مع الحديث عن مفاوضات واشنطن وإيران... من هو ستيف ويتكوف رجل ترامب في الشرق الأوسط؟
هذا الصمود ليس انتصاراً بالتأكيد
يكثر الكلام بتسرّع عن انتصار إيران على أميركا، لمجرد أن النظام الإيراني لم يسقط بعد، وأن الحرب طال أمدها، علماً أنها لم تحطّ رحالها بعد، ولا تزال تعدّ الأيام والضحايا والخسائر.
بعد صمت التقيّة زمناً، ومحاولة البعض تبديل جلدهم مثل الأفاعي، واعتماد خطاب لا لون له ولا نكهة، انطلقت غرف سود لإعادة "تزييت" ماكينات إعلامية - سياسية، تهدف إلى الإيحاء بأن الانتصار على الولايات المتحدة وإسرائيل بات قاب قوسين أو أدنى، وأن من راهن عليها للقضاء على "حزب الله" سيعاقب بعد حين، وأن الانقلاب على الحكم صار وشيكاً.
أول مفاعيل هذا التحريك، بيان نسب إلى "ضباط" في الجيش اللبناني يحرّض على انقسام داخل المؤسسة، في تهديد مباشر للسلم الأهلي، بل محاولة للتلاعب به في سياق ما يعرف بـ"عليّ وعلى أعدائي". رسالة مكشوفة معلومة المصدر، ومعروفة التوجه.
ثم انطلقت تغريدات من غير جهة ومكان، تنذر بعواقب الأمور، وتبشر بانتصار محتوم، انطلاقاً من كلام القيادي في "حزب الله" محمود قماطي الذي حاول التراجع عنه في تبرير غير مبرر. حتى جاء بالأمس كلام عضو المجلس السياسي في "حزب الله" وفيق صفا، الذي ذهب بعيداً جداً، ليصبّ في هذا الإطار، مطلقاً تهديدات في غير اتجاه، ومحرّضاً على الدولة والحكومة، ومتوعداً أطرافا سياسية وشخصيات من حلفائه السابقين الذين يرى أنهم "ضلوا الطريق".
توعّد صفا الداخل اللبناني بترجمة الانتصار "الإلهي" بإسقاط الحكومة، أو تقييدها، وإخضاعها لإملاءات، ودفعها إلى التراجع عن قراراتها. وهو ما حمل ربما رئيس الوزراء نواف سلام إلى القول "لا نريد التصادم مع حزب الله، لكني أرفض الخضوع لابتزازه".
ماذا قال وفيق صفا أمس؟
- سنجبر الحكومة على التراجع عن قرار حظر أنشطة الحزب العسكرية بعد الحرب، بغض النظر عن الطريقة.
- لن نسقط الحكومة في الشارع حالياً، ولكن بعد الحرب ثمة أجندة مختلفة معها، وقد نلجأ إلى الشارع.
- العلاقة السياسية مع الحلفاء والآخرين بعد الحرب ستكون مختلفة (لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين) بعض الحلفاء خاننا أو أخطأ في الحسابات.
الواضح أن "حزب الله" تحول من سياسة الدفاع إلى سياسة الهجوم، خصوصاً بعد سقوط كل القرارات الحكومية في ملف السلاح في أتون الحرب الدائرة، والتي تفرض أن تكون الكلمة للميدان في ذروة المعركة.
ولكن، بعيداً من التهديدات التي يوزعها يميناً ويساراً، والتي تزيد النقمة الداخلية عليه والإصرار الخارجي على تقييده ومحاولة إنهاء دوره، فإن إيهامه مؤيديه بأنه يسلك درب النصر لمجرد التصدي للأعمال العدائية، والصمود في وجه إسرائيل، ليس في محله، لأن الفارق كبير بين الصمود والانتصار.
فما الفارق؟
الفارق كبير جداً، وإن كان السياسيون، والمؤيدون أيضاً، يفضلون الخلط بين المفهومين تجنباً لإعمال الفكر ولأعمال المحاسبة. إن عدم سقوط نظام المرشد والولي الفقيه في إيران، وتمكن طهران من إطلاق الصواريخ على أنواعها، وبأعداد كبيرة، وهي أمور تسجل للنظام على أنها عوامل قوة يملكها، لا تعني انتصاراً، بل هي مجرّد صمود. والحال نفسها في لبنان. "حزب الله" صامد رغم كل الضربات التي تلقاها، وقد نجح "الحرس الثوري الإيراني" في إعادة تنظيم صفوفه، واعتماد خلايا لامركزية "موسعة" في إدارة الأعمال العسكرية. ونجح الحزب في تسديد ضربات موجعة للجانب الإسرائيلي في الداخل، عنده أو على أرض الجنوب اللبناني.
ولكن لا يمكن الحديث عن انتصار قبل انتهاء الحرب، وإعداد جردة بالخسائر، والأهم الإجابة عن القدرة على النهوض. كيف لبلد، أياً يكن اسمه، أن ينتصر بالصمود فقط، إذا احتُلت مدنه وقراه، وسوّيت بالأرض، ودمّرت بناه التحتية، وقطعت أوصاله بضرب جسور الربط والتواصل؟ كيف يمكن قياس الانتصار إذا لم يكن البلد، أي بلد، قادراً على النهوض عبر إعادة إعمار ما تهدّم لإعادة النازحين واللاجئين إلى قراهم ومنازلهم ومحالهم، وتوفير بيئة آمنة لهم، فيها الطمأنينة قبل الماء والكهرباء والتعليم والاتصالات وكل الخدمات الضرورية، وربما أيضا الترفيه، لأنه حق من حقوق الإنسان، وقد بات متوافراً للحيوان في البلدان الراقية؟
الحياة أصلا في معظم عالمنا هذا، ليست في المستوى اللائق للبشر، إذ تقيّدها قوانين وأنظمة ظالمة وديكتاتورية، وتحاصرهم الحروب والتقاتل في كل حين، وتنقصهم الخدمات اللائقة.
الصمود يعني أن تبقى حياً، ومستعداً لجولة جديدة من الحرب، ومتكيّفاً مع مقومات حياتية شبه معدومة، والبقاء على أهبة التصدي للخصوم والأعداء. فيتحول الإنسان كيس رمل، يغذّي جسده بما يلزم للعيش مرحلياً إلى أن يحين وقت موته بعبارات ملطّفة، وكلمات تعظيم.
هذا الصمود ليس انتصاراً بالتأكيد.
غسان حجار- النهار
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|