الصحافة

لبنان ساحة جديدة للصراع التركي - الإسرائيلي

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

يتصاعد التوتر والتراشق بالتهديدات بين تركيا وإسرائيل، في ظل استشعار أنقرة لجدّية المشروع التوسّعي الإسرائيلي، ولحالة نشوة القوة التي باتت تحكم سياسات تل أبيب، ولا سيّما بعد الهجوم المشترك مع الولايات المتحدة على إيران، ومع تزايد المؤشرات إلى توجّه لدى الرئيس الأميركي دونالد ترامب لتفكيك حلف «الناتو».

وفي المقابل، تخطّط إسرائيل التي لا يخفي قادتها أهدافهم بتحويلها إلى دولة مركزية في الشرق، لليوم التالي ما بعد الحرب على إيران، وتثبيت مكانها الجديد على حساب ما تبقّى من القوى الإقليمية التقليدية، مثل تركيا والسعودية ومصر. وهذا ما عبّر عنه رئيس حكومة الكيان بنيامين نتنياهو قبيل الهجوم على طهران بأيام، حين طرح رؤية تقوم على مواجهة ما سمّاه «المحور السنّي الصاعد» بقيادة تركيا.

يراقب الإسرائيليون نقاط ضعف الرئيس رجب طيب إردوغان، على المستويات السياسية والاقتصادية والعسكرية، ويدركون حاجة تركيا إلى وقتٍ طويل وموارد كبيرة لبناء ترسانة أسلحة حديثة، إضافة إلى اعتمادها المستمر على المكوّنات العسكرية الغربية. وتستثمر إسرائيل هذا الهامش الزمني لتعزيز تحالفاتها، والعمل على تطويق تركيا جغرافياً عبر خطوات سياسية واقتصادية وعسكرية تمتد من المحيط الهندي وآسيا الوسطى إلى البلقان واليونان والبحر المتوسط وصولاً إلى القرن الأفريقي.

ورغم تعدّد ساحات الاشتباك المحتملة بين الطرفين، إلا أن «ساحتي» سوريا ولبنان بدرجة أولى، وفلسطين والأردن بدرجة ثانية، تبقيان الأكثر أهمية والأقرب بالنسبة إلى طرفي الكماشة المطبقة على دول الشام من الشمال والجنوب.

وقد تحوّلت سوريا بالفعل إلى صندوق بريد بين تل أبيب وأنقرة، وإلى مسرح لإعادة رسم حدود النفوذ. فرغم محاولات تركيا تخفيف حدّة التوتر، عبر تشجيع الرئيس السوري أحمد الشرع على عقد اتفاق أمني وسياسي مع تل أبيب، وتوفير غطاءٍ لتنازلاته السيادية، اختارت تل أبيب المماطلة، وتوسيع دائرة ضرباتها العسكرية داخل الأراضي السورية، بما في ذلك استهداف أصول مرتبطة بتركيا. وقد دفعت مناطق مثل السويداء وشرق سوريا أثماناً أولية لهذا الاشتباك غير المباشر.

أمّا لبنان، فليس بعيداً عن ارتدادات الصراع الإسرائيلي - التركي المُرتقب. وقد بدأت ملامح هذه الحسابات تظهر لدى الطرفين، مع تنامي الرغبة في ملء الفراغ الذي يخلّفه تراجع الدورين الإيراني والعربي في بيروت. ويسعى كلّ من تركيا وإسرائيل إلى استثمار مرحلة ما بعد الحرب على إيران، والانكفاء الإيراني والعربي عن الأدوار الإقليمية، في ظل انشغال طهران وعواصم الخليج بإعادة ترتيب أوضاعها، ما يفتح الباب أمام تحوّل لبنان إلى ساحة تجاذب بين أنقرة وتل أبيب.

ورغم أنّ الحضور التركي لم يكن فاعلاً ميدانياً عبر المنظمات والجمعيات خلال العدوان الأخير على لبنان كما في الجولة السابقة، كثّفت أنقرة خلال العام المنصرم نشاطها السياسي والإنمائي، ووسّعت حضورها السياسي والأمني، مستفيدةً من الزيادة المتصاعدة في موازناتها الدفاعية منذ عام 2023، مع تقديرات تشير إلى بلوغ موازنة جهاز الاستخبارات التركي «أم.أي.تي.» ملياراً و200 مليون دولار لعام 2026.

وقد نجحت أنقرة في نسج علاقات إيجابية مع مختلف القوى السياسية اللبنانية. وأسهم الحضور التنموي، ولا سيّما عبر البلديات في مناطق الشمال وبعض قرى الإقليم وصيدا والبقاع، في تعزيز نفوذها داخل الأوساط السنّية من مختلف التوجهات، منها تيار المستقبل عبر أمينه العام أحمد الحريري، إضافة إلى أحزاب وشخصيات كانت حليفة للنظام السوري السابق وحزب الله، والفرع اللبناني لتيار الإخوان المسلمين، فضلاً عن النشاط التركي داخل المخيمات الفلسطينية التي بات لحركة حماس تأثير في العديد منها.

كما وسّعت تركيا نطاق خدماتها لتشمل النائب السابق وليد جنبلاط الذي تربطه علاقة متينة قديمة مع أنقرة، ورئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل الذي طوّرت علاقتها به أخيراً. وتراهن أنقرة التي تحتفظ بعلاقة جيدة مع حزب الله أيضاً، على جذب حلفاء إيران والنظام السوري السابق، وأيضاً حلفاء السعودية التقليديين، من دون أن تعارض إيران أو السعودية الدور التركي.

إسرائيل من جهتها، تعوّل في المقابل على وضع يدها على الدولة اللبنانية وتقييدها باتفاقية سلام، وربط لبنان بشبكة التحالفات الإسرائيلية الجديد والبحث عن - أو «خلق» - حلفاء محليّين في لبنان، ولا سيّما بين المسيحيين الموارنة والدروز، في سياسة قديمة للعب على وتر «الأقليات» و«الأكثريات»، على غرار ما يحصل في سوريا.

تعارض أنقرة التفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل خشية انتقال بيروت إلى التحالف الإسرائيلي - الهيليني الجديد بين تل أبيب وأثينا ونيقوسيا

هذا التعارض في الأجندات بين أنقرة وإسرائيل، في غياب التأثير العربي، يضع ضغوطاً إضافية على الحكومة ورئاسة الجمهورية، وعلى مجمل الواقع الأمني والسياسي في لبنان في المرحلة المقبلة، وقد يعيد رسم التوازنات الداخلية.

فبينما تنزعج تل أبيب من الموقف التركي الرافض للحرب الإسرائيلية على لبنان، وتزداد ريبتها من التحوّلات التركية، يثير اتفاق الترسيم البحري بين لبنان وقبرص، والتحركات القبرصية واليونانية الأخيرة تجاه بيروت، غضب الأتراك.

وتعارض أنقرة التفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل في هذا التوقيت، لاستشعارها باحتمال تحوّل المسار الحالي إلى مقدّمة لنقل موقع لبنان في التحالفات الإقليمية برعاية أميركية، إلى التحالف الإسرائيلي - الهيليني الجديد بين تل أبيب وأثينا ونيقوسيا. وعلى عكس سوريا، التي تحتاج فيها تركيا إلى حماية نظام الشرع بأي ثمن ولا تعارض عقده صفقة تطبيع مع إسرائيل لتجنّب إسقاط النظام وتشجيع تدفّق الأموال لإعادة الإعمار وتحقيق مكاسب للشركات التركية، فإنها ترى في «السلام» اللبناني مؤشراً عدائياً إلى اكتمال عقد التطويق من الجنوب والغرب.

وهذا يعني أنّ السلطة اللبنانية، التي اختارت الانخراط في مسار تفاوض مباشر مع إسرائيل، قد تجد نفسها في مواجهة تقاطعٍ غير مباشر بين موقفي تركيا وإيران، يهدف إلى منع انتقال لبنان إلى أي اصطفاف ضمن تحالف إقليمي تقوده تل أبيب. والخطر الأكبر في هذا السياق، يكمن في احتمال انزلاق الداخل اللبناني نحو انقسامات ذات طابع طائفي حادّ.

فبينما لا يملك الرئيس نواف سلام أي قاعدة شعبية بين السنّة اللبنانيين أو بين اللبنانيين عامةً، وفي ظل إعلان الرئيس نبيه بري رفضه للتفاوض المباشر، والمرونة العالية التي يتمتع بها النائب السابق وليد جنبلاط، ستقع المسؤولية الأكبر على عاتق الرئيس جوزف عون الذي يظهر في الواجهة، في ظل ضغوط أميركية متزايدة، ومحاولات إسرائيلية مدعومة من بعض القوى المحلية لتقديمه كممثّل للمكوّن الماروني، وتصوير أي اتفاق مُحتمل كأنه تفاهم بين إسرائيل والرئاسة المارونية.

ويأتي ذلك بالتوازي مع مواقف تصعيدية تصدر عن «القوات اللبنانية»، التي يذهب بعض مسؤوليها إلى خطابٍ مزايد في تأييد إسرائيل، لا يعكس حقيقة المواقف الشعبية، حتى داخل بيئة «القوات» التي يتسلّح قائدها سمير جعجع بالعلاقة المتينة مع السعودية.

ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أنّ مواقف القوى الإقليمية ليست ثابتة أو متطابقة بالكامل. فالسعودية، إلى جانب تركيا - وإيران بدرجة معيّنة - وفّرت غطاءً لتحرّكات الحكومة الانتقالية السورية ضد السويداء بذريعة العلاقات بين إسرائيل والدروز، بينما لا تزال المملكة ترفض اتفاق التطبيع مع إسرائيل قبل تحقيق شرط الدولة الفلسطينية ضمن مبادرة بيروت للسلام. وفي المقابل، لم تتردّد إسرائيل في توجيه تهديدات إلى ولي العهد محمد بن سلمان، حتى في خضمّ انشغالها بالحرب على إيران.

فراس الشوفي- الاخبار

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا