الصحافة

لبنان بين الثّابت السّعوديّ والمتحوّل الإيرانيّ

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

لم تكن موافقة النظام الإيرانيّ على اختيار العاصمة الباكستانيّة إسلام آباد لاستضافة ولعب دور الوسيط في المفاوضات مع الولايات المتّحدة الأميركيّة خياراً عابراً أو مرحليّاً. ولا يمكن اعتباره تخلّياً إيرانيّاً عن دور سلطنة عُمان وقيادتها، بما يمثّلانه من صداقة وتعاون تاريخيَّين ظهرت صلابتهما في العديد من الأزمات والملفّات الشائكة والمعقّدة، وليس آخرها جولات التفاوض التي جرت بين واشنطن وطهران قبل الحرب الأخيرة وقبل حرب حزيران عام 2025.

إنّ خيار إيران التوجّه نحو باكستان، بغضّ النظر عن اعتبارات أنّها دولة نوويّة وجوار جغرافيّ وبُعد جيوسياسيّ واجتماعيّ ودينيّ، وشريكة في الاستهداف الإسرائيليّ بوصفها مصدر تهديد مستقبليّ كما صرّح العديد من القادة الإسرائيليّين بوضوح، هو خيار يأخذ بُعداً استراتيجيّاً يرتبط بمستقبل منطقة الشرق الأوسط والعلاقة مع الجوار العربيّ الخليجي. لا يمكن إسقاط أهمّيّته ضمن الطموحات الإيرانيّة المرتبطة بالمجال الجغرافيّ الذي تمثّله باكستان في منطقة غرب آسيا وصولاً إلى العمق الصينيّ، وما يعنيه ذلك من متغيّرات مستقبليّة على المعادلات الدوليّة بكلّ أبعادها الاقتصاديّة والسياسيّة والعسكريّة.

إنّ الجوار الخليجيّ، الذي حكم ويحكم خلفيّة خيار إيران تظهير دور باكستان، قد يكون من الصعب تعميم أبعاده وآثاره الإيجابيّة على جميع الدول الخليجيّة الأعضاء في مجلس التعاون. ذلك لأنّ الهدف الإيرانيّ قام على قراءة استراتيجيّة وجيوسياسيّة واضحة لمستقبل العلاقة التي ستشهد ترميم ما تضرّر منها جرّاء الحرب والاستهدافات والاعتداءات الإيرانيّة على هذه الدول، وعلى مسار سياسيّ مختلف هذه المرّة، من المفترض أن ينعكس على العديد من الملفّات في المنطقة، التي تشكّل مساحة تداخل في المصالح والنفوذ والدور.

رسائل من البوّابة الباكستانيّة

أرادت طهران أن توصل رسائلها إلى الدول الخليجيّة من البوّابة الباكستانيّة، وهذه المرّة ضمن حسابات دقيقة ومعادلات جديدة يُراد لها أن تعيد رسم الأوزان العربيّة الخليجيّة في المعادلات الإقليميّة وملفّاتها، بناءً على جملة معطيات وأسس تصبّ جميعها في مصلحة بناء مرحلة جديدة من الثقة والتعاون السياسيّ والأمنيّ والاقتصاديّ، بعيداً عن التأثيرات الإسرائيليّة والتداعيات السلبيّة التي نتجت عن الاتّفاقيّات الإبراهيميّة التي ذهبت إليها بعض هذه الدول.

يأخذ هذا التوجّه وهذه القراءة الإيرانيّة لتداعيات ما بعد الحرب الأميركيّة بثابت وحيد في التعامل مع دول الجوار الخليجيّ، وهو الثابت السعوديّ الهادئ والعقلانيّ والاستراتيجيّ، وما تمثّله المملكة العربيّة السعوديّة من وزن وموقع ودور وتأثير في كلّ معادلات المنطقة. هي الدولة الوحيدة القادرة على إعادة التوازن وقيادة ترميم الثقة التي تزعزعت بين ضفّتي الخليج، وصولاً إلى المجال العربيّ الأوسع، والتأسيس لمرحلة جديدة من التعاون وتشبيك المصالح من أجل تعزيز الاستقرار والسلام.

تجلّى المؤشّر الأبرز إلى جدّية التوجّه الإيرانيّ للتعاون المستقبليّ مع الرياض من خلال الجهود التي بذلها كلا الطرفين لمنع انهيار الاتّفاق الهشّ الذي تمّ التوصّل إليه مع الحوثيّين، والذي أوقف حالة الحرب التي كانت قائمة، وسمح للجانب الإيرانيّ بألّا يُقحم اليمن في الحرب التي اندلعت في المنطقة إلّا بمشاركة رمزيّة. لعبت الجهود السعوديّة المباشرة، أو من خلال الدور الباكستانيّ الذي يرتبط معها بتحالف استراتيجيّ عميق، دوراً في تسريع التوصّل إلى آليّات تساعد على التفاهم لوقف إطلاق النار والذهاب إلى طاولة التفاوض.

بدوره التقط الجانب الإيرانيّ الإشارات الواضحة إلى أهميّة الدور السعوديّ في نزع الألغام والمساهمة الإيجابيّة والفاعلة في التفاوض، عندما اصطدم بالتملّص الأميركيّ والتعنّت الإسرائيليّ في تنفيذ اتّفاق وقف النار وشموله للجبهة اللبنانيّة، لا سيما عندما حاول تجاوز كلّ الأطراف المؤثّرة على هذه الساحة، وتحديداً المملكة السعوديّة، عبر محاولة قطف الإنجاز دون الأخذ بعين الاعتبار مصالح الرياض، التي استطاعت إعادة جدولة الطموحات الإيرانيّة، وأخرجتها من سرديّة التفرّد في رسم المعادلات الإقليميّة من خلال التفاوض مع الإدارة الأميركيّة.

عودة العقل الإيرانيّ في الملفّ اللّبنانيّ

إنّ العودة الإيرانيّة إلى قدر من العقلانيّة في التعامل مع الملفّ اللبنانيّ جاءت ترجمتها عبر الجهود التي قادتها إسلام آباد بعد انتهاء الجولة الأولى من التفاوض، من خلال زيارة قائد الجيش الباكستانيّ عاصم منير لطهران مع فريق سياسيّ وأمنيّ وعسكريّ كبير، بالتزامن مع مبادرة إيرانيّة عبر وزير الخارجيّة عبّاس عراقجي باتّجاه نظيره السعوديّ الأمير فيصل بن فرحان، ثمّ التواصل الباكستانيّ–السعوديّ الذي أنتج ضغوطاً سعوديّة على الإدارة الأميركيّة لدفعها إلى الضغط على تل أبيب لإعلان وقف إطلاق النار، المدخل المؤثّر والأساسيّ الذي يساعد على حلّ أزمة مضيق هرمز وإعادته إلى نشاطه ودوره المؤثّر في الاقتصادات العالميّة وأسواق الطاقة والصناعة.

أكّدت للقيادة الإيرانيّة هذه المعطيات التي أفرزتها هذه الجولة من الحرب بين واشنطن وطهران صعوبة الاستمرار في مشروعها لابتلاع المنطقة، وأنّ المدخل لامتلاك دور وموقع في المعادلات الإقليميّة لا يمكن أن يقوم على حساب دور وموقع الآخرين.

بالتالي يمرّ الوصول إلى نوع من التعادل في الأوزان في الإقليم من خلال بناء علاقة ثقة وصداقة حقيقيّة وتعاون جدّيّ مع المملكة العربيّة السعوديّة، التي تشكّل الرافعة الأساسيّة للدور العربيّ والمدخل الضروريّ إلى أيّ دور في العالم الإسلاميّ، إذ لا بدّ لأيّ طموح إلى بناء مشروع شراكة أمنيّة واقتصاديّة إيرانيّة – خليجيّة وإقليميّة أن يمرّ من البوّابة السعوديّة. يساعد ذلك طهران في إعادة تفعيل جهودها التي بدأتها مع أمين المجلس الأعلى السابق علي لاريجاني قبل اغتياله لبناء تحالف إقليميّ يضمّ المملكة السعوديّة ومصر وباكستان، متفاهم ومتعاون مع تركيا، باعتبار هذه الدول تشكّل أهدافاً عمليّة للطموحات الإسرائيليّة الساعية إلى ضرب كلّ مصادر القوّة في الإقليم التي قد تشكّل خطراً عليها في المستقبل.

حسن فحص - اساس ميديا

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا