لبنان أمام محكمة الاستثمار الدولية… دراسة أوروبية تفضح خفايا ملف الحبتور
ليبانون ديبايت"
لم يعد ملف رجل الأعمال الإماراتي خلف أحمد الحبتور في لبنان مجرّد خلاف مالي أو استثماري عابر. فالمعطيات المتراكمة، منذ بداية الأزمة المالية عام 2019 وصولاً إلى إعلان مجموعة الحبتور اللجوء إلى التحكيم الدولي أمام المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار ICSID في نيسان 2026، تكشف عن قضية أعمق بكثير: دولة فشلت في حماية الاستثمار، وقيّدت حركة الأموال، وتركت المستثمر في مواجهة بيئة عدائية، ثم وجدت نفسها أمام مساءلة قانونية دولية ثقيلة.
وفق قراءة قانونية أوروبية محافظة، لا يمكن توصيف الملف اليوم على أنه قضية تعذيب أو احتجاز تعسفي بالمعنى الشخصي المباشر، إذ لا تتوافر علناً معطيات كافية تثبت توقيفاً أو سوء معاملة جسدية بحق الحبتور أو أفراد عائلته. لكن ما يظهر بوضوح أكبر هو ملف استثماري وحقوقي مركّب، يقوم على قيود مالية، وعرقلة تحويل أموال، وتهديدات أمنية وشخصية، وفشل مزعوم في توفير الحماية، وصولاً إلى إقفال عمليات المجموعة في لبنان.
تعود استثمارات مجموعة الحبتور في لبنان، بحسب بياناتها، إلى عام 2001، مع حضور واسع شمل فنادق ومرافق تجارية وترفيهية واستثمارات عقارية وودائع مصرفية. وتقول المجموعة إن حجم استثماراتها في لبنان قارب مليار دولار، قبل أن يدخل البلد في مرحلة انهيار مالي ومصرفي منذ عام 2019، رافقتها قيود غير رسمية على السحوبات والتحويلات، من دون إطار قانوني واضح وعادل.
في 10 كانون الثاني 2024، وجّهت مجموعة الحبتور إخطار نزاع استثماري إلى الدولة اللبنانية بموجب اتفاقية حماية وتشجيع الاستثمارات بين لبنان والإمارات، معلنة أن لبنان ومصرفه المركزي قيّدا قدرتها على تحويل أكثر من 44 مليون دولار من المصارف اللبنانية. وهذا الرقم ليس تفصيلاً مالياً فقط، بل يشكّل جوهر القضية القانونية: هل يحق لدولة أن تترك أموال المستثمر معلّقة في نظام مصرفي مأزوم، من دون علاج واضح، ومن دون تعويض، ومن دون مسار فعال لاسترداد الحقوق؟
بموجب المعاهدة الثنائية بين لبنان والإمارات، تلتزم الدولة المضيفة بتأمين معاملة عادلة ومنصفة للمستثمر، وحماية استثماراته، وعدم مصادرتها إلا وفق القانون وللمنفعة العامة وبمقابل تعويض عادل، إضافة إلى ضمان حرية تحويل الأموال المرتبطة بالاستثمار. ومن هنا، يصبح تقييد التحويلات، إذا ثبت أنه تم بصورة تعسفية أو غير متكافئة أو من دون علاج فعال، خرقاً محتملاً لالتزامات لبنان الدولية.
لكن الملف لم يبقَ مالياً فقط. ففي 11 حزيران 2024، أعلنت المجموعة تعليق إطلاق قناة تلفزيونية من لبنان، عازية القرار إلى “تحديات أمنية خطيرة” و”تهديدات جسدية للمؤسس والموظفين”، إضافة إلى حملات منظمة واتهامات وتشهير. وهنا انتقلت القضية من نزاع مصرفي إلى مسألة تتعلق بواجب الدولة في الحماية. فالدولة لا تُسأل فقط عن أموال المستثمر، بل أيضاً عن أمنه، وعن قدرتها على التحقيق في التهديدات ومنع تحوّل البيئة الاستثمارية إلى ساحة ترهيب.
