أميركا تحرك إعلامها لإثارة الفتنة
تسارع الضغوط الأميركية على لبنان للدفع نحو لقاء مباشر بين رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس وزراء العدو الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في إطار مهلة غير معلنة على قاعدة «الآن أو أبداً»، وسط تسريبات عن احتمال عقده في الأسبوع الثاني من الشهر الجاري.
مع تصاعد الدعوات إلى التفاوض، يدخل لبنان منعطفاً دقيقاً يكشف عمق الصراع على هويته، فيما تتفاقم الارتدادات السياسية داخلياً نتيجة المسار الذي فتحه التفاوض المباشر مع إسرائيل. وقد بات واضحاً أن الجهات الدافعة بهذا الخيار لا تتورّع عن استخدام مختلف أدوات الضغط لتحقيق ما تريده إسرائيل، حتى لو بلغ ذلك حدّ التلويح بالفوضى أو الحرب الأهلية.
فالمواجهة لم تعد محصورة في الميدان العسكري، بل تشهد محاولات منهجية لزعزعة الاستقرار الداخلي، عبر إثارة الفتن الإعلامية. وفي هذا الإطار، وبما يوحي بمحاولة مقصودة لتأجيج التوتر، أطلّت الفتنة برأسها من على شاشة «المؤسسة اللبنانية للإرسال» التي بثت فيديو مستوحى من لعبة «Angry Birds»، تضمّن مشهداً مسيئاً يجسّد الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم في مواجهة مع إسرائيل مستخدماً «المقلاع»، ما أثار ردود فعل حادّة وأدى إلى حملة مسيئة طاولت البطريرك الماروني بشارة الراعي.
وعزّز هذا المشهد الانطباع بوجود جهات، داخلية أو خارجية، تدفع بالإعلام نحو تحقيق مكاسب للعدو عجز عن تحقيقها في الميدان، بالتوازي مع تحريك الشارع كرسالة ضغط تُنذر بالكلفة التي قد يدفعها لبنان في حال لم ينخرط في مسار تفاوضي بالشروط المفروضة عليه.
ولم يكن بعيداً عن هذا السياق توقيت هذه الحملات، إذ جاءت عقب موقف رئيس الجمهورية جوزيف عون من ترتيب المسار التفاوضي وخطواته، خلال استقباله السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى في قصر بعبدا، معلناً في بيان رسمي أنه جرى «بحث التطورات الراهنة، ولا سيما ملف تثبيت وقف النار ووقف استهداف المدنيين والمنشآت المدنية، على أمل أن يمهّد ذلك لاستكمال الاجتماعات في واشنطن بعد جلستي التفاوض التمهيديتين».
في المقابل، حمل بيان السفير الأميركي ضغطاً واضحاً، إذ اعتبر أن لبنان «يقف عند مفترق طرق ويحظى بفرصة تاريخية لاستعادة أرضه وصوغ مستقبله كدولة ذات سيادة»، في ما بدا دعوة صريحة إلى الانخراط في مسار تفاوضي مع إسرائيل، في ظل الظروف المعقّدة التي تمر بها البلاد، ولا سيما مع التباين والارتباك في مواقف القوى السياسية، ما يعكس خللاً واضحاً في التنسيق حول هذا الملف. فرغم المواقف المتحفظة التي عبّر عنها عون، والبيانات الرسمية الصادرة عن قصر بعبدا التي تشدّد على ضرورة تحديد إطار تفاوضي واضح قبل أي لقاء مع نتنياهو، لا يزال لبنان في موقع حرج. وبينما تؤكد هذه البيانات أهمية توفير ضمانات تحفظ السيادة والأمن، فإن التردد الظاهر لدى بعض القوى السياسية يعكس حالاً من الفوضى التي تعيق بلورة موقف رسمي متماسك.
وفي هذا السياق، تُطرح تساؤلات حول جدوى المسار التفاوضي في ظل غياب أجوبة واضحة من واشنطن بشأن الضمانات التي يطالب بها لبنان. وقد عبّر رئيس مجلس النواب نبيه بري عن هذا القلق بنبرة نقدية حادة، إذ علّق على البيان الأميركي بالقول: «البيان يعبّر عن نفسه، وليس عندي ما أضيفه عليه». كما اعتبر أن «الهدنة المزعومة كانت فرصة لإسرائيل لمواصلة عدوانها على لبنان»، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة كان يفترض أن تتدخل لإلزام إسرائيل بتثبيت وقف إطلاق النار.
