بخصوص بشير والـ 10452
يحضر شعار بشير الجميّل عن الـ 10452 بقوّة مؤخرًا على خطّ السجالات التي فجّرتها الحرب الأخيرة. الهدف السياسي من وراء استعمال هذا الشعار من الإرث البشيري واضح: هناك من يريد تكرار تجربة ميشال عون بالتموضع إلى جانب الثنائي "حزب اللّه" / حركة "أمل"، ويبحث عن تبرير أيديولوجي لخطوة مصلحيّة. استخدم عون في ما مضى منطق "حلف الأقليّات" بوجه الخطر السنّي المفترض، ولكنّ الشعار فقد صلاحيّته منذ هزيمة داعش. يتمّ اليوم استحضار شعار بشير كتبرير جديد للعبة قديمة، عنيت التموضع إلى جانب "الثنائي الشيعي" ضدّ إسرائيل باعتبار أنها تحاول قضم أرضنا، ما يجعلها تهديدًا للـ 10452، وإلى جانب النازحين الشيعة، باعتبارهم شركاء بمشروع الـ 10452.
المشكلة باستعادة الشعار البشيري أنها انتقائيّة جدًّا. نعلم من وثائق المبعوث الأميركي فيليب حبيب إلى لبنان التي رفع الأرشيف الأميركي السرّيّة عنها أن فيليب حبيب أخذ على محمل الجدّ تهديد بشير بتقسيم لبنان لو نجح السوريّون بفرض سليمان فرنجيّة، أو أيّ تابع آخر من توابعهم، كرئيس للجمهوريّة بانتخابات العام 1982 الرئاسيّة. ربّ سائل: كيف يمكن لبشير أن يرفع شعار الـ 10452، ويهدّد بآن بتقسيم لبنان؟ الجواب أن بشيرًا رفع الشعار من موقع القوّة؛ ولكنه لم يكن متمسّكًا به ولا بوحدة لبنان لو عنت عمليًّا أن يصير المسيحيّون على الهامش في جمهوريّة يحكمها سواهم، ويختار حافظ الأسد رئيسها.
ليس هذا النوع من التفكير جديدًا أو خاصًّا ببشير ومسيحيّي لبنان وحدهم. كان الحكم السوري بيد قادة علويّين منذ العام 1963 وحتى 2024، دون أن تعلو أصوات علويّة سوريّة تطالب بالانفصال أو الفدراليّة. بمجرّد أن سقط الحكم العلوي، تغيّر الحال. ولا كان سنّة العراق يطالبون بإقليم سنّي منذ قام العراق بعشرينات القرن الماضي حتى سقوط نظام صدام حسين عام 2003. ولكن الأصوات السنيّة المطالبة بالإقليم لم تختف من المشهد منذ أحكم الشيعة قبضتهم على قرار بغداد بعد سقوط صدّام. الجامع بين سنّة العراق، وعلويّي سوريا، ومسيحيّي لبنان واضح: هم مع الحكم المركزي ووحدة الدولة زمن قدرتهم على السيطرة على قرارها؛ وهم مع اتجاهات أخرى عندما يسيطر سواهم على الحكم المركزي ما يجعلهم على هامش المشهد السياسي.
بالعودة لبشير، هو لم يفكّر جديًّا ببناء وطن قوميّ مسيحيّ، صحيح. ولكنه لم يكن رومنطيقيًّا لبنانويًّا. لا شيء بمساره السياسي يشي بأنه كان مع وحدة لبنان ولو ثمنها تهميش الدور السياسي لمسيحيّيه، أو تسليم قرار البلاد للخارج. لو كانت طريق بشير مسدودة للرئاسة عام 1982، فبديله كان فرض استقلال ذاتيّ بالمناطق المسيحيّة بقوّة الأمر الواقع، على أن يتمّ تحويله إلى كونفدراليّة جماعات لاحقًا. كان شرط وحدة لبنان كما فهمها بشير أن يحكم لبنان من بعبدا؛ وأن يكون بشير هو من يحكمه عام 1982. وإن لم تسمح الظروف بذلك، فالبديل الكونفدرالي كان جاهزًا. هذه ليست سياسة لبنانويّ هائم بوحدة لبنان كيفما اتفق ولو على حساب مصالح المسيحيّين الأساسية. هذه سياسة ماروني لا يمزح عندما يتعلّق الأمر بهذه المصالح.
من المفيد تاليًا وضع شعار بشير عن الـ 10452 بإطاره الصحيح لأن من يستعمله حاليًّا لا يفعل. الحقيقة التي لا لبس فيها هي هذه: "الثنائي الشيعي" بنى بالعقدين الأخيرين دولة طاردة لمسيحيّيها لأنها قائمة على الحروب الدائمة، والفقر، والاغتيالات السياسيّة، والعزلة الدوليّة. ثمّ إن "الثنائي الشيعي" سلّم قرار لبنان تمامًا لإيران. نتيجة الحكم الشيعي لجهة وضع المسيحيّين على طريق الرحيل عن بلادهم، وتسليم قرار لبنان للخارج، هي كلّ ما ناضل بشير ضدّه. تاليًا، من يتموضع ضمنًا كامتداد شيعي بالوسط المسيحي غريب عن إرث بشير، ولو استخدمه. وإن كان يظنّ أن بإمكانه الاختباء وراء شعار الـ 10452 فليفكّر مجدّدًا. اللعبة مفضوحة.
هشام بو ناصيف - نداء الوطن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|