"مستعدون للحوار مع لبنان".. ساعر: المشكلة الرئيسية كانت ولا تزال حزب الله
اقتصاد الحرب: تجهيز منزل بأسعار "سياحية"
على عجل، حمل الجنوبيون ما أمكن من ثياب وأغراض، وخرجوا هائمين إلى الشوارع. بعضهم حدّد وجهته مسبقاً، وآخرون اتّجهوا نحو المجهول. وفرص إيجاد منازل في مناطق آمنة، كانت هذه المرّة أقل من فرص الحرب السابقة التي انفجرت في 23 أيلول 2024. فخروج الأهالي من الجنوب إثر الردّ الإسرائيلي على صواريخ حزب الله التي أطلقها ثأراً لمقتل المرشد الإيراني علي خامنئي، جاء تحت ثقل الخطاب المتعالي الذي روّج له الحزب ضدّ خصومه السياسيين، منذ وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني 2024. وأيضاً، تحت ثقل استهداف العدوّ الإسرائيلي لمبانٍ سكنية زارها عناصر وقيادات من الحزب خلال الحرب الماضية، فكان الخوف من تكرار المشاهد، سبباً رئيسياً في إقفال أبواب منازل كثيرة في وجه النازحين، من جهة، وفي رفع بدلات الإيجار إلى أرقام خيالية، من جهة أخرى. الأمر الذي ضيَّقَ الخناق على النازحين الذين انزلقوا إلى رحلة استنزاف إضافية لمدّخراتهم، زاد قساوتها ارتفاع الأسعار إثر رفع الحكومة الضريبة على البنزين والـ TVA. وعليه، بات للجنوبيين النازحين اقتصاد حربٍ يعيشون يومياته بغصّة كبيرة.
البحث عن منزل وتجهيزه
منذ ساعات الفجر الأولى ليوم الإثنين 2 آذار، بدأ عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تداول أرقام إيجارات خيالية تفوق بأضعاف الإيجارات التي عرضت في الحرب السابقة، أي بين أيلول وتشرين الثاني 2024. فالمنازل التي أُجِّرَت بنحو 700 دولار حينها، عرضت اليوم بين 1500 و2000 دولار. في حين أنّ بعض البلديات منعت المواطنين ضمن نطاقها البلدي، من استقبال النازحين سواء بالمجّان أو ببدل، مهما كان المبلغ المطلوب كبيراً.
في بعض القرى التي استقبلت النازحين في الحرب الماضية، كان رفض استقبال النازحين هذه المرّة محرجاً. لا سيّما وأنّ علاقة طيّبة جمعت النازحين بأصحاب المنازل، فكان السبيل إلى التهرّب من التأجير على قاعدة المثل القائل "ما بدّك تزوِّج بنتك، غَلّي مهرها"، فطلب أصحاب المنازل أسعاراً خيالية، بحجّة الأوضاع الاقتصادية. وفي أحد الأمثلة، اتّفق أحد النازحين مع صاحب منزل في إحدى قرى صيدا، على تأجير المنزل بـِ 600 دولار. ليعود صاحب المنزل ويطلب 700 دولار. ورغم موافقة النازح، عدّل الطلب إلى 1000 دولار. وبعد الموافقة الثالثة، عاد واعتذر، متذّرعاً بأنّ أخته المسافرة اتصلت وطلبت عدم تأجير المنزل لأنها ستقصد لبنان قريباً.
في كافة الاتجاهات من مدينة صيدا وصولاً إلى أبعد النقاط الحدودية شمالاً، توزّع الجنوبيون أينما سُمِحَ لهم بالوصول. وتوفيراً للمال ولمواجهة نزوح مفتوح على كلّ الاحتمالات، اختار البعض استئجار منزل من دون أثاث. وبهذا الخيار، بدأت رحلة البحث عن فرش وبطانيات ووسائد. والرحلة الصعبة تبدأ من مراكز توزيع هذه المستلزمات.