وفي كانون الثاني 2026، صعّدت المجموعة موقفها، قبل أن تعلن في 28 كانون الثاني إقفال عملياتها في لبنان وإنهاء عقود العاملين لديها، متحدثة عن استحالة الاستمرار في ظل عدم الاستقرار والحملات العدائية.
وبعدها، في 23 نيسان 2026، أعلنت أنها تقدمت بطلب تحكيم أمام ICSID بواسطة مكتب White & Case، ما يعني أن النزاع خرج عملياً من الإطار المحلي ودخل مرحلة المساءلة الدولية.
قانونياً، يمكن قراءة الملف على 3 مستويات.
المستوى الأول هو الاستثمار. وهذا هو الأقوى حتى الآن. فهناك استثمار قديم، وأموال مجمّدة أو مقيدة، وإخطار رسمي للنزاع، وتحكيم دولي. هذا المسار يستند إلى المعاهدة اللبنانية - الإماراتية، وإلى مبادئ القانون الدولي للاستثمار، خصوصاً المعاملة العادلة والمنصفة، وحظر المصادرة غير المباشرة، وحق تحويل الأموال.
المستوى الثاني هو الحماية الشخصية والأمنية. فإذا ثبت أن الحبتور أو موظفيه تعرضوا لتهديدات جدية، وأن السلطات اللبنانية أُبلغت ولم تتحرك بفعالية، فهذا يفتح باب مساءلة الدولة عن التقصير في الحماية والتحقيق. فالتهديدات، وفق قانون العقوبات اللبناني، ليست مجرد كلام سياسي أو افتراضي، بل يمكن أن تشكّل جرائم يعاقب عليها القانون، خصوصاً إذا حملت طابعاً جدياً أو تسببت بخوف حقيقي أو أدت إلى تعطيل مشروع اقتصادي وإعلامي.
المستوى الثالث هو حقوق الإنسان بالمعنى الأشد، أي الاحتجاز أو التعذيب أو سوء المعاملة. وهذا المسار، حتى الآن، غير ناضج علناً في ملف الحبتور تحديداً. صحيح أن لبنان طرف في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وطرف في اتفاقية مناهضة التعذيب، وقَبِل بإجراء الشكاوى الفردية بموجب المادة 22 من الاتفاقية، لكن تفعيل هذا المسار يحتاج إلى وقائع شخصية مباشرة: توقيف، إكراه، سوء معاملة، أو تعذيب. وهذه المعطيات لا تظهر حتى الآن في الملف العلني.
داخلياً، يوفّر الدستور اللبناني قاعدة قانونية مهمة. فالمادة 7 تكرّس المساواة أمام القانون، والمادة 8 تحمي الحرية الشخصية، والمادة 15 تحمي الملكية، والمادة 20 تكفل ضمانات القضاء. كما أن قانون العقوبات يتضمن نصوصاً واضحة حول التهديد والتوقيف غير المشروع والتعذيب، فيما يمنح قانون أصول المحاكمات الجزائية ضمانات للمشتبه فيهم والموقوفين، ويكرّس قانون الحق في الوصول إلى المعلومات حق الأفراد والشركات في طلب الوثائق والمراسلات الإدارية.
لكن المشكلة في لبنان ليست دائماً في غياب النصوص، بل في غياب الفعالية. فالمستثمر لا يسأل فقط: هل توجد قوانين؟ بل يسأل: هل تُطبّق؟ هل القضاء قادر على حماية الحقوق؟ هل الإدارة ترد؟ هل المصرف المركزي يوضح؟ هل المصارف تلتزم بمعايير شفافة؟ وهل يمكن فعلاً تنفيذ حكم أو استرداد مال أو حماية شخص مهدد؟
من هنا، يصبح ملف الحبتور نموذجاً لاختبار الدولة اللبنانية أمام الخارج. فحين تقول مجموعة بهذا الحجم إنها لم تعد قادرة على تحويل أموالها، وإنها واجهت تهديدات، وإنها أغلقت عملياتها، وإنها ذهبت إلى التحكيم الدولي، فالمسألة لا تعود علاقات عامة. إنها إنذار قانوني واستثماري وسيادي.
