"الجبهة السيادية" تطالب إلغاء معاهدة التعاون والتنسيق مع سوريا 1991
الانتظام المالي والحاجة إلى الانتظام التشريعي
كتب العميد الدكتور غازي محمود :
أثار مشروع الانتظام المالي، والذي يُعرف أيضًا بقانون الفجوة المالية، منذ إقراره في مجلس الوزراء في نهاية العام المنصرم، موجة واسعة من المواقف المتباينة، منها الرافض ومنها المؤيد، غلب على المواقف المؤيدة منها قدرٌ كبير من التحفظات الجوهرية التي تجعلها أقرب إلى الرفض.
وعلى الرغم من مرور أكثر من أربعين يومًا على إحالة مشروع قانون الانتظام إلى المجلس النيابي، لا يزال قابعًا في أدراجه، من دون إحالته إلى اللجان المختصة لدراسته وإجراء التعديلات المناسبة عليه، الأمر الذي يُرجح استحالة إقراره من قبل المجلس الحالي، في حال جرت الانتخابات النيابية في موعدها الدستوري.
وسبق أن تناولتُ محاذير هذا التأخير منذ نهاية تموز 2025، في مقال حمل عنوان "إصلاح المصارف ينتظر قانون الفجوة المالية"، حيث اعتبرت أن كل تأخير في إعداد قانون للانتظام المالي وإحالته إلى مجلس الوزراء، ومن ثم إلى المجلس النيابي، من شأنه أن يُفضي حتمًا إلى تعطيل مسار إقراره، خاصةً مع اقتراب استحقاق الانتخابات النيابية. ويُفاقم هذا التأخير من تعقيد الأزمة ويُعيق إطلاق ورشة إصلاح القطاع المصرفي، لا سيما وأنه تم ربط تنفيذ أحكام قانون إصلاح المصارف بصدور قانون الانتظام المالي.
مشروع القانون خطوة لا بد منها
لا شك في أن إقرار الحكومة لمشروع قانون الانتظام المالي يُشكل، من حيث المبدأ، خطوة لا بد منها لوضع أزمة الودائع على سكة الحل، ومحاولة لكسر الجمود الذي يُسيطر على هذا الملف منذ ست سنوات. ويُحسب لمشروع القانون تأكيده على مبدأ حماية صغار المودعين واحترام تراتبية توزيع الخسائر، وهو مبدأ أساسي لا بد من مراعاته في أي عملية ذات مصداقية لإعادة هيكلة القطاع المصرفي، فضلًا عن إشارته إلى مفاهيم المساءلة والمحاسبة وتحميل المسؤوليات.
ويهدف مشروع القانون، وفق المدافعين عنه، إلى حماية الغالبية الساحقة من المودعين، إذ يسمح لنحو 780 ألف حساب ضمن سقف المئة ألف دولار، باسترداد كامل ودائعهم. ويُروَّج لهذا التوجه على أساس أن حماية هذا العدد الكبير من المودعين يُسهم في إرساء الاستقرار الاجتماعي. وفيه كذلك محاولة لتحقيق التوازن بين حقوق المودعين من جهة، وقدرة الدولة المالية واستدامة الدين العام من جهة أخرى، للحؤول دون تحميل الخزينة أعباءً إضافية.
فجوات قانون الفجوة
إلا أن هذه الإيجابيات لا تحجب ما يعتري مشروع قانون الانتظام المالي من عيوب بنيوية وثغرات جوهرية. وخاصةً لجهة عدم مواكبته مع تدقيق جنائي دولي يحدد حجم الفجوة المالية ومصادرها والمسؤوليات المترتبة عنها. إذ من غير الممكن، من الناحيتين القانونية والاقتصادية، معالجة فجوة مالية غير مُحدد حجمها بدقة، أو توزيع أعبائها من دون تحديد مسبق لمسؤوليات نشوئها.
ولعل العيب الأبرز الذي يعتري هذا المشروع هو اعتباره أن الفجوة المالية هي خسائر يمكن توزيعها بين الأطراف الاقتصاديين، في حين تمثل الودائع، من الناحية القانونية، ديونًا صريحة في ذمة مصرف لبنان والدولة، ولا يجوز التصرف بها أو شطبها أو ردها جزئيًا، كونها ملكية خاصة يحميها الدستور والقوانين المرعية الإجراء.
ومن شوائب مشروع القانون أنه يخلط خلطًا غير مبرر بين مفهوم الخسائر ومفهوم الأعباء، في محاولة واضحة للتهرب من تحديد المسؤوليات القانونية عن الخسائر ومحاسبة المتسببين بها، والاستعاضة عن ذلك بتوزيع أعباء الأزمة على المودعين والمجتمع ككل، كلٌ بحسب قدرته على التحمل.
