريخه. فهو لم يفقد سلاحه بالكامل، ولم يتحوّل إلى قوةٍ عاجزةٍ بالكامل، لكنّه بالتأكيد لم يعد يمتلك حرّية الحركة والرّدع نفسها التي امتلكها بعد عام 2006.
جان الفغالي - ”هنا لبنان”
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|