المرفقات القانونية الأساسية في الملف واضحة:
أولاً، اتفاقية حماية وتشجيع الاستثمارات بين لبنان والإمارات، وهي المرجع الدولي الأهم في النزاع، لأنها تحدد واجبات الدولة اللبنانية تجاه المستثمر الإماراتي.
ثانياً، الدستور اللبناني، ولا سيما المواد 7 و8 و13 و15 و20، المتعلقة بالمساواة، الحرية، التعبير، الملكية، واستقلال القضاء.
ثالثاً، قانون العقوبات اللبناني، وخصوصاً المواد المتعلقة بالتهديد، والتوقيف غير المشروع، والتعذيب وسوء المعاملة.
رابعاً، قانون أصول المحاكمات الجزائية، ولا سيما المادة 47، والمواد التي تنظّم حماية الحرية الشخصية والرقابة على أماكن التوقيف.
خامساً، قانون الحق في الوصول إلى المعلومات رقم 28/2017، الذي يمكن استخدامه للحصول على مراسلات وقرارات ووثائق رسمية مرتبطة بطريقة تعامل الدولة مع الملف.
سادساً، تعاميم مصرف لبنان التي نظّمت السحوبات والتحويلات خلال الأزمة، والتي يمكن أن تشكل جزءاً من ملف الإثبات حول القيود التي فُرضت على الأموال.
سابعاً، تقارير صندوق النقد الدولي والبنك الدولي حول القيود غير الرسمية على رأس المال والسحوبات والخلل المصرفي في لبنان، وهي لا تثبت وحدها ضرر الحبتور، لكنها تثبت السياق العام الذي وقع فيه النزاع.
أما خطة العمل القانونية الأكثر احترافاً، فتبدأ بحفظ الأدلة. يجب تجميع طلبات التحويل المرفوضة، كشوفات الحسابات، مراسلات المصارف، أوامر SWIFT، الشكاوى الجزائية والمدنية، أي حكم لبناني قيل إنه صدر لمصلحة الحبتور، الأدلة الرقمية على التهديدات، وأسماء الحسابات أو الجهات التي شاركت في الحملات العدائية.
بعد ذلك، يجب فصل المسارات: ملف التحكيم الدولي للتعويض عن الضرر الاستثماري، ملف جزائي داخلي حول التهديدات والحملات، وملف حقوقي احتياطي لا يُفعّل أمام آليات الأمم المتحدة إلا إذا ظهرت أدلة مباشرة على انتهاكات جسدية أو حرمان من الحرية.
الخلاصة أن ملف الحبتور لا يحتاج إلى تضخيم غير مثبت كي يكون خطيراً. خطورته تكفي كما هي: مستثمر أجنبي كبير، أموال مقيدة، بيئة غير مستقرة، تهديدات معلنة، إقفال عمليات، ثم تحكيم دولي.
إنها ليست قضية رجل أعمال واحد فقط. إنها مرآة لما آل إليه لبنان: دولة ترفع شعار جذب الاستثمار، ثم تعجز عن حماية المستثمر. دولة تتحدث عن الثقة، ثم تترك أموال الناس رهينة نظام مصرفي منهار. دولة تقول إنها تحمي القانون، ثم يجد المستثمر نفسه أمام القضاء الدولي لا أمام مؤسساتها.
والسؤال هنا لم يعد تقنياً: هل يربح الحبتور التحكيم أم لا؟
السؤال الأهم: كم ملفاً مشابهاً ينتظر لبنان؟ وكم سيكلّف هذا الانهيار القانوني من تعويضات وسمعة وثقة؟
في النهاية، لا تُقاس هيبة الدولة بعدد الشعارات التي ترفعها، بل بقدرتها على حماية الحقوق. وإذا كانت الدولة لا تحمي المستثمر، ولا تضمن أمواله، ولا تحقق بفعالية في تهديده، ثم تستغرب هروبه إلى التحكيم الدولي، فالمشكلة لا تكون عند المستثمر.
المشكلة تكون في الدولة نفسها.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|