الصحافة

"يا هلا بالدولة في الجنوب"

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

كتب عمر العريضي :

في لحظة مفصلية من تاريخ لبنان، يبقى الجنوب أحد العناوين الأساسية لضمان وحدة لبنان الكبير، ومدخلًا رئيسيًا لإعادة بناء الدولة. فالقضية هناك ليست سلاحًا فقط، ولا شعارًا سياسيًا عابرًا، بل سؤالًا سياديًا: لماذا غابت الدولة طويلًا؟ وكيف يمكن أن تعود من دون إنكار الوقائع أو القفز فوق جذورها التاريخية؟

قضية حزب الله ليست حدثًا طارئًا، ولا يمكن مقاربتها بخطاب موسمي أو سجال إعلامي. لفهمها، لا بد من العودة إلى المسار الذي حوّل الجنوب من منطقة مهمّشة إلى ساحة نفوذ إقليمي. فمنذ نكبة 1948، تعرّضت القرى الجنوبية لاعتداءات إسرائيلية متكررة، في ظل غياب عسكري وإنمائي شبه كامل للدولة، نتيجة مقاربة مركزية همّشت الأطراف. وتعقّد المشهد أكثر في سبعينيات القرن الماضي مع تحوّل الجنوب إلى ما عُرف بـ«فتح لاند»، حيث تراجعت سيادة الدولة أمام تمدّد الفصائل الفلسطينية، فوجد المواطن نفسه عالقًا بين اعتداء خارجي وفوضى داخلية، بلا مرجعية رسمية.

ثم جاءت حرب 1978 واجتياح 1982، وما تلاهما من احتلال إسرائيلي طويل فرض واقعًا أمنيًا خارج سلطة الدولة اللبنانية. هذا التراكم — تهميش مركزي، تفكك داخلي، واحتلال خارجي — أوجد فراغًا أمنيًا واجتماعيًا عميقًا. والسياسة لا تعترف بالفراغ. من هنا دخلت إيران عبر حزب الله، الذي قدّم شهداء وأنجز التحرير عام 2000، مستندًا إلى تمويل منظّم، وبنية عسكرية متماسكة، وشبكة خدمات اجتماعية ملأت فجوة تركتها الدولة. حين تغيب الدولة، لا يختفي المجتمع؛ بل يبحث عن بديل.

من هذا المنطلق، تكتسب زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى الجنوب دلالتها السياسية. فالجنوب يعيش منذ أكثر من عام على وقع تصعيد عسكري إسرائيلي مستمر، يدفع ثمنه أبناء المنطقة، وآخرهم الطفل علي حسن جابر. الترحيب الشعبي بالزيارة لم يكن تفصيلًا بروتوكوليًا، بل رسالة سياسية واضحة: الناس تريد الدولة، لا مجرد خطاب عنها.

عبارة "يا هلا بالدولة بالجنوب" لم تكن مجاملة، بل اختصارًا لعقود من الغياب وتوقًا إلى حضور طبيعي لمؤسسات يُفترض أنها تمثّل المواطنين. والمشهد الأكثر دلالة كان لأم رفعت صورة ابنها الشهيد وقالت: «ما عاد بدنا ولادنا يموتوا، بدنا الجيش اللبناني والدولة يحمونا». في هذه الجملة تختصر معادلة كاملة: مطالبة صريحة بأن يكون قرار السلم والحرب بيد الدولة وحدها، وأن تكون هي الحامية للأرض والسيادة.
لكن السيادة لا تقتصر على حصر السلاح، رغم ضرورته. السيادة تبدأ باحتكار العنف المشروع، لكنها تترسّخ يوميًا عبر خدمات الدولة: من المدرسة الرسمية إلى البنى التحتية، ومن القضاء العادل إلى الإدارة الفاعلة. حين تؤمّن الدولة هذه المقومات بعدالة وكفاءة، يصبح الانتماء إليها مصلحة ملموسة لا مجرد شعار، وتتراجع الحاجة إلى أي بدائل، داخلية كانت أم خارجية.

في هذا السياق، يبرز طرح اللامركزية الإدارية كخيار إصلاحي جدي، لا كشعار سياسي فقط. فاللامركزية ليست تقسيمًا مقنّعًا ولا تهديدًا للوحدة الوطنية، بل إعادة توزيع عقلانية للصلاحيات والموارد، تمكّن المناطق من إدارة شؤونها التنموية بفعالية ومساءلة أعلى. هي أداة لتعزيز الدولة عبر تقويتها في الأطراف، لا لإضعافها. دون إصلاح إداري ومالي عميق، سنبقى نعيد إنتاج التهميش ذاته الذي مهّد لكل اختلال لاحق، من الجنوب إلى مآساة طرابلس الأخيرة وسواها.

لكن أي إصلاح يبدأ بقرار سياسي شجاع. لا يمكن بناء الدولة بخطاب التخوين أو الإلغاء المتبادل، كما لا يمكن إنكار الواقع الإجتماعي السياسي و الطائفي القائم. لبنان لا يُبنى إلا بدولة واحدة، و سلطة واحدة؛ دولة تحمي جميع أبنائها، تفرض هييتها، تكرس مؤسساتها، تدير التنوع اللبناني الفريد، وتُنهي منطق الدويلات داخل الدولة.

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا