الصحافة

الطائف بين النص والواقع… دولة مؤجَّلة وسلاح خارج المعادلة

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

منذ إقرار اتفاق الطائف، لم يكن لبنان أمام أزمة نص بقدر ما كان أمام أزمة تطبيق. فالاتفاق الذي وُضع ليكون خريطة طريق لإنهاء الحرب وبناء الدولة، تحوّل مع مرور الوقت إلى مرجعية موسمية تُستدعى عند كل استحقاق، ثم تُعاد إلى الأدراج عند أول تعارض مع مصالح القوى السياسية.

المشكلة لا تكمن في بنود الطائف، بل في الطريقة التي جرى التعامل بها معه. فقد تم تنفيذ ما يحقق توازنات السلطة وتقاسم النفوذ، بينما أُهملت البنود التي تؤسس لدولة فعلية، وفي مقدمتها بناء مؤسسات قوية وحصر السلاح بيد الشرعية. وهكذا نشأ نظام هجين "سلطة دستورية من جهة، ووقائع موازية تتحكم بمفاصل القرار من جهة أخرى.

في كل أزمة، يعود الطائف إلى الواجهة كأنه الحل الجاهز. تُرفع شعارات الالتزام به، وتُعاد التأكيدات على ضرورته كضامن للاستقرار. لكن سرعان ما يتبيّن أن هذا الاستحضار ليس إلا محاولة لاحتواء الانفجار، لا لمعالجة أسبابه. فبمجرد عبور المرحلة الحرجة، تعود القوى نفسها إلى سياسات الالتفاف والتعطيل، وكأن شيئاً لم يكن.

يبقى بند حصر السلاح الاختبار الأكثر وضوحاً لجدّية أي التزام بالطائف. فالدولة التي لا تحتكر قرار الحرب والسلم تبقى ناقصة السيادة، مهما امتلكت من مؤسسات شكلية. ومع ذلك، ظل هذا البند خاضعاً لحسابات داخلية وإقليمية، تُقدَّم فيها التوازنات السياسية على منطق الدولة، وتُؤجَّل فيه المعالجة إلى أجل غير مسمّى.

هذا الواقع أنتج معادلة خطرة: استقرار هشّ قائم على التسويات، لا على المؤسسات. فلا الدولة قادرة على فرض سلطتها الكاملة، ولا القوى السياسية مستعدة للتخلي عن أدوات نفوذها. والنتيجة استمرار حلقة مفرغة، تُدار فيها الأزمات بدل أن تُحل، ويُعاد فيها تدوير المشكلة بأشكال مختلفة.

المطلوب اليوم ليس إعادة تفسير الطائف، بل إعادة الالتزام به. ليس كنص يُستخدم عند الحاجة، بل كعقد وطني يُطبَّق بكامل بنوده، دون انتقائية. فإما دولة تُبنى على أساس واضح يحصر القرار السيادي بمؤسساتها، أو استمرار واقع رمادي يستهلك ما تبقى من ثقة اللبنانيين بدولتهم.

في النهاية، لا يمكن لأي نظام أن يستمر في تجاهل أسسه دون أن يدفع الثمن. والطائف، إذا بقي أداة ظرفية لا مشروعاً دائماً، سيتحول من حلٍّ تاريخي إلى عنوان دائم لأزمة لا تنتهي.

بقلم : سعد شعنين

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا