أزمة الدولار في لبنان: هل نقف أمام تكرار مفتعل لانهيار 2019؟
لم يخرج لبنان بعد من تداعيات الأزمة الاقتصادية التي بدأت في عام 2019، حتى تعود مؤشرات التدهور لتفرض نفسها مجددًا، مع ارتفاع الطلب على الدولار وتراجع مصادره، في ظل ظروف داخلية وخارجية معقدة.
بعد فترة من الاستقرار النسبي في سعر صرف الليرة مقابل الدولار، عاد الحديث عن تدهور محتمل نتيجة تداخل عوامل سياسية وأمنية، إضافة إلى تداعيات الحرب الدائرة في المنطقة. هذا الواقع يعيد إلى الواجهة المخاوف من أزمة نقدية جديدة قد تكون أكثر حدة.
أزمة تتجاوز الحرب
يدرك الجميع أن الأزمة الاقتصادية في لبنان لا ترتبط بالحرب وحدها، بل تعود أيضًا إلى غياب السياسات الاقتصادية الفعالة، وسنوات من سوء الإدارة الماليّة. ومع تصاعد التوترات، تفاقمت الضغوط على الاقتصاد، ما أدى إلى تراجع التدفقات الماليّة بالدولار. وتشرح مصادر مطلعة عبر "النشرة" مسار المداخيل والإنفاق بالدولار. وتلفت إلى أنه "يأتي من تحويلات المغتربين ومن السياحة، ولدى مصرف لبنان "محفظة" يشتري فيها أدوات ماليّة من الخارج تؤمن مداخيل بالعملة الخضراء إضافةً إلى ما تجنيه الدولة من ضرائب من المرفأ وtva، بالمقابل هناك إنفاق الدولة الذي كان متوقعاً في العام 2026 إضافةً إلى الإنفاق الذي أتى جراء الحرب الإسرائيلية على لبنان".
تراجع مصادر الدولار
وتلفت المصادر إلى أنه "في الحرب انخفضت السياحة بنسبة 80%، وكذلك التصدير بنسبة 50% تقريباً وتحويلات المغتربين بأكثر من 10%. بالمقابل انخفضت الإيرادات بأكثر من 50%، بما مفاده أن الأمر سيء جداً، وأضفنا على هذا كله إنفاق العام 2026 الذي يتضمن كلفة النزوح، وبحسب تقديرات المؤسسات الدوليّة فإنها حتماً تصل إلى 225$ لكلّ نازح في الشهر الواحد". وتتابع المصادر: إذا ذهبنا إلى القطاع الاقتصادي، وهذا يمكن اعتباره ضمن الإنفاق، فإن كلفة الاستيراد أصبحت أكبر نتيجة ارتفاع أسعار السلع عالمياً والشحن والتأمين وغيرها، وهذا الأمر أدى إلى إنفاق أكبر على الدولار"، مضيفةً: "أمام هذا كله يكون هناك نقص بالدولار من جهة وإنفاق أكثر عليه من جهة أخرى وهذا سيؤدي إلى نقص يصل إلى حدود 5 مليار دولار".
دور مصرف لبنان
"محفظة مصرف لبنان التي تؤمن المداخيل بالدولار لن تكون كافية لتغطية النقص في السياحة والتصدير وتحويلات المغتربين... ماذا سيحصل عندها؟". هنا تشرح المصادر أن "مصرف لبنان سيتدخل ويؤمن الدولار"، مشيرةً إلى أن "المواطن والشركات يدفعون الضرائب بالليرة للحكومة ويشترون العملة الوطنيّة من المصرف المركزي وهو يعطيهم الدولار وبعدها يدفعونه للحكومة التي تضع الأموال في حسابها رقم 36 في المصرف المذكور"، مشيرةً إلى أنّ هذه العملية خلقت توازناً بين العرض والطلب على الدولار. وبما أنّ الحرب وقعت وأصبح هناك شحّ بالمداخيل نتيجة عدم دفع الضرائب ودفع الحكومة دولارات إضافية بسبب النزوح، أصبح هناك عجز بالعملة الخضراء، والسؤال هنا: هل يمكن لمصرف لبنان أن يؤمن الدولار للحكومة؟".
سيناريوهات محتملة
تؤكد المصادر أن "أمام مصرف لبنان حلّاً من اثنين وكلاهما سيؤدي إلى تدهور في سعر الصرف. الأول أن يصرف من الاحتياطي الإلزامي الذي هو أموال المودعين دولارات ويزوّد الحكومة بها، وهنا عليه تأمين قرابة 450 مليون دولار شهرياً تتوزع بين رواتب موظفي القطاع العام (250 مليون دولار)، وتعاميم مصرف لبنان (200 مليون دولار) وإنفاق الحكومة (100 مليون دولار)". وتشير المصادر إلى أن "لدى المركزي محفظة يشتري بها أدوات مالية تدخل له الدولار، ورقم الـ450 مليون دولار للإنفاق يمكن أن يرتفع ليصل إلى 800 مليون دولار"، وتضيف: "إذا بقي المركزي يستعمل الاحتياطي سيصل إلى مستوى معين ويتفلّت سعر الصرف".
وتضيف المصادر: "يمكن أن يلجأ مصرف لبنان إلى السحب من حساب رقم 36 وهي الأموال التي جمعتها الدولة من الضرائب وتبلغ 830 تريليون ليرة لبنانية (830 ألف مليار ليرة)، ويشتري الدولار من السوق فتعود المضاربة، وهذا سيؤدّي إلى تفلّت في سعر الصرف "، وتشير المصادر إلى "وجود خيار إضافي وهو أن توقف الحكومة دفع رواتب موظفي القطاع العام بالدولار وتستعيض عنها بالليرة، وهنا سيعمد المواطن إلى السوق لشراء العملة الخضراء وسيهتز سعر الصرف".
مفترق حاسم
في لبنان تعوّدنا على الأزمات المفتعلة نتيجة غايات سياسية معيّنة، واليوم هناك صراع كبير في البلد بين مسارين: الأول تقوده الولايات المتحدة وينتهي بسلام مع إسرائيل والدولة اللبنانية بطلته، والثاني يرفض السلام قبل تحقيق الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية.
حسنًا، هذه كلها سيناريوهات واردة. وهنا تشير المصادر إلى أن "بعض المواطنين يلجأون إلى بعض المصارف لطلب شراء دولار بمبالغ صغيرة جداً لا تتعدى 200 أو 300 دولار". فضلاً عن ذلك، زار وزير المال ياسين جابر الولايات المتّحدة وناقش مع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي طلب إعطاء قروض للبنان فرُفض الطلب أيضاً.
كل المؤشرات تشير إلى أن البلد أمام مفترق حاسم. والقرار لم يعد اقتصاديًا فقط، بل سياسيا بامتياز... فهل يُحضّر شيء له؟
باسكال أبو نادر-النشرة
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|