إقتصاد

المخزون الاستراتيجي للنفط بين الضرورة السيادية والفرص المتاحة أمام لبنان

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

كتبت كرستينا أبي حيدر - خبيرة قانونية في شؤون الطاقة

في ظل تسارع التحولات الجيوسياسية في المنطقة  وهشاشة أسواق الطاقة، أصبح تأمين إمدادات النفط عنصراً أساسياً في الأمن القومي والاستقرار الاقتصادي. ويُعدّ المخزون الاستراتيجي للنفط احتياطياً طارئاً تستخدمه الدول لمواجهة الانقطاعات المفاجئة في الإمدادات الناتجة عن الأزمات السياسية أو الكوارث الطبيعية أو اختناقات سلاسل التوريد.

يوفر هذا المخزون هامش أمان زمني يتيح الحفاظ على استمرارية القطاعات الحيوية، والحد من اضطرابات الأسواق، وكسب الوقت لإعادة تنظيم مصادر الإمداد، إلا أنه يظل حلاً مؤقتاً لامتصاص الصدمات وليس بديلاً طويل الأمد.

يُستخدم المخزون الاستراتيجي في حالات الأزمات الجيوسياسية كما هي الحال اليوم مع اغلاق مضيق هرمز من قبل ايران ،والكوارث الطبيعية وتقلبات الأسعار والأزمات الاقتصادية، وقد شهدت السنوات الأخيرة توسعاً في استخدامه كأداة سريعة لإدارة الأزمات.

على الصعيد العالمي، تمتلك الدول الصناعية مخزونات كبيرة ومنظمة خصوصا دول السبع والصين ، بينما تعتمد بعض دول الشرق الأوسط المنتجة للنفط على الطاقة الإنتاجية الفائضة كبديل غير مباشر للمخزون الاستراتيجي، ما يعكس تفاوتاً في مستويات الاعتماد على التخزين الاستراتيجي بين الدول.

 لبنان وأزمة أمن الطاقة

يُعد لبنان من أكثر الدول عرضة لمخاطر انقطاع الإمدادات، نظراً لاعتماده شبه الكامل على استيراد المشتقات النفطية، وغياب مخزون استراتيجي فعلي. إذ لا يتجاوز المخزون المتاح حالياً كونه مخزوناً تشغيلياً يغطي فترة قصيرة تتراوح بين 12 و15 يوماً.

هذا الواقع يضع البلاد أمام العديد من نقاط الضعف ابرزها،انكشاف كامل أمام الأزمات الإقليمية والدولية،حساسية عالية تجاه تقلبات الأسعار ومحدودية القدرة على إدارة الطوارئ خصوصا وان لبنان يعتمد بشكل كلي على استيراد النفط

 البنية التحتية القائمة – فرصة غير مستثمرة

رغم التحديات البنيوية التي يواجهها قطاع الطاقة في لبنان، لا يزال البلد يمتلك أصولاً استراتيجية يمكن البناء عليها لتطوير سياسة مستدامة للأمن الطاقوي، وفي مقدّمها منشآت النفط في طرابلس والزهراني. وتشكل هاتان المنشأتان قاعدة مادية ولوجستية قابلة لإعادة التأهيل والتوسعة، بما يتيح للبنان الانتقال من حالة الهشاشة إلى موقع أكثر استقراراً وفاعلية في إدارة موارده النفطية.

في شمال البلاد، تمتد منشآت النفط في طرابلس على مساحة تقارب ثلاثة ملايين متر مربع، وتشمل المصفاة القديمة ومواقعها الملحقة. وقد شهدت هذه المنشأة محاولة لإعادة تفعيل دورها عام 2018 من خلال عقد استثماري مع شركة "روسنفط" الروسية، هدف إلى تحويلها إلى مركز تخزين حديث عبر بناء خزانات جديدة وزيادة قدرتها الاستيعابية لتصل الى حوالي المليون برميل. إلا أن المشروع لم يُستكمل نتيجة فسخ العقد، ما أبقى هذه المنشأة دون استثمار فعلي رغم إمكاناتها الكبيرة.

أما في الجنوب، فتقع منشآت الزهراني على مساحة تُقدّر بنحو 2.2 مليون متر مربع، وتضم مصباً نفطياً ومصفاة كانت تاريخياً تستقبل النفط عبر خط إقليمي طويل. وتبلغ القدرة التخزينية الحالية للمنشأة نحو 150 ألف طن من المشتقات النفطية، مع إمكانية رفعها إلى نحو 500 ألف طن في حال إعادة التأهيل والتوسعة. وتكمن القيمة الاستراتيجية لهاتين المنشأتين في عدة عناصر مترابطة، أبرزها التوزيع الجغرافي المتوازن بين شمال البلاد وجنوبها، والجاهزية اللوجستية لاستقبال وتخزين النفط، إضافة إلى إمكانية إعادة التأهيل بتكاليف أقل مقارنة ببناء منشآت جديدة من الصفر. هذه العوامل تجعل منهما ركيزة أساسية لأي مشروع وطني لإنشاء مخزون استراتيجي من النفط.

