لبنان في فخّ المعادلة الصفرية: بين نار التسوية وهاجس السيادة
في لحظة إقليمية مشحونة، يبدو لبنان وكأنه محكوم بمعادلة صفرية قاسية يفرضها اللاعبون المعنيون بالصراع الدائر. معادلة لا تترك هامشًا يُذكر للمناورة، حيث يُقاس كل موقف بمعيار الربح والخسارة الصافية، لا بمصالح الدولة العليا. وفي قلب هذه المعادلة، يقف لبنان بين طرفين يرى كلّ منهما أي تنازل للآخر هزيمةً لا تُحتمل.
أي خطوة تقدمها الدولة اللبنانية في اتجاه بنيامين نتنياهو ستُفسَّر داخليًا على أنها خسارة غير مقبولة وتقابل بالرفض تحت عنوان "الكرامة" أو "المقاومة" من قبل حزب الله. وفي المقابل، أي تسوية داخلية لا تعالج مسألة حصرية السلاح بيد الدولة ستُعتبر من الجانب الإسرائيلي تنازلًا استراتيجيًا لا يمكن القبول به. وهكذا، يجد لبنان نفسه محاصرًا بين رؤيتين متناقضتين، كل منهما يفرض شروطه ويعتبر التراجع عنها تهديدًا وجوديًا.
في أدبيات العلوم السياسية، لا يُعدّ هذا المشهد استثناءً، بل يُعرَف ضمن ما يُسمّى بـ"اللعبة الصفرية" (Zero Sum- Game)، وهو مفهوم طوّره كل من جون فون نيومان وأوسكار مورغنسترن، حيث يُختزل الصراع إلى معادلة جامدة: ربح طرف يعني حتمًا خسارة الآخر. غير أن ما يزيد تعقيد الحالة اللبنانية هو تداخل هذه اللعبة مع ما يُعرف بـ "معضلة الأمن" (Security Dilemma)، التي شرحها جون هرتز وعمّقها لاحقًا روبرت جيرفيس، حيث تُفسَّر أي خطوة ، حتى لو كانت دفاعية، على أنها تهديد يستدعي ردًا مضادًا.
الأخطر أن هذه المعادلة لا تكتفي برفض التسويات، بل تعيد تعريفها. فكل رفض لشروط نتنياهو يُقدَّم على أنه انتصار لحزب الله، وكل ضغط داخلي على الحزب يُصوَّر على أنه مكسب لإسرائيل. إنها ليست فقط لعبة صفرية، بل أيضًا ما يشبه "لعبة الدجاج" (Game of Chicken) في أدبيات العلاقات الدولية، حيث يستمر الطرفان في التصعيد لأن التراجع، حتى لو كان عقلانيًا، يُكلف سياسيًا أكثر من المخاطرة بالتصادم.
هذا النمط ليس جديدًا. خلال الحرب الباردة، عاش العالم على إيقاع معادلة مشابهة، حيث كان أي تنازل يُقرأ كضعف، وأي تصعيد قد يقود إلى كارثة. وفي أزمة الصواريخ الكوبية، كاد هذا المنطق أن يقود إلى مواجهة نووية، قبل أن يلجأ كل من جون كينيدي ونيكيتا خروتشوف إلى تسوية غير مباشرة حفظت ماء الوجه للطرفين. حتى في لبنان نفسه، لم يكن الخروج من دوامة الحرب ممكنًا إلا عبر كسر هذه المعادلة من خلال اتفاق الطائف، الذي أعاد تعريف التوازنات بدل الاكتفاء بإدارتها.
في الحالة اللبنانية الراهنة، المشكلة لا تكمن فقط في كون الصراع يُدار كمعادلة صفرية، بل في أنه يُدرَك كذلك. أي أن الأطراف تتصرف على أساس أن أي مكسب للآخر هو خسارة لها، حتى عندما يكون المجال متاحًا لتسويات تقلّل من حجم الخسائر للجميع. وهذا ما يُسميه بعض الباحثين "الإدراك الصفري للصراع" (Perceived Zero-Sum).
من هنا، يصبح تجاوز هذه المعادلة ضرورة لا خيارًا. لا عبر تقديم تنازلات أحادية، بل عبر كسر منطق الربح والخسارة نفسه. يبدأ ذلك بتثبيت مرجعية الدولة كصاحبة القرار السيادي، وتفعيل دبلوماسية مبادرة لا تكتفي بردّ الفعل، والعمل على إعادة بناء حدّ أدنى من الإجماع الداخلي الذي يمنع استخدام كل خطوة في الداخل كرسالة إلى الخارج.
غير أن المعضلة في لبنان لا تقف عند حدود التحليل النظري، بل تتجسّد في واقع داخلي يرفض حسم هذه المسألة. فالدولة، التي يُفترض أن تكون المرجعية النهائية، لا تزال موضع نزاع، والسيادة تُطرح كخيار سياسي لا كحقيقة دستورية.
وهنا يكمن الخلل الجوهري:
لا يمكن الجمع بين دولة وسلاح خارجها،
ولا يمكن الحديث عن سيادة فيما القرار موزّع،
ولا يمكن المطالبة بالاستقرار فيما أسباب الانفجار قائمة.
لبنان اليوم لا يعاني فقط من ضغط الخارج، بل من تردّد الداخل في مواجهة هذه الحقائق. فكل تأجيل للحسم الداخلي، يفتح الباب أمام فرض حلول من الخارج، غالبًا ما تأتي على حساب الدولة نفسها.
المطلوب لم يعد إدارة الأزمة، بل إنهاء أسبابها.
وذلك لا يكون عبر توازنات هشّة، بل عبر قرار واضح لا لبس فيه:
إما دولة تحتكر قرارها بالكامل،
أو استمرار الانزلاق نحو نموذج الدولة الضعيفة.
لبنان اليوم ليس أمام خيار الانتصار أو الهزيمة، بل أمام تحدٍ أكثر تعقيدًا: إما البقاء أسير معادلة يفرضها الآخرون، أو إعادة تعريف قواعد اللعبة بما يخدم مصلحته الوطنية.
لأن الحقيقة التي لم يعد ممكنًا تجاهلها هي الآتية:
الجمهورية لا تُبنى داخل معادلة صفرية…
بل بكسرها، قبل أن تتحول إلى قدر يكسرها.
بولا أبي حنا -نداء الوطن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|