حكم "فضيحة البرنابيو".. سيدير ملحمة ريال مدريد وبايرن ميونيخ
خط كركوك بانياس طرابلس.. هل يحيا بإغلاق مضيق هرمز؟
رسمت الجغرافيا قدراً استثنائياً لمدينة طرابلس منذ اللحظة التي تفجر فيها أول حقل نفط في كركوك عام 1927. لم تجد بريطانيا العظمى آنذاك، عبر شركة IPC (Iraq Petroleum Company)، أفضل من هذا الشاطئ اللبناني ليكون المنفذ الحصري لدرّة تاجها النفطي. كانت الحسابات الجيوسياسية وقتها واضحة وصريحة؛ النفط العراقي ذو الجودة العالمية يحتاج منصة تصدير آمنة على المتوسط، فكان لطرابلس أن قدمت نفسها ببيئتها البحرية وموقعها الاستراتيجي كأفضل رصيف شحن في المنطقة، متفوقة بجدواها الاقتصادية على بانياس السورية وحيفا الفلسطينية.
البدايات
نالت الشركة عام 1931 ترخيصاً ببناء المصب في ضواحي طرابلس (البداوي). وتجاوزت المنشأة التي احتلت مساحة مليون ونصف المليون متر مربع كونها مجرد "مجموعة أنابيب"، لقد كانت منظومة متكاملة أدارت مفاصل الطاقة.
يشرح المهندس جلال حلواني لـ"المدن" كيف أنّ خط الضخ الممتد لـ 900 كيلومتر غذّى عشرين خزاناً عملاقاً تعمل بنظام الجاذبية، لتعبئة ناقلات النفط المتجهة نحو أوروبا وأميركا على مدار الساعة. وغادرت عام 1934 أول ناقلة من طرابلس نحو مرفأ "لو هافر" الفرنسي، معلنةً ولادة "العاصمة النفطية" للمتوسط، حيث كانت الباخرة تعبئ حمولتها طوال أحد عشر شهراً في السنة من دون أي خطر جوي أو بحري.
تغلغلت الـIPC في نسيج الشمال لتصبح صانعة حضارة ومؤسسات سبقت الدولة اللبنانية في حداثتها. وُلد مطار القليعات (رينيه معوض حالياً) ليكون القاعدة الجوية المركزية لصيانة آبار النفط والمنشآت في الشرق الأوسط برمته. وعاش الموظفون في المنشأة رفاهية استثنائية.
خناجر "البعث" وقذائف الثمانينيات
اغتيال الدور الاستراتيجي للمنشأة بدأ مع تأميم الشركة في الستينيات وتحويلها إلى مؤسسة حكومية خاضعة لأهواء الدولة العميقة ومصالحها. هنا، تحول "أنبوب النفط" إلى ورقة ابتزاز سياسي. الصراع المرير بين بغداد ودمشق خنق الأنابيب عمداً. فكلما اشتد الخلاف بين العاصمتين، أغلق نظام حافظ الأسد المحابس في وجه طرابلس للضغط على الاقتصاد العراقي. وأدى هذا الابتزاز السياسي إلى دفع بغداد لاستبدال طرابلس بخط "كركوك-جيهان" التركي، لتبدأ رحلة التغييب الممنهج لدور الشمال اللبناني.
ويضيف "حلواني" بأنّ الجريمة الكبرى وقعت عام 1983، حين استهدفت المدفعية السورية المنشآت بحممها، لتفجر الخزانات واحداً تلو الآخر، في واحدة من اكبر الكوارث البيئية التي شهدتها طرابلس في تاريخها الحديث. وبحلول عام 1987، أُطفئت شعلة المصفاة نهائياً. وتحولت المصفاة التي ضمت أول وحدة "تكسير حفزي" (Catalytic Cracking Unit) في العالم وتكنولوجيا إنجليزية متفوقة ومختبرات جودة عالمية، إلى "منشأة يأكلها الصدأ" ومجرد مستودعات لتخزين المشتقات المستوردة بقرار من قوى الأمر الواقع.
إعادة الإحياء ممكنة؟
في ظل اشتعال "حروب الطاقة" العالمية وإغلاق مضيق هرمز وارتفاع كلفة الشحن عبر ممرات مائية أخرى، تستعيد جغرافيا طرابلس قيمتها الاستراتيجية المفقودة. خط "كركوك-جيهان" التركي بات مساراً مكلفاً وغير آمن سياسياً بسبب التجاذبات مع الجانب الكردي، بينما يظل خط كركوك-طرابلس (880 كم) الأقصر والأكثر توفيراً بنسبة تصل لـ 40% من تكاليف النقل الإجمالية.
لماذا يظل هذا الشريان معطلاً ؟ يطرح الامين العام للاتحاد البترولي غسان شدراوي تساؤلات حارقة عن دور "الدولة العميقة". فالعديد من الوفود القطرية والتركية زارت المنشأة وأبدت رغبات استثمارية، لكن ملفاتها تبخرت في أدراج المحاصصة والارتهان السياسي. لبنان يخسر ملايين الدولارات شهرياً لصالح "كارتيلات" الشحن والفيول التي تستفيد من استمرار الاستيراد عبر البحر، في حين تؤكد المعطيات الميدانية أن المنشأة جاهزة تقنياً لاستقبال الخام وتوزيعه خلال شهرين فقط، في حال تأمين الصيانة لنقاط الضعف في الأنابيب الممتدة نحو الحدود.
تعتبر المساحة الشاسعة لل"IPC" (مليون ونصف المليون متر مربع) هي الكنز الحقيقي المتبقي. ومع دخول لبنان عصر التنقيب عن الغاز في بلوكات الشمال، تبرز منشآت طرابلس كخيار وحيد ومثالي لتكون مركزاً (Terminal) عالمياً لتسييل وتصدير الغاز. يمكن للشركات الدولية استئجار هذه الأرض بنظام الـ BOT لبناء معامل معالجة وربطها بحقول المتوسط، ما يوفر للدولة اللبنانية مداخيل بمليارات الدولارات.
الواقع اليوم يشير إلى أننا أمام منشأة مهترئة في ظاهرها، لكنها تملك جغرافيا ذهبية في باطنها. الكوادر البشرية في طرابلس، كما يصفهم شدراوي، لا يزالون يرفعون شعار "Shore is Ready" بانتظار الإشارة من سلطة قررت أن تعيش على الهبات والديون.
استعادة دور طرابلس النفطي يتطلب قراراً سياسياً يكسر أقفال التبعية ويعيد وصل ما انقطع لاستعادة دورها التاريخي كقلب نابض للطاقة في المتوسط.
فهل يعمد الى ذلك أصحاب القرار ، أم يظل حراس الخراب يراقبون احتراق الفرص الأخيرة؟
جمال محيش - المدن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|