في المراكز، زحمة خانقة، ومحاولات لتنظيم التوزيع، تنجح حيناً وتفشل أحياناً، فالجميع يريد الحصول على كمية كافية في أسرع وقت، لأن البرد لا ينتظر، خصوصاً بالنسبة للأطفال وكبار السن. وفي الليلة الأولى للنزوح، نام كثيرون على البلاط. افترشوا ثيابهم ولبسوا بعضها للشعور بأكبر قدر من الدفء، وحاولوا النوم. وفي مراكز توزيع الحاجيات، تبادل النازحون أخبار تجاربهم.
أسعار سياحية
بعض المعلّبات التي حصل عليها النازحون كمساعدة غذائية، لم تكفِ، فإعداد أبسط وجبة طعام ينطوي على مستلزمات لا بدّ منها. فطبخ الأرُزّ على سبيل المثال، يحتاج إلى غاز، فتُطرَح الخيارات، شراء غاز مع فرن بما لا يقلّ عن 150 دولاراً، أم غاز أصغر بثلاث عيون مع قارورة بما لا يقلّ عن 90 دولاراً، أو شراء غاز صغير عادة ما يُستَعمَل للنزهات بنحو 20 دولاراً؟. لكن اتخاذ القرار ينطوي على تحمّل الآثار الجانبية. فكلّما كان الحجم أصغر، زاد خطر وقوع قدر الطعام من على الغاز، وكلّما كان أكبر وأكثر أماناً، زاد سعره.
وماذا عن البرّاد والطاولات والكراسي والصحون والأكواب؟... وهي احتياجات أساسية. الوجهة في هذه الحالة، نحو أقرب سوبرماركت ومحال بيع الأدوات المنزلية. وفي هذه الأثناء، يُفتَح الحساب وينطلق عدّاد الدفع. أمّا الأسعار، فتشير إلى موسم سياحي وليس حالة حرب ونزوح. ففي بعض المناطق، تُحَدّد الأسعار بحسب الزبائن، إن كانوا من "أهل المنطقة"، يلتزم صاحب المحلّ بالأسعار المعروفة، وإن كانوا من "النازحين"، ترتفع الأسعار. على أنّ هذا الواقع، أثار سخط بعض الأهالي الذين عبّروا عن رفضهم رفع الأسعار، مطالبين بخفضها إن كان الزبون نازحاً، وليس العكس، لأن وجود النازحين في المناطق اليوم ليس بدافع السياحة.
بيع الذهب
وتحت وطأة الحاجة، اضطرّ بعض النازحين إلى بيع مدّخراتهم من الذهب لسداد مصاريفهم الطارئة. وأكثر ما يؤلم هؤلاء، هو انهيار محاولة الاستفادة من ارتفاع أسعار الذهب، للقيام بادخار يستندون عليه للبدء بمشروع أو توسيع تجارة أو إنهاء بناء منزل أو ما شابه، لكنّهم اليوم يضطرّون للبيع لتغطية نفقات استهلاكية يفترض أنّهم بالغنى عنها، لكن الحرب المفاجئة فرضتها.
العودة ضبابية
مع اندلاع الحرب، لا تبدو العودة إلى الجنوب قريبة. خصوصاً وأنّ العدوّ يرفض ربط وقف إطلاق النار باحتمال انتهاء الحرب مع إيران. ولذلك، يخاف الجنوبيون من ضبابية المشهد المتعلّق بوقف الحرب والعودة. إلاّ أنّ بعض الجنوبيين اختار عودة جزئية تمثّلت بالمخاطرة في التوجّه نحو الجنوب لحمل ما أمكن من أغراض البيت والألبسة والحاجيات، للحدّ من إلزامية شرائها من أماكن النزوح. إلاّ أنّ هذا الوجه من وجوه العودة، يحمل خطر الموت باستهداف إسرائيلي محتمل في أي لحظة. لكن مَن يتّخذ هذا الخيار، يدرك أنّ عدم اتخاذه يعني دفع أكلاف مالية قد لا تكون موجودة، فتبقى العودة إلى الجنوب إلزامية تحت وطأة العَوَز.
يلتقي النازحون ببعضهم في الشوارع والمحال التجارية ومراكز توزيع المساعدات. يسألون عن أحوال بعضهم وصعوبات تأمين احتياجاتهم اليومية. وفي بالهم أمر واحد هو العودة إلى منازلهم وإن كانت ركاماً، فهناك، يمكن العيش على التراب بدل بلاط شقّة بارد.
خضر حسان - المدن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|