بين التفاوض ونزع السلاح.. هل دخل لبنان فخّ المقايضة المستحيلة؟
يومًا بعد يوم، تزداد الحرب الإسرائيلية شراسة ووحشيّة، فالمعركة التي أطلقها "حزب الله" استباقيًا كما يقول، لم تكن مفاجئة بالحدّ الأدنى لإسرائيل، التي أعدّت العدّة لها جيّدًا، ولم تكن تنتظر سوى الفرصة المناسبة لإطلاقها، ويبدو واضحًا أنها ليست في وارد إنهائها قبل تحقيق أهدافها السياسية التي تحاول فرضها تحت النار، والتي يعرف الجميع أنها تتجاوز نزع سلاح "حزب الله"، بعد القضاء على قيادته.
ومع تصاعد القصف واتساع رقعته، لم يعد الجدل اللبناني محصورًا بكيفية وقف الحرب، بل تمدّد إلى سؤال أكثر تعقيدًا يتصل بدور الدولة نفسها في هذه اللحظة الحرجة: هل المطلوب فتح باب تفاوض مباشر، ولو بوساطة، لوقف النار وتثبيت ترتيبات جديدة، أم أنّ الأولوية، كما يوحي الخطاب الإسرائيلي المتصاعد، باتت لحسم ملف سلاح "حزب الله" أولًا، باعتباره المدخل الإجباري لأي تهدئة أو تسوية؟
هنا تحديدًا يتكشّف جوهر المأزق. فالدولة اللبنانية تبدو عالقة بين ضغط خارجي متصاعد يدفع نحو إعادة ترتيب المشهد بالقوة، وبين واقع داخلي لا يتيح لها فرض مسار أحادي في ملف بهذه الحساسية، من دون أن تهزّ التوازنات الهشّة أصلًا. ومن ثمّ، لا تعود الأزمة مجرّد خلاف على ترتيب الأولويات بين التفاوض والسلاح، بل تصبح أزمة قدرة الدولة نفسها على الإمساك بالملفين معًا، ومنع تحوّل أحدهما إلى شرط مفروض لمعالجة الآخر.
التباس الأولويات: التفاوض أم السلاح؟
لعلّ هذا الالتباس يختصر جوهر المأزق اللبناني، خصوصًا مع تزايد الكلام عن مفاوضات مباشرة، في مقابل تشديد إسرائيلي علني على أنّ إنهاء الحرب يمرّ عبر نزع السلاح. هنا تحديدًا، تبدو الدولة اللبنانية عالقة في معادلة تكاد تكون أكبر من قدرتها. فهي من جهة لا تستطيع تجاهل الضغط الخارجي المتزايد، ومن جهة أخرى لا تملك في الداخل فائض القوة السياسية أو الأمنية الذي يتيح لها فرض مسار أحادي في ملف السلاح، من دون أن تهزّ التوازنات الهشّة أصلًا.
لذلك، لا تبدو الأزمة مجرّد مسألة تقنية تتعلق بترتيب الأولويات بين "التفاوض أولًا" أو "السلاح أولًا"، بقدر ما هي أزمة قدرة الدولة نفسها على الإمساك بزمام المبادرة، من دون أن تتحوّل إلى ناقل لشروط الخارج أو إلى هدف لغضب الداخل. إلا أنّ المؤشّر الأخطر في هذا السياق هو أنّ النقاش لم يعد يُدار تحت سقف مصلحة وطنية واضحة ومتماسكة، بل صار رهينة شروط متبدّلة يفرضها ميزان القوة العسكري.
في خضم هذا المشهد، يبرز خطاب رسمي يحاول الموازنة بين الواقعية السياسية والمسؤولية الوطنية، وهو ما عكسته المبادرة التي أطلقها رئيس الجمهورية جوزاف عون، وجدّد بموجبها الدعوة إلى مفاوضات مباشرة ووقف فوري لإطلاق النار، مع التلميح إلى المضي في مسألة حصر السلاح بيد الدولة، وإن كانت كلّ المعطيات تؤكد أنّ إسرائيل تنظر إلى السلاح بوصفه الشرط الحاسم لإنهاء المواجهة، حتى لو جرى الحديث عن مسارات تفاوضية موازية.
وفي موازاة ذلك، جاء موقف رئيس الحكومة نواف سلام ليرسم بدوره حدود الممكن السياسي. فهو قال بوضوح إنّ الدولة لا تسعى إلى مواجهة مع "حزب الله"، لكنّه شدّد في الوقت نفسه على أنّها "لن ترضخ للابتزاز". ويختصر هذا الموقف عمق المأزق: لا قدرة على الصدام الداخلي بما قد يفتح الباب أمام انفجار واسع، ولا قدرة أيضًا على ترك الأمور تنزلق نحو المجهول بما يعنيه ذلك من مزيد من التآكل في بنية الدولة.
الدولة بين "عجزين"
استنادًا إلى ما تقدّم، يمكن القول إنّ الدولة اللبنانية تقف اليوم بين "عجزين" متلازمين: عجز عن الذهاب إلى مواجهة داخلية مفتوحة مع قوة متجذّرة في النسيج الاجتماعي والسياسي كـ"حزب الله"، وهو خيار يدرك الجميع أنّ كلفته قد تكون باهظة، وعجز عن إقناع المجتمع الدولي بأنّ ملف السلاح هو نتاج تعقيدات إقليمية وتاريخية لا يمكن حلّها دفعة واحدة أو تحت ضغط الغارات، بل يحتاج إلى إيقاع داخلي تراكمي ونقاش وطني هادئ.
هذا التناقض هو ما يجعل الدولة تبدو وكأنّها تتقدّم بخطابين في آن واحد: خطاب للخارج يعتمد لغة الالتزام بالقرارات الدولية والانفتاح على التفاوض ومعالجة الملفات الخلافية، وخطاب للداخل يتبنّى لغة الحرص على الوحدة ومنع الفتنة. لكنّ هذا التوازن اللفظي، مهما بدا منطقيًا من زاوية تجنّب الانفجار الداخلي، لا يلغي أنّ الخارج لم يعد يكتفي بالبلاغة اللبنانية المعهودة، وأنّه يقرأ المشهد بطريقة مختلفة تمامًا.
فإسرائيل، بحسب ما يُفهم من تصريحات قادتها ومسؤوليها، لم تعد ترى في وقف النار غاية بحدّ ذاتها، بل وسيلة لانتزاع خطوات عملية تتصل بسلاح الحزب، وهو ما يجعل المقايضة بين ملفي التفاوض والسلاح أقرب إلى معادلة ضاغطة يصعب على لبنان التعامل معها بشروطه هو. لذلك، فإنّ أخطر ما يواجهه لبنان على هذا الصعيد هو أنّ السلاح تحوّل من ملف داخلي قابل للنقاش إلى شرط يُطرح، تحت النار، بوصفه مدخلًا لإطفاء النار نفسها.
التفاوض... ممرّ أم فخّ؟
ظاهريًا، قد يمثّل التفاوض المباشر أو شبه المباشر مخرجًا واقعيًا لتبريد الجبهات، خصوصًا إذا كان الهدف الفوري هو وقف الاعتداءات وفتح نافذة لترتيبات أمنية جديدة. لكنّ المشكلة أنّ التفاوض المطروح ينطلق من اختلال كبير في موازين القوى، ومع ربطه سلفًا بملف السلاح، بمعنى أن نتيجته مكتوبة سلفًا أميركيًا وإسرائيليًا، وهو بذلك يهدّد بالتحوّل من مسار تهدئة إلى أداة ضغط، أو حتى ابتزازسياسي.
ففي هذه الحالة، سيكون مطلوبًا من الطرف اللبناني الدخول إلى الطاولة وهو محمّل أصلًا بشرط مسبق، أو على الأقل بسقف مرسوم له من الخارج، لا يسمح له بتحويل التفاوض إلى مساحة لتحصيل مكاسب، بل فقط إلى مساحة لاحتواء الخسائر. وهنا تكمن معضلة نواف سلام الكبرى؛ فهو يحاول التمسّك بخيط رفيع: تأكيد مرجعية الدولة ورفض أي سلطة موازية لها، لكن من دون أن يتحوّل إلى أداة لتنفيذ أجندات خارجية في لحظة اشتعال إقليمي.
ولا شكّ أنّ سلام يدرك أنّ أي اندفاعة غير محسوبة نحو الحسم الداخلي قد تفتح أبوابًا لا يملك أحد ضمان إغلاقها. ولذلك تبدو عبارته حول عدم السعي إلى مواجهة مع "حزب الله"، بالتوازي مع رفض "الابتزاز"، تعبيرًا عن حدود القدرة الفعلية للدولة، لا عن تردّدها فقط، ولا سيما أنّ استمرار الغموض سيُستخدم خارجيًا لتكثيف الضغط على لبنان الرسمي.
المشكلة، إذًا، أنّ لبنان لا يملك رفاهية الفصل بين المسارين. فالتفاوض لا يمكن عزله عن ملف السلاح، لأنّ إسرائيل ترفض ذلك أصلًا، وملف السلاح لا يمكن عزله عن ميزان القوى الداخلي وتعقيدات الحرب الجارية. وبدل أن تكون الدولة هي التي ترتّب الأولويات، تجد نفسها مضطرة إلى ملاحقة أولويات يضعها الآخرون. وهذا ما يجعلها تبدو في موقع ردّ الفعل الدائم، لا في موقع الفعل السياسي السيادي.
ما بعد "المقايضة"
في العمق، لا يبدو السؤال المطروح اليوم، في ذروة الحرب، إن كان لبنان يريد التفاوض أو لا، ولا إن كان يريد معالجة ملف السلاح أو لا. هذه الأسئلة، بصيغتها المجرّدة، لم تعد كافية. فالسؤال الحقيقي هو: هل ما يزال لبنان يملك القدرة على تحويل هذين الملفين إلى جزء من أجندته الوطنية، أم أنّه دخل فعلًا مرحلة تُفرض عليه فيها المقايضات من الخارج، بفعل انكشافه العسكري والسياسي والاقتصادي؟
هذا هو الفخّ الحقيقي. لأنّ المقايضة، عندما تُطرح على دولة مستقرة وقادرة، قد تُدار ضمن حسابات دقيقة ومؤسسات واضحة وسقوف تفاوضية معروفة. أمّا حين تُطرح على دولة منهكة ماليًا، ومنقسمة سياسيًا، ومكشوفة أمنيًا مثل لبنان، فإنّها تتحوّل إلى وصفة لتعميق العجز، بحيث يغدو كلّ ملف رهينة للآخر، وتغدو الدولة نفسها رهينة لهما معًا.
في المحصّلة، إذا كانت الحرب قد كشفت مرة جديدة هشاشة البنيان اللبناني، فإنّ المقايضة المطروحة اليوم تكشف ما هو أخطر: أنّ لبنان دخل لحظة يُطلب فيها منه ما يفوق قدرته على الاحتمال، لا ما ينسجم مع مصلحته الوطنية. ولذلك، فإنّ التحدّي الفعلي أمام السلطة اليوم ليس في اختيار الشعار الأنسب، بل في منع تحويل البلد إلى ساحة امتحان لقوة لا يملكها أصلًا. والخطر لا يكمن فقط في الضغط الخارجي، بل في أن يتحوّل لبنان، تحت وطأة الحرب، إلى طرف يفاوض على ما لا يملك أصلًا قرار حسمه في الداخل.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|