نصّار: هل اقتنع اللبنانيون بأنّ الخيار الوحيد والمنقذ هو لبنان؟
الحروب الكبرى بين نموذجين: الإقرار بالهزيمة أم استعاضتها بالانتصار؟
في الحروب، لا تكون الوقائع وحدها هي التي تصوغ النتائج، بل أيضاً الطريقة التي يُنظر بها إلى هذه الوقائع ويُعاد سردها. فمع كل ضحية تسقط، وتدمير يحصل، يرتفع الشعور العاطفي إلى الواجهة: غضب، ألم، شعور بالظلم، ورغبة طبيعية في تحويل الخسارة المباشرة إلى معنى، ولو عبر إعلان "الانتصار". هذه العاطفة ليست تفصيلاً عابرًا، بل عنصر إنساني مشروع، يحفظ كرامة الضحايا ويمنع اختزالهم في أرقام.
لكن في موازاة ذلك، يفرض منطق الواقع نفسه بوصفه ضرورة لا يمكن تجاهلها. فالسياسات لا تُبنى على الشعور العاطفي وحده، وان لزم أخذه على محمل الجد، بل على قراءة دقيقة لموازين القوى، وللخسائر الفعلية، وللقدرة على تحويل نتائج الحرب إلى مكاسب سياسية مستدامة. وهنا تنشأ الإشكالية: ماذا يحدث عندما تتقدّم العاطفة على حساب الواقع؟ أو عندما يُقمع النقاش الواقعي بذريعة حماية المعنويات أو "عدم إضعاف الجبهة الداخلية"؟
وعلى هذا الأساس تتشكّل السرديات الكبرى للحروب التي لا تُقاس بنتائجها العسكرية المباشرة فحسب، بل بكيفية إدارتها سياسيًا وسرديًا بعد انتهائها. وهنا يبرز نموذجان متناقضان: نموذج يعترف بالهزيمة ويتعامل معها بوصفها مدخلاً لإعادة البناء، ونموذج يرفض الاعتراف بها ويستعيض عنها بإعلان الانتصار، مهما كانت الوقائع على الأرض.
في التاريخ الحديث، شكّل الاعتراف بالهزيمة نقطة تحوّل مفصلية في مسار دول كبرى. بعد الحرب العالمية الثانية، لم تتردد ألمانيا في الإقرار بهزيمتها الكاملة، وهو ما تُرجم سياسياً عبر الاستسلام غير المشروط. هذا الاعتراف لم يكن إذلالاً بقدر ما كان بداية لإعادة تأسيس الدولة، دستورياً واقتصادياً، وصولاً إلى بناء واحدة من أقوى الاقتصادات العالمية.
الأمر ذاته ينطبق على اليابان، التي اعترفت بهزيمتها بعد قصف قصف هيروشيما وناغازاكي، فانتقلت من دولة عسكرية توسعية إلى قوة اقتصادية عالمية. لم يكن التحول ممكنًا دون مواجهة الحقيقة: الهزيمة وقعت، ويجب إعادة تعريف المشروع الوطني على هذا الأساس.
حتى في سياقات أكثر تعقيدًا، مثل حرب فيتنام، اضطرت الولايات المتحدة إلى الاعتراف بفشلها الاستراتيجي، رغم تفوقها العسكري. هذا الاعتراف أتاح مراجعات عميقة في العقيدة العسكرية والسياسة الخارجي حينها .
من هذا المنطلق ان الاعتراف بالهزيمة لا يلغي الكرامة الوطنية، بل يؤسس لوعي سياسي جديد، يُعيد بناء الدولة على أسس واقعية. وهناك في المقابل، نموذج يقوم على إنكار الهزيمة أو إعادة تعريفها كـ"انتصار". وهذا النموذج لا يُنهي الحرب فعليًا، بل يمددها في الوعي السياسي والاجتماعي.
بعد حرب 1967، ورغم الخسارة العسكرية الكبيرة التي مُنيت بها عدة دول عربية، سادت خطابات "الصمود" و"الانتصار المعنوي". لم يكن هذا الخطاب مجرد محاولة لرفع المعنويات، بل تحوّل إلى بديل عن المساءلة والمراجعة، ما ساهم في إعادة إنتاج الإخفاقات.
وفي الحرب العراقية الإيرانية، أعلن الطرفان عمليًا "النصر"، رغم الكلفة البشرية والاقتصادية الهائلة، وغياب أي تغيير جوهري في موازين القوى. هنا يصبح الانتصار مفهومًا سياسيًا دعائيًا، لا واقعًا موضوعيًا. وبالتالي من ينتصر فعليًا؟ السلطة التي تُعيد إنتاج شرعيتها عبر الخطاب، أم المجتمع الذي يتحمل الخسائر؟
في لبنان، تأخذ هذه الإشكالية بعداً أكثر تعقيداً. فمنذ الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975، تكرّس واقع تعددية السرديات والانتصارات. كل فئة تملك "انتصارها" الخاص، حتى في سياق الهزيمة الجماعية للدولة. من دون ان نستثني احدا من القوى السياسية ، وصولا الى المواجهات مع إسرائيل، خصوصاً في حرب تموز 2006، أُعلن "انتصار المقاومة" في مقابل دمار واسع للبنية التحتية وخسائر بشرية واقتصادية جسيمة. وهنا لا يُطرح السؤال فقط حول احقية وانتصارات المواجهات الميدانية للمقاومة، بل حول: لمن يُنسب الانتصار؟ ومن يتحمل كلفة الحرب؟
والمفارقة أن الدولة اللبنانية، حتى حين تكون قائمة بمؤسساتها، تُغيَّب سياسياً لصالح قوى محلية، وتتحول الدولة إلى إطار جامع يُستخدم لاحقا لتوزيع نتائج الحرب ومعالجة آثارها، لا لصنع قرارها.
ففي الحروب التقليدية، تكون الإجابة واضحة: الدولة تنتصر أو تنهزم. لكن في الحروب المركبة وغير المتكافئة، أو في حالات ضعف الدولة، تتفكك هذه المعادلة. وتعود لتتركب وفق معادلة : المقاومة تنتصر عسكريا او تكتيكيا ، والسلطة تنتصر سرديا واعلاميًا، لكن المجتمع والدولة مجتمعة، حيث تضم الجميع هي الخاسر الأكبر، وهنا يتبدل تعريف الانتصار، من نتيجة ميدانية الى اداة سياسية، تحوله المقاومة، الى أداة من أدوات الصراع، نازعة مشروعيتها من هدفها وسياقها.لأن هذه الأهداف الوطنية للمقاومة، يجب أن تنساب بتضحيات المقاومين في مشروع الدولة، لا أن تبقى خارجه. لأن الانتصار الحقيقي ليس فقط في تحرير الأرض، بل في تثبيت الدولة التي تحمي هذا التحرير وتمنع تكرار الحرب.
اذا المسألة ليست في نفي دور المقاومة، بل في تحديد موقعها القانوني والسياسي. فالتجارب التاريخية أظهرت أنها تفرض مشروعيتها، لتحرير اللأرض، وتكرس هذه المشروعية بالتكامل مع اعطاء المعنى السياسي من خلال دمج نتائجها، في مشروع الدولة.
ليبقى السؤال الجوهري:
قد يُعلن "انتصار"، لكن لا يتحقق استقرار، ولا سيادة مكتملة، ولا ازدهار اقتصادي. فهل هو انتصار فعلي أم إدارة للهزيمة؟
خضر نجدي - نداء الوطن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|