على مستوى السعة التخزينية، تشير التقديرات إلى أن القدرة الحالية في لبنان تبلغ نحو 480 ألف متر مكعب، أي ما يعادل قرابة ثلاثة ملايين برميل. إلا أن هذه القدرة غير مستثمرة بالكامل، وتعاني من تقادم البنية التحتية وأضرار لحقت بها نتيجة الحروب والإهمال. في المقابل، يمكن رفع هذه السعة بشكل ملحوظ عبر خطط مرحلية لإعادة التأهيل والتوسعة، بحيث تصل في مرحلة أولى إلى نحو 1.5 مليون متر مكعب، ما يكفي لتغطية استهلاك يتراوح بين 30 و45 يوماً، ثم إلى أكثر من مليوني متر مكعب في مرحلة متقدمة، بما يؤمن احتياطياً يصل إلى 60 يوماً.

اقتصادياً، يتطلب إنشاء مخزون استراتيجي استثمارات كبيرة تنقسم إلى عنصرين أساسيين: البنية التحتية وكلفة تعبئة المخزون. فبينما تتراوح كلفة إنشاء أو تأهيل الخزانات عالمياً بين 100 و300 دولار لكل متر مكعب، يمكن تقدير كلفة إعادة التأهيل في لبنان بين 50 و80 مليون دولار، والتوسعة المتوسطة بين 180 و300 مليون دولار، لتصل إلى 500 مليون دولار في السيناريو المتقدم. غير أن الكلفة الأبرز تبقى في شراء النفط نفسه، إذ إن تخزين نحو 10 ملايين برميل بسعر وسطي يبلغ 80 دولاراً للبرميل يتطلب استثماراً يقارب 800 مليون دولار. وبذلك، يتراوح إجمالي كلفة المشروع بين 700 مليون و1.4 مليار دولار، في مفارقة لافتة حيث تفوق كلفة المخزون أحياناً كلفة البنية التحتية.

انطلاقاً من هذه المعطيات، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات لتنفيذ المشروع في لبنان: الإبقاء على الوضع الحالي بكلفة صفرية ولكن مع مخاطر مرتفعة، أو اعتماد مخزون محدود يغطي بين 15 و30 يوماً ويوفر حماية جزئية، أو التوجه نحو إنشاء مخزون استراتيجي متكامل يغطي بين 30 و60 يوماً، وهو الخيار الأكثر كلفة لكنه الأكثر فعالية من حيث تعزيز الاستقرار الاقتصادي والأمني.

ولضمان نجاح هذا المشروع، يبرز نموذج تنفيذي واقعي قائم على التدرج الزمني في بناء المخزون، بالتوازي مع اعتماد شراكات شفافة وفاعلة بين القطاعين العام والخاص لتخفيف العبء المالي على خزينة الدولة والاستفادة من ديناميكية وخبرة القطاع الخاص، وتطبيق نموذج هجين يجمع بين مخزون حكومي وآخر إلزامي على الشركات المستوردة. كما يمكن الاستفادة من تأجير السعات التخزينية كمصدر إيرادات إضافي. ويتطلب ذلك أيضاً إنشاء إطار مؤسسي واضح، عبر هيئة وطنية مستقلة لإدارة المخزون، ونظام شفاف للإفراج عن الاحتياطات، وتعريف دقيق لحالات الطوارئ.

اضافة لكل ذلك فان إعادة تأهيل وتوسعة مصفاتي طرابلس والزهراني تفتح أفقاً جديداً للبنان على المستوى الإقليمي. فالمصفاتان، بعد تطوير بنيتهما التحتية، يمكن أن تعملان كمراكز استراتيجية لتخزين النفط وإعادة توزيعه، بما يربط المخزون الاستراتيجي اللبناني بأسواق دول المتوسط. ما  يتيح للبنان المشاركة في عمليات تصدير النفط إلى الدول المجاورة، واستقطاب استثمارات جديدة في قطاع الطاقة، وتعزيز دوره كمحور لوجستي وإمدادي إقليمي.

في البعد الاستراتيجي الأوسع، لا تقتصر أهمية هذا المشروع على تلبية الطلب المحلي، بل تمتد إلى إمكانية تحويل لبنان إلى مركز إقليمي لتخزين وإعادة توزيع النفط في شرق المتوسط، بما يسهم في جذب الاستثمارات وتعزيز موقعه ضمن سلاسل الإمداد الإقليمية. غير أن تحقيق هذا الطموح يبقى رهناً بإجراء إصلاحات مؤسسية عميقة وتوفير حد أدنى من الاستقرار السياسي، كشرطين أساسيين لأي نهوض مستدام في قطاع الطاقة.

الخلاصة

يمثل المخزون الاستراتيجي للنفط أحد أهم أدوات إدارة المخاطر في عالم الطاقة الحديث. وبينما تمتلك الدول المتقدمة أنظمة متكاملة، لا يزال لبنان في موقع هش نتيجة غياب هذا المخزون.

لكن في المقابل، فإن المعطيات المتوفرة من بنية تحتية قائمة إلى موقع جغرافي مميز تمنح لبنان فرصة حقيقية لبناء نظام فعال خلال فترة زمنية معقولة.

ورغم أن الكلفة قد تصل إلى نحو مليار دولار، فإنها تبقى محدودة مقارنة بالخسائر الاقتصادية والاجتماعية التي قد تنتج عن انقطاع الإمدادات في بلد يعاني أصلاً من هشاشة بنيوية.

بناءً عليه، فإن الاستثمار في المخزون الاستراتيجي ليس خياراً تقنياً فحسب، بل قرار سيادي يعكس قدرة الدولة على حماية اقتصادها وضمان استمراريتها في مواجهة الأزمات.

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا