"الاعتدال الوطني" و"لبنان الجديد" عند عون: دعم كامل لكل خطوة يقوم بها
جنوبيون لم ينزحوا: الصمود أقلّ قسوة من ذلّ التهجير
مع توسّع الاعتداءات الإسرائيلية وتحوّلها إلى حرب شاملة مطلع آذار، نزح آلاف الجنوبيين شمالاً بحثاً عن الأمان. في المقابل، رفض كثيرون مغادرة قراهم، واختاروا البقاء في منازلهم بدل خوض رحلة النزوح والتشرّد في المدن والمناطق اللبنانية. بالنسبة إليهم، يسعى العدو إلى إفراغ الأرض من أهلها، فيما لم تعد «المجتمعات» اللبنانية على القدر نفسه من التضامن، ما يجعل الصمود خياراً لا مفرّ منه، و«إذا كان الموت حتمياً، فليكن في بيوتنا شهداء، لا جوعاً أو عوزاً».
هؤلاء اختبروا النزوح خلال حرب الـ66 يوماً عام 2024، وخلصوا إلى أن كلفة البقاء في القرى أقل من كلفة الترحال بين المناطق. ياسمين، من دير الزهراني، تقول إن قرارها بالبقاء يعود إلى «أزمة الإيجارات ورفض الخضوع لتهديدات العدو»، معتبرة أن «العيش في البيت، رغم الخطر، أفضل من الوقوع تحت رحمة سماسرة يستغلّون معاناة الناس وظروفهم الصعبة».
تجربة ياسمين ليست استثناءً. فبعد موجة النزوح الجماعي فجر الإثنين 2 آذار، والتي تسبّبت بازدحام خانق على الطريق إلى بيروت، لجأت عائلة شقيقتها إلى منزلها، ليجتمعوا جميعاً في «المنزل الكبير». خيار التشارك في المسكن بدا، بالنسبة إليهم، أقل قسوة من التشتّت في مدن لا تتّسع لهم.
في الحي نفسه، بقيت ثلاث عائلات أخرى، رافضة النزوح من أساسها. كيّف هؤلاء يومياتهم مع ظروف الحرب: طعام يقتصر على المُنتجات النباتية لغياب اللحوم، وكهرباء مؤمّنة عبر الطاقة الشمسية، وهواتف تُستخدم لمتابعة الأخبار. تقول ياسمين: «نقضي يومنا نراقب ما يجري، ولا نعرف متى نصبح نحن الخبر». وبين الخوف والاعتياد، نشأت شبكة تضامن محلية: بيوت مفتوحة على بعضها، وجيران يتقاسمون ما توافر من حاجات، ومحالّ تفتح لساعات قليلة لتأمين الحد الأدنى.
في بلدة المروانية أيضاً، اتخذت زينب وأفراد عائلتها القرار نفسه الذي اتخذوه خلال حرب الـ66 يوماً: البقاء في المنزل. مرارة تجربة النزوح السابقة، التي لم تستمر سوى أسبوع واحد قبل العودة إلى المروانية بسبب «بدلات الإيجار الفلكية»، تركت أثراً حاسماً في عدم ترك البيت مُجدّداً.
في النبطية، حيث القصف أقرب وأكثر كثافة، تكثّف قصة أخرى معنى هذا الخيار. وُلدت فاطمة مع بداية الحرب، بعد سنوات طويلة من انتظار والديها. ورغم المخاطر، لم تغادر العائلة المدينة. تقول والدتها إن القرار لم يكن سهلاً، لكنّ «الظروف الأمنية، رغم خطورتها، تبقى أهون من النزوح». بالنسبة إليها، لم يعد الأمان مفهوماً جغرافياً فقط، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بالقدرة على الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار والكرامة.
بين البقاء والنزوح، لا يجد الجنوبيون أنفسهم أمام خيارين متكافئين، بل أمام معادلة قاسية: خطر القصف في القرى، أو خطر الاستغلال والتشرّد في أماكن النزوح. وفي ظل هذا الواقع، يتحوّل البقاء إلى شكل من أشكال الصمود، لا لأنه الخيار الأسلم، بل لأنه، بالنسبة إلى كثيرين، الخيار الأقل قسوة. ولا يلغي هذا الخيار حجم المخاطر التي يواجهها هؤلاء يومياً، ولا يعفي الدولة من مسؤولياتها في تأمين الحماية والحد الأدنى من مقوّمات العيش الكريم، سواء لهم أو لمن اختاروا النزوح.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|