وما يزيد المشهد تعقيداً أن لبنان يواجه في الوقت نفسه تهديدات ميدانية مباشرة، مع تصاعد الاستهدافات الإسرائيلية في الجنوب. وفي ظل هذا الواقع، فإن الذهاب إلى التفاوض تحت وقع النار لا يبدو تعبيراً عن «شجاعة سياسية» كما يُروَّج له، بقدر ما يقترب من كونه استسلاماً مموّهاً بشعارات «الواقعية». فعندما تُدار المفاوضات فيما القصف مستمر، والانتهاكات قائمة، يكون ميزان القوة مختلّاً سلفاً، وتتحوّل طاولة التفاوض من مساحة لانتزاع الحقوق إلى منصة لفرض الشروط. لذلك، فإن أي مسار تفاوضي لا يسبقه تثبيت فعلي لوقف إطلاق النار، ولا يستند إلى ضمانات واضحة وملموسة، يظل تفاوضاً من موقع ضعف، مهما جرى تغليفه بخطابات السيادة و«الفرص التاريخية».
وفيما يواصل العدو ممارسة سياسة الأرض المحروقة بالقصف والقتل والتدمير الممنهج، لا تزال معادلة «الردع النشط» التي ثبتتها المقاومة تتصدر المشهد، بعدما تحوّلت الجبهة اللبنانية إلى «فخ استراتيجي» حقيقي للاحتلال ومستنقع يستنزف قواته التي أصبحت أهدافاً ثابتة داخل المنازل والوديان.
وتثبت المقاومة يومياً تفوقاً ملحوظاً في استخدام «المُحلّقات الانقضاضية»، التي تحولت من كونها سلاحاً تكتيكياً بسيطاً إلى أداة استراتيجية شلّت حركة دروع العدو ومشاته، مع اعتمادها تكتيك «الضربات النقطوية» بواسطة المحلقات والصواريخ لاصطياد التجمعات والمنظومات النوعية (مثل صواريخ غيل سبايك)، متجاوزة كل منظومات التشويش والدفاع الجوي.
وتتزايد المؤشرات داخل الأوساط الإسرائيلية على تعقّد الوضع الميداني، في ظل تصاعد تهديد الطائرات المسيّرة و«تقييد حركة» جيش الاحتلال. وأفاد مراسل «إسرائيل هيوم»، عيدان أفني أن جيش الاحتلال سحب معظم الجرافات من جنوب لبنان بعد استهدافها بالمسيّرات، واتجه إلى استخدام المتفجرات لتدمير البنى التحتية. وذكرت الصحيفة أن جيش الاحتلال يقرّ بوقوعه في «فخ استراتيجي» نتيجة تصاعد تهديد المسيّرات. ونقلت عن مصدر أمني أن الجيش غير قادر على الانسحاب لتفادي الإقرار بالخسارة، ولا على التصعيد بسبب قيود سياسية.
بدورها، أفادت «القناة 13» الإسرائيلية بوجود حال إحباط داخل الجيش، بسبب غياب حل تقني فعّال لهذا التهديد، رغم استمرار التجارب. ونقلت «يديعوت أحرونوت» عن مسؤول عسكري إسرائيلي رفيع إقراره بعدم توفر حل فعّال حتى الآن للتصدي للمسيّرات المفخخة.
ورأى إيال زيسر في «إسرائيل هيوم» أن الجولة الأخيرة من القتال انتهت بنتائج تصبّ في مصلحة حزب الله وإيران، معتبراً أن وقف إطلاق النار عزّز دور طهران في تحديد مسار الحرب، وقيّد حركة الجيش الإسرائيلي داخل لبنان. وأضاف أن نمط المواجهة المحدود في الجنوب يتيح لحزب الله إدارة حرب استنزاف، في وقت يكتفي فيه الجيش بالتصدي للتهديدات الميدانية دون استهداف مراكز القرار.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|