ولا يكفي، في هذا السياق، أن يكفل هذا المشروع حقوق المودعين بدفعات نقدية شهرية حتى مبلغ 100 ألف دولار، بالإضافة إلى شهادات مالية لكبار المودعين، من دون أي مقاربة علمية لمسألة القيمة الفعلية لهذه الودائع. فقد أثبتت التجربة منذ عام 2019 أن القيمة الحقيقية للودائع كانت أول ضحايا السياسات النقدية، من خلال تعدد أسعار الصرف، وسقوف السحوبات، وأنواع الإيداعات، التي فُرضت بموجب تعاميم مصرف لبنان، بالتكافل والتضامن مع المصارف التجارية.
أما الشهادات المالية الطويلة الأجل للودائع التي تتجاوز الـ 100 ألف دولار، فتفتقر بدورها إلى أية ضمانات اقتصادية حقيقية لقيمتها. فعلى الرغم من اعتبار مشروع القانون أنها مدعومة بأصول مصرف لبنان، وفي مقدمتها الذهب، إلا أنه يعود ليؤكد في الوقت نفسه الالتزام بأحكام القانون رقم 42 الصادر بتاريخ 24 أيلول 1986 (قانون حماية الذهب). الأمر الذي يحرم الشهادات المالية المخصصة لكبار المودعين من أي غطاء فعلي، ويضعف قيمتها الاقتصادية إلى حد كبير.
مصادر التمويل مجهولة
يُحمِّل مشروع القانون الدولة، ومصرف لبنان، والمصارف التجارية مسؤولية سداد الودائع، حيث تُسدد المصارف 40% من قيمتها، مقابل 60% لمصرف لبنان، فيما ترتفع مساهمة مصرف لبنان إلى 80% في حالة الشهادات المالية، مقابل 20% للمصارف. وفي الحالتين يُسدد مصرف لبنان بالأصالة عن نفسه وبالنيابة عن الدولة النسب المشار إليها أعلاه، من غير أن يُحدد المشروع مصدر هذه الأموال التي سيعتمد عليها مصرف لبنان للوفاء بهذه الالتزامات، وهذا نقص جوهري لا يُمكن اعتباره تفصيلًا تقنيًا قابلاً للتجاوز.
أما بالنسبة للمصارف، فإن قدرتها على المساهمة تبقى مشروطة بإنجاز تدقيق شامل في حسابات مصرف لبنان، وتقييم دقيق لأصول المصارف وتصنيفها. وفيما يُتوقع أن يُرتب مشروع القانون على المصارف مسؤولية تأمين نحو 8 مليارات دولار للمودعين حتى مبلغ 100 ألف دولار، تشير التقديرات الواقعية إلى أن السيولة المتاحة لا تتجاوز 3 إلى 5 مليارات دولار، فضلًا عن أن بيع معظم الأصول المصرفية، إن حصل، لن يكون كافيًا لتغطية هذه الالتزامات، ما يطرح تساؤلات جدية حول قابلية التنفيذ.
مشروع قانون دون رؤية
إلى ذلك، يفتقر مشروع قانون الانتظام المالي إلى أي رؤية اقتصادية مستقبلية متكاملة، الأمر الذي يحول دون أن يكون المشروع عامل جذب للاستثمارات الأجنبية أو لإعادة الثقة بالقطاع المالي. فالمستثمرون والمؤسسات الدولية لا يبحثون فقط عن تسويات محاسبية للأزمات السابقة، بل عن سياسات اقتصادية ومالية متكاملة تؤمن مصادر مستدامة للعوائد المالية على استثماراتهم، وقضاء مستقل وفعال يضمن الحقوق ويحمي الاستثمارات. فيما تُشكل المماطلة في إقرار القوانين في المجلس النيابي، والتأخير المزمن في إصدار الأحكام القضائية، مؤشرات سلبية تُفاقم صعوبات إطلاق الاقتصاد اللبناني.
حتى لا يُصبح المودعون مثل "طالبي الدبس"
إن الثغرات المتعددة والشوائب البنيوية التي يتضمنها مشروع قانون الانتظام المالي تستوجب عملًا تشريعيًا جديًا وحثيثًا لسدها، وتعديل أحكامه بما يضمن إنصاف المودعين بجميع فئاتهم، ولا بد من تعديلات تُعيد الثقة بالدولة أولًا وبالقطاع المصرفي ثانيًا، فعندما يطمئن المودع إلى أن أمواله مصونة بالقانون، تعود ثقته بالدولة والمصارف معًا.
ويبقى السؤال الجوهري: هل سيتمكن المجلس النيابي، ولا سيما لجنة المال والموازنة، من الارتقاء بهذا المشروع إلى مستوى التحدي الوطني الذي يمثله، أم أن من فقد القدرة على حماية الحقوق لن يكون قادرًا على إعادتها؟
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|